بولتون – ترامب أبعد من صراع رجلين

 

علامَ يختلف دونالد ترامب وجون بولتون خلافاً يصل حداً من الحدة لا سابق لها بين رئيس ومستشاره من الحزب نفسه؟

الأول جون بولتون، يحمل لقب عاشق الحروب وتغيير الأنظمة بالقوّة. أحد أبرز الصّقور الّذين قاتلوا بشراسة محمومة لتغليب خيار حرب العراق واحتلالها، وحرب أفغانستان، والمتحمّس بشدة لحرب تموز/يوليو في العام 2006، إذ حرّض علانية، وبعنف، على عدم وقف العدوان قبل تدمير المقاومة، حتى حين أرادت تسيفي ليفني ذلك.

هو المؤيّد بعنف للخيار العسكريّ الأميركيّ ضدّ سوريا، والرافض لأية تسوية تعني الانسحاب العسكري الأميركي، والمصرّ على البقاء في قاعدة التنف لمصلحة إسرائيليّة معلنة. من أشرس المعادين للإسلام وللاتّفاق النوويّ مع طهران، والدّاعي إلى إسقاط النظام الإيراني بالقوة، والمعارض بالتالي لأيّ لقاء أو أية صفقة بين ترامب ومسؤول إيراني، والمطالب بحدة برد عسكري على طهران بعد إسقاط الطائرة المسيّرة، وكذلك بضرب الوجود الإيراني في سوريا، وصولاً إلى طرده بمختلف الوسائل، ومنها دعم الغارات الجوية الإسرائيلية.

وهو أيضاً الصهيوني وأحد أبرز المحافظين الجدد، الّذي تنعته الصحافة العبرية بأقرب أصدقاء “إسرائيل”، والمعارض لحل الدولتين في فلسطين. عضو أساسي في فريق عمل جورج بوش الأب وجورج بوش الابن، وعضو فاعل في معظم المؤسّسات الاستراتيجية اليمينية المحافظة: “مشروع القرن الأميركي” في “المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي”، “لجنة السلام والأمن في الخليج”، معهد “أنتربرايز”، معهد “غيتسون”، معهد “يست ويست ديناميكس”، والأكثر دلالة: “اللجنة الوطنية للأسلحة”.

عندما أُقيل من منصبه كمستشار للأمن القومي، انبرى له ديموقراطيون وجمهوريون على حد سواء، فلاقى وداعاً حاراً من الائتلاف اليهودي الجمهوري، وقال له المدير مات بروكس: “شكراً لدفاعكم عن إسرائيل”، كما اعتبر المجلس اليهودي الديموقراطي أنَّ إقالته دليل على فشل قيادة ترامب، غير أن رون كامبيس، مدير مكتب وكالة التلغراف اليهودية في واشنطن، كتب أنّ إقالة بولتون قد تسبّب قلق “إسرائيل” من رحيل رجلها الأول في الإدارة الأميركية، فردَّ عليه دانيال بليتيكا (نائب مدير معهد “أميركان أنتربرايز”) بأنَّ من يتصوَّر أنَّ رحيل بولتون بمثابة إشارة على التغيير إزاء “إسرائيل” مخطئ، فما يزال هناك بومبيو وكوشنير، والأخيران هما رجلا الثاني ترامب، الرئيس الّذي أقرّ نقل السفارة إلى القدس، وأقرّ “صفقة القرن”، وألغى الاتفاق النووي مع إيران، ويدعم ضمّ الجولان والضفة الغربية وغور الأردن.

إذاً، علامَ يختلف دونالد ترامب وجون بولتون خلافاً يصل حداً من الحدة لا سابق لها بين رئيس ومستشاره من الحزب نفسه؟

التحليل الذي سمعناه من البعض خلال الأيام الأخيرة، يعيد الأمر إلى أسباب شخصية تؤدي إلى وصف الرئيس بالمجنون، والمستشار وكأنه متمرد ثائر، غير أنَّ الأمور أبعد وأعمق من ذلك بكثير، بل أبعد من الحزبين الجمهوري والديموقراطي، وتتجاوز الولايات المتحدة نفسها.

الصراع الذي برز بين الرجلين هو في العمق صراع شرس بين نظام عالمي شارك بولتون في إرسائه في العام 1989 – 1990، ونظام عالمي آخر تسلّل إلى الواقع الدولي، وحاول دونالد ترامب فهمه وتقبّله واستدراكه بالرد عليه بتغيير وجه الولايات المتحدة نفسها داخلياً وخارجياً.

العولمة الأميركية النيوليبرالية الخاضعة كلياً للشركات العابرة للقارات والمتعدّدة الجنسيات وللوبي الصناعيّ العسكريّ في الولايات المتحدة، تم تقويضها عبر صعود قوى وكتل أخرى أسقطت الأحادية، ووصلت إلى امتلاك القدرة على منافسة السيد الأميركي، حتى في عقر داره، والتفوّق التكنولوجيّ الّذي شكّل أهم مرتكزات التفوّق الأميركيّ لم يعد حكراً على السيليكون فالي.

عقدة أخيل في التراجع الأميركي هي الاقتصاد. وعليه، ذهب ترامب إلى وجوب اتخاذ تدابير لإنقاذه، أولها التخلي عن العولمة والعودة إلى الحمائية الوطنية، وثانيها تدابير يفهمها بالصفقات – وهو رجل الصفقات بلا منازع – وثالثها ليس بعيداً من الصفقات، إذ يذهب إلى جعل الحلفاء قبل الأعداء يدفعون ثمن تحالفهم مع واشنطن، التي تدفع عنهم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن ثم جعل الأعداء يحلون مشاكلهم مع إدارته عبر صفقات مربحة أيضاً.

أما رابعها، وهو الأهم، فهو تقليص الإنفاق العسكري في الحروب، والذي تنبّأ محلّلون كثيرون بأنه سيكون سبب انهيار الولايات المتحدة، ما يعني وقف الخيارات العسكرية واللجوء إلى الخيارات الأخرى التي لا تقل مرارة وفاعلية، من مثل الحصار الاقتصادي والديبلوماسي والعزل الدولي وإثارة القلائل الداخلية.

هذا الخيار الجديد يعني المسّ بأقدس محرمات السياسة الأميركية؛ اللوبي الصناعي العسكري. وبالطّبع، لم يكن ليروق بأيّ شكل لأنصار العولمة، من كان منهم مرتبطاً بالشركات العولمية، ومن كان مرتبطاً باللوبي المذكور (وبولتون في مقدمة هؤلاء)، ومن كان صاحب حلم الهيمنة العالمية المطلقة، وخصوصاً أولئك الذين بنوا المشروع العولمي، وخاضوا أشرس الحروب لتحقيقه، وما زالوا يؤمنون بوجوب فرض المشروع بالقوة العسكرية التي يجب أن يتم بها تغيير الأنظمة التي تعارض السياسات الأميركية.

وبذلك فقط يمكن تفسير الخلاف بين ترامب وبولتون وغيره؛ تفسير يوضح بدوره السؤال الّذي برز منذ المعركة الانتخابية لترامب، إذ قيل يومها إن المرشح جمهوري وغير جمهوري، وإن مؤيديه وخصومه يتوزعون على الجمهوريين والديموقراطيين معاً، وهذا ما لم يحصل في تاريخ أميركا.

برزت أمثلة كثيرة على هذا الصراع، ومنها على سبيل المثال أربعة: الانسحاب من سوريا، والتفاوض مع إيران، والمفاوضات مع زعيم كوريا الشمالية، والمفاوضات مع طالبان.

– عندما صرّح بومبيو بأنَّ ترامب مستعدّ للقاء الرئيس روحاني من دون شروط مسبقة، وردّ حسام الدين اشنا، أحد مستشاري روحاني، بأن ذلك علامة حاسمة على فشل استراتيجية الضغط القصوى على إيران، وظهر جواد ظريف بشكل مفاجئ في لقاء مجموعة السبعة في باريس، ثار غضب بولتون وصرّح: “نحن الآن على بعد أسبوعين من انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإيران تبذل جهدها في الخداع”، ومن ثم هب اللوبي كلّه لتخريب هذه الفرصة السلمية، ومن ثم الذهاب إلى ما أسماه “عزل إيران”. أما عندما أسقطت إيران الطائرة المسيرة، فقد طالب بولتون بشدة برد عسكري على ذلك.

– بالنسبة إلى كوريا الشمالية، كان الخلاف حاداً ومعلناً بين بولتون وترامب، إذ يريد الأول المضي في الخيار العسكري تجاه سيؤول، ويريد الآخر التوصل إلى صفقة معها.

– أما أفغانستان، أقرب مصادر الخلاف، فقد جنّ جنون بولتون لطرح ترامب مشروع الحوار مع طالبان وسحب الوجود العسكري من البلاد.

– ولكن أهم ما يعنينا هو الموقف من سوريا، فعندما أعلن ترامب في 19 كانون الأول/ديسمبر 2018 قراره بالانسحاب العسكري من سوريا، اعتبرت صحيفة “الثورة” السورية في مقال للدكتور إبراهيم علوش أنَّ القرار يشكّل “صفعة للدولة العميقة في الولايات المتحدة”، وذلك ما اتفق عليه عدد من مراكز الدراسات في سوريا والعالم، غير أنَّ هذه الدولة العميقة في الكونغرس سارعت إلى قطع الطريق على الرئيس بتشكيل لجنة مناصفة بين الديموقراطيين والجمهوريين، مكلّفة بالعمل في إطار معهد السلام في الولايات المتحدة (USIP) على تحديد ملامح الاستراتيجية الأميركية في سوريا، وصدر تقريرها في (24 أيلول/سبتمبر 2019) تحت عنوان “التقرير النهائي لمجموعة دراسة سوريا”.

اعتبر التقرير أنَّ اتجاه التراجع عن التورّط العسكريّ مناقض لمصالح الولايات المتحدة، وحدّد “التّهديدات التي يمكن أن تدفع الولايات المتحدة إلى التدخل العسكري في سوريا، بالإرهاب وتمكين إيران ونفوذ روسيا واللاجئين”، بحيث تبدو مسألة الانسحاب مستحيلة، ولأجل غير مسمى، ما دام التلويح المستمر بالإرهاب يلتقي مع علاقة واشنطن، وتحديداً اللوبي الديموقراطي المرتبط بهيلاري كلينتون بداعش، وتمويل دول الخليج لمنظمات إرهابية، وخصوصاً تمويل قطر للنصرة، ودعم تركيا لمنظمات أخرى، وحرص الغرب كله (والتقرير نفسه أيضاً) على عدم المسّ بإدلب.

أما بالنسبة إلى إيران، فيورد التقرير: “رغم الضربات الجوية الإسرائيلية والعقوبات الأميركية، تواصل إيران ترسيخ نفسها في سوريا، وخطر الصراع الإيراني الإسرائيلي ما يزال قائماً”، مضيفاً أنّ “كلّ هذه السيناريوهات تصبح أكثر احتمالاً من دون وجود قوات أميركية في سوريا وقيادة أميركية ملتزمة”.

أما روسيا، فالمطلوب الضَّغط عليها لتمرير تسويات توافق عليها واشنطن، وتتعلَّق بالدرجة الأولى بـ”إسرائيل”، ومن ثم بالفيدرالية والدستور، إضافةً إلى المطالب الأخرى الاقتصاديّة والسياسية.

ولتحقيق كلّ ذلك، تمرّ الأمور بالتعاون مع تركيا والضغط لأجل السلام بين تركيا والأكراد. أما الدولة السورية، فيطرح التقرير وجوب حرمانها من فرص التطبيع الداخلي والخارجي، عبر الحصار الاقتصادي والديبلوماسي والعقوبات والعزلة.

كلّ ذلك مقابل تقديم دعم إنساني للمواطنين يجعلهم عرضة – كلّما اشتدت محنتهم أكثر – للاقتراب من المحور الأميركيّ.

هذا التقرير هو ما شهدنا ترجمته الحرفية في قانون “قيصر” الذي أقرّه الكونغرس نفسه، مع الإبقاء على الوجود العسكري خلافاً لقرار ترامب، وذلك ما كان بولتون قد عبَّر عنه بقوله: “أهم المخاوف تكمن في تعزيز سياسة ترامب الانعزالية، ولا بدّ من اتخاذ الجيش موقفاً أشد صرامة”، مضيفاً أنَّ “هناك أشخاصاً في الدائرة المحيطة بالرئيس يعترضون على الإنفاق الدفاعي والمعونات الخارجية، ويعتبرونها أموالاً مهدورة”، في ما يلتقي مع ما صرح به ترامب نفسه بقوله عن بولتون: “لو استمعت إليه، لكنا الآن نخوض الحرب العالمية الثالثة”.

هذا هو جوهر الخلاف: أحدهما يتبنّى خياراً إيديولوجياً يؤدي إلى ذبحنا بالسكين، والآخر يريد خياراً استراتيجياً يخنقنا كي نعطيه ما يريد من تنازلات وصفقات. أما بخصوص صراعنا مع العدو الإسرائيلي، فلا خلاف، ما دام اللوبي المؤيد لهذا العدو متجذراً لدى الطرفين، والبقاء السياسي يقتضي المساومة معه.

الميادين نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى