لابد من تدقيق تصريحات السيد محمد حبش أحد أعضاء مجلس الشعب أيام الحكم البائد إلى موقع هاشتاغ سيريا، فهو يبرز بين فترة واخرى ليثير الانتباه إلى نفسه، وخاصة أنه يلعب دور الناصح الأمين لمصالح الأمة والخوف على وحدة العباد وتعايشهم، فيثير اللغط ويخلط الأوراق مستنداً إلى ادعائه بالحرص على وحدة الشعب السوري.
وفي تصريحاته الأخيرة، كسر أهم حقيقة يتفق عليها كل سوري ومن أي مكون كان ، وهي أن الشعب طيلة الحقبة التي حكم فيه نظام البعث منذ العام 1963 عاش تحت وطأة الظلم والقهر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
وإذا كان محقاً في دعوته إلى معاملة الجميع بعد الثامن من كانون الأول 2024 تحت ظل العدالة، ويرفض تعميم صيغة الفلول، وأن على الدولة أن تحتضن الجميع، وفقا لمنهج العدالة الانتقالية، فإن تبرئة النظام عبر الستين سنة هي خلط غريب يفقد دعوته هذه من مصداقيتها.
فاجأتنا المذيعة التي تحاوره بسؤال يحثه على الدفاع عن ممارسات حصلت في العقود الستة الماضية، وجاء السؤال حرفيا : ألا تعتقد أن هناك عملية تشويه ممنهجة لكل ماله علاقة بالعقود الستة الماضية؟!
المذيعة قدمت سؤالا موجهاً، غير محايد، لكن السيد حبش في جوابه أعطاها ماتريد، فالمشكلة بالنسبة إليه تنحصر في السنوات العشر الأخيرة فقط عندما قال ” حيث تعرضنا لعشر سنوات سوداء ، عندما نزل الجيش على الشارع وأطلق الرصاص على الناس، هذه السنوات هي فعلا السنوات السوداء ، والناس في السجون عذبت حتى الموت”. وهو بذلك يقوم بتبرئة النظام من ممارساته المشينة ضد الشعب السوري وإن اختلفت أسماء الرؤساء، وقد عانى فيها الكثير من الويلات بدءا من عام 1963 وصولا إلى نهاية عام 2024.
لماذا يقفز السيد حبش عما جرى في تاريخ طويل من القمع والفساد والمؤامرات بدأت من العام 1963، فيظن أن الأجيال الجديدة تجهل وقائع التاريخ. فهل يعتبر أن قمع النظام للناصريين بعد عدة أشهر من 8 آذار 1963، وذبح المئات منهم عند مبنى الأركان العامة في ساحة الأمويين، هو عمل طبيعي وبريء مع حلفاء فاعلين مع البعث في الوصول إلى الحكم؟
هل يظن أن ما تم في المسجد الأموي بدمشق وفي جامع السلطان في حماه وفي مناطق أخرى عمل طبيعي؟ وقد اعترف بذلك الرئيس الأسبق أمين الحافظ نفسه، لماذا يقفز عن وقائع دامية من تلك الفترة. لماذا يقفز عن مهاجمة بيت رئيس الدولة في ليلة 23 شباط 1966 بالدبابات والاستيلاء على السلطة؟ ثم لماذا يمر على اعتقال قيادة البلاد عام 1970 والشروع في عسكرة البلاد وتعميم السطوة والقمع؟ لماذا يصمت عن مجزرة المشارقة في حلب عام 1980؟ لماذا يقفز عن مجزرة سجن تدمر عام 1981؟ لماذا يقفز عن تدمير حماه عام 1982؟ لماذا يقفز عن إعدام عشرات الألوف في سجن تدمر في الثمانينيات، وعن تقييد حرية عشرات الألوف في ذلك السجن على ذنوب لم يرتكبوها؟ لماذا يقفز عن سرقة المال العام وشبكات الفساد، لماذا يقفز عن توسيع أجهزة الأمن لتبلغ نحو مائة ألف في عهد حافظ الأسد وتتشارك مع سرايا الدفاع والصراع في قمع الشعب ، ثم لماذا يصمت عن تحويل قوة الجيش بكاملها إلى الداخل؟ والسماح بقيام جمعية المرتضى ثم حلها إثر الصراع الذي حصل في الثمانيات ليحيل الصراع الداخلي إلى صراع يورط الطائفة التي ينتمي إليها فيه ؟ ..
لاتحتاج المرحلة الطويلة من الستين سنة الماضية إلى شواهد ووقائع، ومع ذلك إن خوفنا على وحدة الشعب السوري وتماسك مكوناته ورغبتنا في عدالة انتقالية كاملة لايبيح لأي فرد تشويه التاريخ والقفز عن وقائع دامية في حياة السوريين تستمر آثارها إلى اليوم .
وفي الوقت نفسه ، نحن نعرف أن خوف السوريين من الآلة القمعية الضخمة التي تشكلت جعل معظمهم يصمتون عن سياسات النظام، وهذا الخوف لم يكن يعني أبدا موافقتهم على مايحصل، وإلا فعلينا أن نسأله ماذا فعل في مجلس الشعب لوقف هذا الظلم المتواصل (السيد حبش كان في مكتب مجلس الشعب لدورتين) ولم يعترض على أي نهج غير ديمقراطي وغير عادل، أو فإننا نسأله هل كان موافقا عليه !
في الفترة التي أصبح فيها السيد حبش نائبا في مجلس الشعب خلال فترتين انتخابيتين تمتدان إلى عام 2011 ماهي الصيغ التي قدمها لنظام بشار الأسد ليكف عن قمع التحركات الشعبية التي انتفضت على حكم الأسد ومطالبتها بالديمقراطية وابعاد أجهزة الأمن عن الحكم ؟ هل رفض السيد حبش القوانين الجائرة التي كانت تصدر في السر والعلن ؟
نحن قد نتفهم خوفه وتردده في عجزه عن الفعل لأنه كان تحت وطأة التهديد، ولكن حديثه اليوم ودفاعه عن المرحلة التي سبقت عام 2011 يجعل مصداقيته في مهب الريح، ويجعله موافقا على السياسات التي كانت سائدة ومقتنعاً بها لا خائفاً من تبعات رفضها .
إن الشعب السوري بكل مكوناته وأطيافه يستحق العدالة، ويستحق استقراراً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وأمنياً يليق به، وباعتقادي فإن هذا الحق للشعب السوري لايعني أن نغير صورة الستين سنة الماضي لنجعلها مثالاً لنظام نموذجي..