من قيمنا المهددة إلى أمريكا أولاً : سوريا ما بعد الأسد والسياسة الأمريكية المتقلبة
محمد الشماع
عندما قرأت كتاب الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر “قيمنا المهددة: أزمة أمريكا الأخلاقية”، الذي نشره عام 2005، شعرت وكأنه كان يقرأ المستقبل. كارتر، الرجل الذي طالما مثل الضمير الديمقراطي الأمريكي، كان يحذر من تحول السياسة الخارجية لبلاده نحو التطرف والابتعاد عن المبادئ الأخلاقية التي قامت عليها. لكنني وأنا أتابع السياسات التي اتبعتها إدارة دونالد ترامب على مر السنوات، وصولاً إلى اللحظة التاريخية الفاصلة في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 التي شهدت سقوط نظام بشار الأسد بعد أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد لسوريا ، ثم تطورات العام الذي تلاه وصولاً إلى فبراير/شباط 2026، وجدت نفسي أمام مشهد مركب يمثل النقيض التام لكل ما دعا إليه كارتر.
ففي 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، انهار نظام الأسد بشكل مفاجئ وسريع خلال هجوم واسع شنته قوات المعارضة بقيادة هيئة تحرير الشام، بدعم من الجيش الوطني السوري المدعوم تركياً، لتسيطر قوات المعارضة على العاصمة دمشق وتعلن نهاية حكم عائلة الأسد، بينما فر بشار الأسد إلى روسيا حيث حصل على اللجوء هناك . هذا المشهد الدراماتيكي، الذي أثار صدمة وذهولاً في جميع أنحاء العالم بما في ذلك بين الشعب السوري نفسه، شكل لحظة مفصلية في تاريخ سوريا الحديث، ليس فقط على مستوى الداخل السياسي والأمني، بل أيضاً على صعيد موقع سوريا في محيطها العربي والإقليمي .
كارتر، الرجل المسيحي المتدين، كرس صفحات طويلة من كتابه للتأكيد على أن حقوق الإنسان يجب أن تكون البوصلة التي توجه السياسة الخارجية، وينتقد بشدة تغاضي الإدارات الأمريكية عن انتهاكات حقوق الإنسان لمجرد تحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية. وهو بلا شك كان سيقف في الصف الأول لإدانة الجرائم المروعة التي ارتكبها نظام الأسد بحق الشعب السوري طوال سنوات الحرب، تلك الجرائم التي تضمنت استخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً ضد المدنيين، وتسببت في مقتل نحو 580 ألف شخص، من بينهم ما لا يقل عن 306 آلاف مدني، حيث تسببت القوات الموالية للأسد في أكثر من 90% من تلك الوفيات المدنية . لكن المفارقة أن السياسة الأمريكية في عهد ترامب، وبعد سقوط النظام، لم تكتفِ بعدم لعب دور إيجابي في إعادة بناء البلاد على أسس أخلاقية، بل سلكت مساراً مختلفاً تماماً يعكس “الواقعية الفجة” التي حذر منها كارتر.
فقد شهدت الأشهر التالية لسقوط الأسد تحولاً جذرياً في السياسة الأمريكية تجاه سوريا. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، زار رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع واشنطن والتقى الرئيس ترامب، في أول زيارة رسمية يقوم بها رئيس سوري إلى الولايات المتحدة منذ استقلال البلاد عام 1946 . ورفعت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي الكثير من العقوبات التي كانت مفروضة على سوريا، وانضمت الحكومة السورية الجديدة رسمياً إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب . لكن هذا الانفتاح لم يكن بدافع أخلاقي أو إنساني، بل جاء ضمن إعادة تموضع إستراتيجي أمريكي في المنطقة.
وبحلول فبراير/شباط 2026، اكتمل الانسحاب الأمريكي التدريجي من معظم قواعده في سوريا، حيث سلمت القوات الأمريكية قاعدة التنف الإستراتيجية عند المثلث الحدودي السوري-العراقي-الأردني، وكذلك قاعدة الشدادي في محافظة الحسكة، إلى الجيش السوري . وبات الوجود العسكري الأمريكي مقتصراً على ثلاث قواعد فقط في أقصى شمال شرق البلاد هي الرميلان وقسرك وهيمو، في إطار خطة أمريكية تهدف إلى تقليص الالتزامات العسكرية الخارجية وتجنب المخاطر بحياة الجنود الأمريكيين . هذا القرار يذكرنا بقرار ترامب المفاجئ بسحب القوات الأمريكية من شمال سوريا في أكتوبر/تشرين الأول 2019، والذي مهد الطريق أمام العملية العسكرية التركية ضد قوات سوريا الديمقراطية آنذاك.
لكن الأخطر في هذا المشهد هو ما حدث على الأرض خلال العام الأول بعد سقوط الأسد. ففي مارس/آذار 2025، اندلعت أعمال عنف دامية في منطقة الساحل السوري راح ضحيتها مئات القتلى من أبناء الطائفة العلوية وعناصر أمنية، وكشف تقرير لجنة الأمم المتحدة أن هذه الأعمال كانت “ممنهجة وواسعة النطاق” وارتُكبت من قبل عناصر قوات الحكومة المؤقتة وأفراد عاديين عملوا إلى جانبهم . وفي يوليو/تموز 2025، شهدت محافظة السويداء اشتباكات بين مقاتلين دروز وعشائر بدوية راح ضحيتها المئات . هذا العنف الطائفي المتنامي يعكس التحديات الهائلة التي تواجه الحكومة الانتقالية في بناء دولة جامعة لكل السوريين، حيث تتهم أقليات دينية وعرقية الحكومة بعدم التعامل بجدية مع الانتهاكات ومرتكبيها .
ولا يمكن إغفال الموقف الإسرائيلي المتعنت، فبعد سقوط الأسد مباشرة، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن اتفاق الحدود مع سوريا لعام 1974 لم يعد ساري المفعول، وأمر الجيش الإسرائيلي بإعادة احتلال المنطقة العازلة في الجولان المحتل، في أول عبور للقوات الإسرائيلية للخط البنفسجي منذ خمسين عاماً . ولا تزال تجاوزات إسرائيل وعدم احترامها لسيادة سوريا تشكل أحد أهم التحديات التي تواجه البلاد .
ما أريد قوله باختصار هو أن التحول من “القوة العظمى ذات المبادئ” إلى “القوة العظمى ذات المصالح فقط” الذي بدأ مع ترامب تجلى بوضوح في الملف السوري بعد سقوط الأسد. فالانسحاب الأمريكي غير المشروط، والتخلي التدريجي عن حلفاء الأمس الأكراد، والتركيز على تقليص الالتزامات دون تقديم رؤية واضحة لإعادة الإعمار أو تحقيق العدالة الانتقالية، كلها سياسات تتناقض مع الرؤية الأخلاقية التي مثلها جيمي كارتر. صحيح أن سقوط نظام الأسد شكل انتصاراً رمزياً كبيراً للشعب السوري، وصحيح أن جرائم هذا النظام تبقى هي المسؤول الأول عن معاناة السوريين، لكن السياسات الأمريكية الخاطئة وعدم الاكتراث بتداعيات المرحلة الانتقالية ساهمت في تعقيد المشهد وإطالة أمد المعاناة، وأفسحت المجال أمام صراعات جديدة على الهوية والمواطنة داخل سوريا.