تحليلات سياسيةسلايد

هل تعدل الضغوط الأميركية بوصلة السعودية صوب روسيا والصين

تتريث الولايات المتحدة في إعادة تقييم العلاقات مع السعودية على وقع توتر بين الحليفين بسبب قرار الكارتل النفطي أوبك+ خفض إنتاج النفط بنحو مليوني برميل يوميا على خلاف الرغبة الأميركية، في انتظار نتائج انتخابات التجديد النصفي لأعضاء الكونغرس الأميركي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني.

لكن الإدارة الديمقراطية بقيادة جو بايدن بدأت بالفعل بحسب وسائل إعلام أميركية في مناقشة إبطاء المساعدات العسكرية للرياض وهو أمر كان متوقعا على نطاق واسع ضمن الردّ الأميركي على قرار أوبك+ الذي اعتبرته واشنطن انحيازا من قبل المملكة لروسيا في حربها على أوكرانيا وهو ما نفته الحكومة السعودية.

وتأتي هذه التطورات بينما تستعد الرياض لاستقبال الرئيس الصيني في زيارة تاريخية يرجح أن تؤسس لعلاقات أوسع في مختلف المجالات من الطاقة إلى التعاون العسكري، في الوقت الذي ترتبط فيه المملكة أيضا بعلاقات وثيقة مع روسيا التي عرضت عليها مرارا منظومة صواريخ اس 400 الدفاعية وعتاد عسكري متطور للمساعدة في مواجهة تهديدات الحوثيين.

وتشمل النقاشات الأميركية تأخير تسليم المملكة صواريخ باتريوت الدفاعية كإجراء عقابي ردا على قرار أوبك+، بينما ذكرت شبكة ‘أن بي سي’  الإخبارية الأميركية نقلا عن مسؤولين اثنين ومصدر مطلع على النقاشات، أن الفكرة تلقى قبولا لدى بعض العسكريين فيما يعارضها آخرون.

ويجادل الشق الثاني بأن العلاقة العسكرية بين واشنطن والرياض يجب أن تكون بمعزل عن أية إجراءات انتقامية، فيما يبدو هذا الموقف أقرب للواقعية في التعامل مع التوتر الناشئ ويبدو انه يأخذ في الاعتبار أن السعودية الشريك الاستراتيجي للولايات المتحدة قد يعدل بوصلته صوب الصين وروسيا لاقتناء ما يحتاجه من أسلحة وهو خيار مطروح بقوة ليس بسبب التوتر الأخير لكن بسبب توجه القيادة السعودية لتنويع مصادر التسلح.

ومرت العلاقات السعودية الأميركية على مدى عقود بتقلبات وتوترات لكن عادة ما تنتهي إلى الهدوء بعيدا عن فرضية القطيعة.

لكن في الأزمة الأخيرة استخلصت المملكة أنه لا يمكن أن تبقى رهين تلك التقلبات مع تغير الإدارات الأميركية وتعاملت بمنطق حماية مصالحها ومصالح شعبها وهو ما أكده أكثر من مسؤول سعودي في الفترة الأخيرة.

وأي إجراء عقابي أميركي بحق السعودية في ما يتعلق خاصة بمبيعات الأسلحة والمساعدات العسكرية سيكون مجازفة كبيرة من قبل الولايات المتحدة التي ترتبط بعلاقات اقتصادية وثيقة مع المملكة.

وقالت شبكة ‘أن بي سي’ إن للرياض عقد لشراء 300 صاروخ موجه تستخدم في أنظمة الدفاع الجوي من طراز باتريوت الحيوية بالنسبة للمملكة التي تواجه تهديدات إرهابية متنامية تمثلها صواريخ ومسيرات حوثية يعتقد أنها إيرانية الصنع.

وأشارت كذلك إلى وجود مخاوف لدى بعض القادة العسكريين من أن يؤثر تأخير واشنطن في تسليم المملكة صواريخ تحتاجها في استخدامات منظومة باتريوت، يمكن أن يشكل تهديدا للقوات الأميركية والمدنيين في المملكة ويعرضهم للخطر إضافة إلى أن ذلك ربما يشكل تهديدا للعلاقات الدفاعية الأمنية والإقليمية.

ولا يبدو أن الولايات المتحدة تملك الكثير من الخيارات في الوقت الراهن للردّ على ما تعتبره خطأ ارتكبته السعودية بقيادتها جهود خفض إنتاج النفط رغم انه قرار تم بالإجماع ولم يخرج عن سياقاته الاقتصادية.

وبحسب وسائل الإعلام الأميركية فإن مسؤولين حاليين وسابقين أبلغوا الإدارة الأميركية بضرورة فصل العلاقات العسكرية عن باقي المسائل ونصحوها بالنسج على منوال ما كانت تفعله الإدارات السابقة عند حصول خلافات دبلوماسية.

ويبدو أن الولايات المتحدة اختارت التريث وعدم الاستعجال في الردّ على السعودية في انتظار اجتماع أوبك القادم المقرر نهاية العام الحالي

والذي قد يشكل نقطة تحول أساسية تستبعد معها واشنطن اي قرار بحق المملكة، ففي حال قررت منظمة أوبك رفع إنتاج النفط، قد تعدل إدارة بايدن عن تهديداتها بمراجعة العلاقات مع المملكة وحرمانها من مبيعات الأسلحة الضرورية لمواجهة التهديدات الحوثية.

لكن هذا الأمر يبقى أيضا رهين ما ستسفر عنه انتخابات التجديد النصفي لأعضاء الكونغرس والتي يخوضها الديمقراطيون مثقلين بأكثر من أزمة داخلية وخارجية قد تؤثر على حظوظهم.

هل تتغير طبيعة الوجود العسكري الأميركي في السعودية؟

ويطرح التوتر الناشئ بين السعودية وواشنطن عدة فرضيات أخرى تتعلق أهمها بالوجود العسكري الأميركي في المملكة وما إذا كانت الأزمة ستذهب إلى احتمال تغيير طبيعة هذا الوجود.

ووفق المؤشرات الراهنة لا يبدو أن هناك اتجاه أميركي لتغيير طبيعة هذا الوجود الذي يشكل أحد جوانب التعاون الوثيق بين المملكة والولايات المتحدة.

ويقول مسؤولان أميركيان على اطلاع على تطورات التوتر، إنه لا توجد مناقشات جادة في الولايات المتحدة حول هذا الأمر  إلا أن إدارة بايدن لم تستبعده من نقاشاتها فقد بدأت تدرس كل الخيارات المتاحة بما في ذلك أعداد الجنود ومهمهم وتكلفة انتشارهم.

ونقلت الشبكة الأميركية عن هؤلاء قولهم إن البيت الأبيض غاضب بالفعل من قرار أوبك ويريد معاقبة السعودية، إلا أن الأمر شديد التعقيد خاصة مع حملة التضامن الواسعة التي أبداه حلفاء المملكة في مواجهة حملة الضغوط والتنمر الأميركية.

ويرى مسؤول أميركي أنه يجب فرض عقوبات على السعودية لكن مع ضرورة أن يكون هناك توازن بين العقوبات وعدم جعل الأمور أكثر صعوبة بالنسبة للولايات المتحدة.

وفي المقابل فإن القيادة السعودية اختارت بوضوح حماية مصالحها ومصالح شعبها والتصرف على هذا الأساس وهو ما أوضحه وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان نجل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز وكذلك وزير المالية محمد بن عبدالله الجدعان.

وتؤكد الحكومة السعودية كذلك على العلاقات الوثيقة مع واشنطن وعلى التحالف الاستراتيجي بينهما وأن التوتر الأخير ليس طارئا على العلاقات بين البلدين طيلة عقود من التحالف والشراكة، في إشارة إلى احتمال نهاية الأزمة.

ومع ذلك فإن الفتور في العلاقات منذ تولي الديمقراطي جو بايدن السلطة في مطلع العام الماضي، خلق دينامية كبيرة في المملكة ونشط دبلوماسيتها الاقتصادية وسياساتها الخارجية باتجاه تنويع مصادر التسلح والانفتاح أكثر على العالم وعلى شركاء آخرين منافسين وخصوما للولايات المتحدة.

وبدا واضحا أن تشكيل تحالف أوبك+ الذي يضم 13 دولة من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) بقيادة السعودية و10 منتجين من خارجها بقيادة روسيا، أسس لمرحلة جديدة في العلاقات الدولية ورسم ملامح خارطة تحالفات تمنح المملكة اكبر منتج للنفط في العالم خيارات أوسع وأوثق في التعامل مع الشريك الأميركي.

وقد اختبرت الولايات المتحدة في عهد الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما وكان بايدن حينها نائبه، إلى أين يمكن أن تدفع الضغوط الأميركية حلفاء واشنطن. وشكل تقارب تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) مع روسيا، أوضح نموذج لما يمكن أن تنتهي إليه الضغوط الأميركية.

وتسبب شراء تركيا منظومة صواريخ اس 400 الدفاعية الروسية في أزمة بين أنقرة وواشنطن، لكن الرئيس الأميركي السابق الجمهوري دونالد ترامب حمل إدارة باراك اوباما المسؤولية عن التقارب التركي الروسي، مذكّرا بأن تركيا طلبت شراء منظومة باتريوت الأميركية لكن إدارة اوباما امتنعت فكان من الطبيعي أن يولي الأتراك وجههم صوب موسكو.

وهذا الأمر يبدو حاضرا بقوة في الأزمة بين واشنطن والرياض، فممارسة الضغوط على المملكة أو معاقبتها بحرمانها من مبيعات الأسلحة الدفاعية الضرورية، سيدفع الرياض حتما للبحث عن شركاء آخرين وبينهم خصوم دوليون لأميركا مثل روسيا والصين.

وسبق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن أبدى العام الماضي استعداده لبيع أنظمة صواريخ دفاعية للرياض في مواجهة الاعتداءات الحوثية مستثمرا الموقف الأميركي الباهت من تلك الاعتداءات وعدم تحرك واشنطن بالطريقة المطلوبة لكبح هجمات الحوثيين.

وقد تلجأ الرياض بالفعل إلى موسكو لتعزيز دفاعاتها، بينما تفتح الصين أكبر مستهلك للنفط والغاز في العالم كذلك أبوابها للمملكة لتعزيز علاقات التعاون في كل المجالات.

وتترقب السعودية زيارة وازنة في توقيتها ومضامينها للرئيس الصيني شي جينبينغ وهي الحدث الذي سيكون بمثابة رسالة مضمونة الوصول لإدارة بايدن مفادها أن لدى المملكة أكثر من خيار في مواجهة حملة الضغوط الأميركية وأي إجراء يهدد مصالح الرياض.

وتركز سياسة بايدن الخارجية على مواجهة النفوذ الصيني وسط خلافات سياسية وتجارية معقدة، بينما تخطو بكين تدريجيا نحو تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط.

 

ميدل إيست أونلاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى