كلمة في الزحام

القرش لا يمزح

حكيم مرزوقي

ألهمت واقعة قرش الغردقة خيال الذين يتمنون في عقلهم الباطن الانتقام من أصحاب المال القادرين على تمضية عطلهم في شواطئ البحر الأحمر أو حتى الذين تضطهدهم حمواتهم، لكن لم يفكر واحد فيهم في حال عائلة السائح الروسي المفجوعة بفقيدها.

هكذا يتناغم ويتفاعل الناس مع الأحداث المخيفة والمرعبة على درجة قربهم أو ابتعادهم منها، فإن كانت لا تشكل خطرا يتهدد أمنهم، ويصعب حدوثها لديهم، عمدوا إلى إطلاق النكات حولها فأطلقوا لخيالهم العنان، على شاكلة حادثة سمك القرش الذي افترس سائحا روسيا في الغردقة المصرية.

وإذا ما تأكدت فرضية حدوث مثل هذه الكوارث لديهم، فإنهم يتوقفون تدريجيا عن تمييع الحادثة عبر إطلاق النكات، يثوب إليهم رشدهم، يتعاملون بجدية أكثر مع الموضوع، وتبدأ سلسلة الرعب بتناقل خبر أول حادثة وقعت بالقرب من ديارهم، تماما مثل أول إصابات كورونا في عالمنا العربي.

قبل أيام قليلة من حلول كوفيد19ضيفا مرعبا على ديارنا، كان جمهور صفحات التواصل الاجتماعي، يتبادل الطرائف ويصطنع النكات حوله، وسرعان ما سكت الجميع تحت كماماته، وبدأ الناس يتناقلون عدد ضحاياه، يسدون لبعضهم النصائح، ويدعون الله لحمايتهم من هذا الوباء.

الأخطار المحدقة ـ كالحب ـ أولها هزل وآخرها جد، يظن بعضهم أنه في منأى عنه، ولم يكن يعلم الواحد منا أنه سوف يقع في شراكه يوما.

الأمر يشبه تقنية اللقطة السينمائية، فإن كانت بعيدة على شاكلة “الزوم آوت” بدت لا تعنينا بل وقد تثير مفارقات مضحكة على شاكلة رجل متأنق يتزحلق في قشرة موز، أما إن كانت اللقطة قريبة وفق تقنية “الزوم إن”، فإنها تبعث الشفقة والتعاطف وحتى الخوف، ونحن نرصد تفاصيلها.

تزحلق رجل فقير ورث الهندام في قشرة موز، مشهد شبه طبيعي بالنسبة لعامة المشاهدين، أما إذا كان ضحية قشرة الموز رجلا من علية القوم، وفي كامل أناقته، فهو حدث جلل في أذهان المراقبين، ذلك أنهم يظنون أن الأثرياء والمرموقين لا يتزحلقون في قشور الموز.

هذا ما حصل مع فايروس كورونا الذي أصيبت به شخصيات في قمة الشهرة والوجاهة في عوالم السياسة والمال والنجومية الفنية.. وسقطت النظرية القائلة بانتقائية وطبقية وعنصرية بعض الأوبئة والأمراض والأخطار، ولكن العلوم تستمر في رصد الكوارث وإبداء الملاحظات دون أي تحيز.

ربما حمد فقير الله في سره أنه لن يتمكن يوما من قضاء الصيف في الغردقة، وربما اطمئن سكان المتوسط لوضعهم الجغرافي بما أن بحرهم لا تسكنه القروش الخطيرة، وربما تمنى بعض سكان أوروبا لو كانوا من تلك البلدان الفقيرة وذوي البشرة التي لم يعربد فيها الفايروس.. وربما أراد الله بالمفلسين خيرا لما حرمهم من الثروات وحماهم من الإفلاس.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى