أنسام صيفيةكتاب الموقع

مع الشيخوخة

مع الشيخوخة فها أنذا أتجاوز التسعين و أعاني من الوحدة . حين أكتشفت أن معظم أصدقائي قد توفوا أو هاجروا. و أن وباء ” كورونا ” دخل عامه الثاني وما يزال قوياً خطراً وأنا سجين في داري بإختياري حذراً من خطر العدوى .

كنت إذن أقضي وقتي – و ما أزال – بشكل أطرد فيه السأم وشبح الموت الذي يقرع عليّ الباب فأسمعه و لا تصلني دقاته إلا مصحوباً بالتجاهل أو النسيان .

ماذا عساني أصنع إذن كي لا أسمح للشيخوخة أن تجردني من بقايا ذاكرتي و قدرتي على المقاومة . و احتفظ مع ذلك بالوفاء لذكرى الذين فقدت من الأصدقاء مهاجرين كانوا أم هاربين راحلين.

الشيخوخة

الشيخوخة !.. لكم كنت أخشاها ولا أعبأ فيها حين كنت مسلحاً بغرور الشباب . و ها أنذا أرافقها منذ سنوات وأحتال على حضورها بالقراءة ومسايرة الحاضرين وتدريب الذاكرة التي بدأت تذوي أعمق فأبعد.

و أرقى مع ذلك صعوباتي كمن يترقب زيارة شخص جبار قادر على إختطافي .و لا أدري حتى الآن كيف نجحت في تجاهل مخاطرها حين أجدني سارحاً في ذكرياتي و قراءاتي.

و أنا أشعر أعمق فأعمق بمفاهيم كانت معلقة مؤجلة دوماً فيما مضى.

فإذا بالشيخوخة تحيلني إلى إنسان آخر أكثر مهارة على تخطي الجهل إلى عالم ألمح فيه الضيق .

و قد حجمته الذاكرة الناضجة و الثقافة المنزهة عن التعصب و الخوف الأعمى كي إكتشف إن حياتي التي مضت كانت بالرغم من كل سقطاتها .و هزائمها حياة حافلة بالعزاء المتكامل حين أتذكر إنني لم أتعصب طويلاً لأخطائي.

و قدرتي على مواجهة صعوبات العنف الذي يفقدني صوابي. و قدرتي على إكتشاف ما ينقصني من ثقافة وعرفان. إلى شيخوخة خالية حتى الآن من الأعراض المستعصية وهيجان الغضب الأناني. إلى مثقف حيادي نزيه و فيّ للمعرفة السليمة من الخفة و التسرّع .

و إن شيخوختي فيها الكثير من وهج شبابي الذي كان عامراً بالنشاط الإيجابي الذي يجعل الموت نفسه نهاية طبيعية لا تخيف سوى الجهلة والمتعصبين ..

ها أنذا ما أزال أعيش كمن يصعد جبلاً إلى ذروةٍ لم يصل إليها بعد و هو ما يزال صاعداً و كأنه لن يبلغها إلا في سن الشيخوخة !!…

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى