شرفات

ذاكرة ثورة 2011 : لؤي حسين ووائل السواح ومنصور المنصور!

عماد نداف

أنا لم أشارك في ثورة عام 2011، كنت أراقب الأحداث كصحفي وأكتب عنها، في وقت وجدتُ فيه أصدقائي الذين ألتقي معهم يوميا يشاركون في التظاهرات ويطرحون أفكارهم، ولا يترددون في المخاطرة بأنفسهم في هذه العملية التي دفعنا ثمناً كبيراً من أجلها تجاوزت عند البعض عشر سنوات .

كنا نلتقي كمجموعة أصدقاء من بينهم الصديق الراحل لؤي حسين، ونتحاور عن تطورات الأحداث، ولم أكن أنا على اطلاع بعلاقته هو ووائل وآخرين بانخراطه الجدي في الثورة وموقعه منها، وعندما انعقد ملتقى السميراميس لبعض القوى المعارضة ، وكان وائل السواح ولؤي حسين من أبرز منظميه، قاطعت بعض المعطيات التي كانا يتطرقان إليها أثناء حوارتنا عندما كنا نلتقي، وفهمت لماذا اعتقل لؤي حسين لعدة أيام، والمعلومة التي حكاها لنا بعد توقيفه لعدة أيام بأنه سمع أحد رجال الأمن أثناء التحقيق معه يخبر الضابط بأنهم كانوا يلاحقون الصديق منصور المنصور في شارع الحمراء عندما أطفأ جهازه الخليوي واختفى .

ذكريات هامة جدا يفترض أن يكتبها المعنيون بالأمر، ولكني أستعيد ذلك الآن بعد مرور أربع سنوات على رحيل الصديق لؤي حسين، ولؤي رحمه الله كان خلال سجننا رئيسا للمهجع تسعة في سجن صيدنايا في الجناح الأحمر، وكنا جميعا في ذلك المهجع نسجل أياما صعبة من تاريخنا في المعتقل طوت عند أغلبنا عشر سنوات واكثر.

خلافاتنا السياسية كانت كثيرة في المعتقل، وجرت تغيرات في مواقف الكثيرين، وبالنسبة لي قاطعت العمل السياسي في السجن لقناعات جديدة تشكلت عندي ، وآليت السعي وراء تأصيل تجربتي الثقافية والمهنية (كصحفي) حتى في الحياة اليومية، ففي جعبتي حتى اليوم عشرات اللقاءات الصحفية مع سجناء مهمين دونتها بطريقة لايعرفها إلا السجناء، وسجلت فيها وقائع لاتخطر في البال .

أعود إلى لؤي، فقد التقيتُ معه عشية الثورة مرتين خارج لقاءاتنا الروتينية كأصدقاء، وكان يطرح عليّ أفكاراً غريبة عن سبل التغيير القادم، وكنت أتحايل عليه من أنني أجد في العملية الثقافية والمهنية هاجسي الأكبر، وأسد عليه طريق الحوار، نتيجة اليأس الذي كنت أعاني منه، وقد فهم لؤي أنني لا أريد الخوض من جديد بتجربة سياسية بعد سجني لمدة تقارب عقدا من الزمن ، فهم لؤي قصدي، ولم أفهم أنا أن لؤي كان يعد مع لآخرين لتحركات كبيرة عشية آذار 2011.

عشية انعقاد مؤتمر المعارضة السورية في فندق السميراميس، حصلت مستجدات تنبئ عن خوف النظام من طبيعة الحراك الذي اندلع في البلاد، فقد تراجع صاحب الفندق عن موافقته لعقد هذا اللقاء في أحد صالات الفندق، وكان منظموه قد أعلنوا ذلك للصحافة، وهدد وائل ولؤي بعقد مؤتمر صحافي مفتوح أمام الفندق لفضح موقف الأجهزة الأمنية، ووصل الأمر إلى بثنة شعبان التي كانت صلة الوصل مع بشار الأسد، فإذا بقرار يصدر بالتراجع عن المنع لكن السلطات أرسلت طيفا من مؤيديها للمشاركة فيه..

كنتُ موجودا في المؤتمر لا كمعارض ولا كمؤيد، علما أن لؤي ووائل دعياني للبقاء، بل كصحفي، وساعدتُ طاقم العمل الذي أرسله الدكتور فؤاد شربجي مدير القناة الإخبارية السورية، التي كنت مديرا لبرامجها السياسية، في تأمين اللقاءات وإرشاد زملائي إلى الشخصيات المشاركة التي تقدم تصاريح ذات معنى، واحتج  منذر خدام أحد منظمي المؤتمر على الصحافة ، ومع ذلك نجحت الإخبارية في تغطية لافتة لمؤتمر السميراميس تحت عنوان (قبل المونتاج) ..

المهم كان لؤي حسين ووائل السواح يتحركان كدينمو فعال أثناء المؤتمر، وعندها فقط سجلتُ على دفتري الخاص، ماحصل في فندق السميراميس ، وأن أصدقائي يشتغلون مع الثورة، وبقيت على اتصال مع لؤي حسين، وقمت بالتنسيق معه ومع ميشيل كيلو رحمه الله على أن يكونا مع آخرين مفتاح حركية (قناة تلاقي) التي أطلقنا ميثاقها الدكتور ماهر خولي والإعلامي خالد مجر وأنا بدعم من الوزير الراحل عمران الزعبي (الوثائق موجودة) لتكون مفتاحا للحوار الوطني مع المعارضة، وعندما بدأت البث منعونا من استقبال أي معارض.

عندما توفي والد لؤي حسين ، ذهبت مع زوجتي لتعزية لؤي في مكتب تجمعه السياسي (تيار إعادة بناء الدولة)، وهناك استقبلني الصديق أنس الجودة ، ولم يكن صديقا وقتها أصبحنا أصدقاء فيما بعد، ودعانا إلى فنجان قهوة، وأخبرني أن لؤي حسين غادر البلاد بترتيب مع فصائل الجيش الحر ..

خرجت أنا وزوجتي نضحك على المصادفة، ولكني كنت خائفا، فهذا يعني أن الأجهزة الأمنية ستطرق بابي بعد ساعات لتسألني ما الذي كنتَ تريده من لؤي، وسوف لن تقتنع من أنني جئت للتعزية بوفاة والده  ..

لكن الأجهزة الأمنية لم تلاحقني ولم تسأل عني وكأنها تعرف أن ممارسة السياسة نأت عني، ولم أعد من أهلها، وكنت هكذا فعلاً !

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى