نوافذ

الإنسان والحرب : سيرة الكائن حين يختبر حدوده القصوى

عمار أحمد حامد

ليست الحرب مجرد حدثٍ سياسي أو عسكري يندلع بين الدول والجيوش، بل هي لحظة وجودية قصوى يُعاد فيها تشكيل الإنسان من الداخل، وتنكشف فيها طبقاته العميقة التي تبقى مخفية في زمن السلم. فحين تهدأ الحياة، يعيش الإنسان داخل منظومة من القيم والتصورات التي تبدو ثابتة: الخير واضح، والشر محدد، والكرامة مفهوم يمكن الدفاع عنه بالكلمات. غير أن هذه البنية الهشة سرعان ما تتصدع حين تدخل الحرب، كأنها لم تكن سوى قشرة رقيقة تغطي حقيقة أكثر تعقيدًا.

في الحرب، لا يعود الإنسان كما كان. لا لأنه يختار التغير، بل لأنه يُدفع إليه دفعًا. فالجندي الذي يحمل سلاحه ليس مجرد مقاتل يؤدي واجبًا، بل هو إنسان يجد نفسه فجأة أمام أسئلة لا يملك لها إجابات حاسمة: لماذا أقاتل؟ من هو عدوي الحقيقي؟ وهل يمكن أن أكون، في نظر الآخر، ذلك العدو نفسه؟ هذه الأسئلة لا تجد طريقها إلى الضجيج الخارجي، لكنها تتكاثر في الداخل، في الصمت، حيث لا شهود إلا الضمير.

أما الإنسان المدني، الذي لم يختر الحرب أصلًا، فيتحول إلى كائن يعيش على داخل الخطر الدائم. تفاصيل حياته اليومية – الطعام، والنوم، والحركة – كل ذلك يتحول إلى تحديات وجودية. لم يعد يسأل عن معنى الحياة، بل عن إمكانية استمرارها. ومع الوقت، تتغير أولوياته جذريًا؛ ما كان بسيطًا يصبح حلمًا، وما كان بديهيًا يصبح امتيازًا نادرًا. وهكذا تعيد الحرب ترتيب العالم، لا على مستوى الدول فقط، بل داخل الإنسان نفسه.

والأخطر من ذلك، أن الحرب لا تكتفي بتغيير السلوك، بل تمتد إلى الذاكرة. فالإنسان الذي يعيشها لا يخرج منها كما دخل إليها. تبقى الحرب فيه، كصدى دائم، وكصورٍ لا تمّحي: صوت انفجارٍ أول، ورائحة دخان، ووجه غائب. هذه الذاكرة لا تتلاشى بانتهاء المعارك، بل تتحول إلى جزء من تكوينه النفسي، تشكّل نظرته إلى العالم، وإلى الآخرين، لا وبل إلى نفسه.

وفي هذا السياق، تظهر المفارقة: الحرب، رغم أنها فعل تدمير، إلاَ أنها تكشف أيضًا عن قدرة الإنسان على الاحتمال. ليس الاحتمال بمعناه البطولي الذي تمجده الروايات، بل ذلك الاحتمال الصامت، اليومي، الذي يمارسه الإنسان العادي وهو يحاول فقط أن يستمر في الحياة التي قدرت عليه. أن ينهض، وأن يعتني بغيره، وأن يخلق لحظة دفء في عالم بارد. وهنا، لا تكون المقاومة مواجهة مباشرة، بل إصرارًا خفيًا على البقاء إنسانًا.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الحرب تترك أثرًا دائمًا في بنية الشعور.  الذي يمر بها يتغير في علاقته بالأشياء. فالفرح لم يعد جميلاً كما كان، والحزن لم يعد عابرًا. هناك ثقل جديد يسكن التجربة، كأن كل شعور أصبح مرتبطًا بظلٍ خفي من الخسارة. حتى السلام، حين يعود، لا يكون كما كان؛ بل يصبح محمّلًا بذاكرة ما حدث، وبخوفٍ مما قد يحدث مجددًا.

من جهة أخرى، تطرح الحرب سؤالًا أخلاقيًا معقدًا: هل يمكن للإنسان أن يبقى متمسكًا بقيمه في ظروف تدفعه إلى نقيضها؟ فحين يصبح البقاء نفسه مهددًا، تتغير المعايير. قد يجد الإنسان نفسه مضطرًا لاتخاذ قرارات لم يكن ليتخيلها في زمن آخر. وهنا، لا يكون الحكم بسيطًا، لأن الحرب تضع الإنسان في منطقة رمادية، حيث تختلط الضرورة بالأخلاق، والنجاة بالذنب.

لكن، رغم كل ذلك، تبقى هناك مساحة صغيرة تقاوم هذا الانهيار. في قلب الحرب، تظهر أفعال تبدو بسيطة لكنها تحمل دلالة عميقة: مشاركة  لقمة الطعام، وحماية الغريب، وكلمة عزاء. كل هذه الأفعال، وما سواها، حتى لوبدت هامشية، هي ما يحفظ للإنسان شيئًا من إنسانيته. كأنها تقول إن الحرب قد تغيّر الكثير، لكنها لا تستطيع أن تمحو كل شيء.

في النهاية، لا تكمن مأساة الحرب في عدد الضحايا أو حجم الدمار فقط، بل في التحول الذي تفرضه على الإنسان. فهي لا تتركه كما كان، بل تعيد تشكيله بطرق معقدة، تجعله أكثر معرفة، لكنه في الوقت ذاته أكثر هشاشة. إنها تجربة تكشف حدود القوة وحدود الضعف معًا، وتضع الإنسان أمام حقيقة بسيطة وقاسية: أنه كائن قادر على التدمير، لكنه أيضًا قادر على البقاء.

وهكذا، تبقى الحرب واحدة من أكثر التجارب التي تختبر معنى أن يكون الإنسان إنسانًا. فهي ليست مجرد صراع على الأرض أو السلطة، بل صراع داخلي عميق، بين ما يريد الإنسان أن يكونه، وما تضطره الظروف إلى أن يصبحه. وبين هذين الحدّين، تتشكل سيرة الإنسان في الحرب… سيرة لا تُكتب فقط في الكتب، بل في الذاكرة، وفي الوجوه، وفي ذلك الصمت الطويل الذي يلي كل معركة.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى