عندما كانت الهند درة التاج البريطاني حرصت الإمبريالية الإنجليزية على السيطرة على طرق التجارة منها وإليها. وهذا كان من أهم أهداف الحروب التي شنتها الجيوش الإنجليزية في المنطقة تماما كما يحدث الآن من صراع حول مضيق هرمز باعتباره الممر التجاري الهام في العصر الحديث.
وكما جاء البرتغالي ألفونسو من أوروبا ليسيطر على مضيق هرمز في القرن السادس عشر فإن بريطانيا في مطلع القرن العشرين حرصت على تأمين الطريق البري للتجارة من الهند وإليها. وهناك قصة معبرة حول هذا الفعل الاستراتيجي بطلها مارك سايكس. نعم نفسه سايكس شريك اتفاق سايكس- بيكو الذي قسم المنطقة العربية وأنشأ الدول العربية فيها وفي الشرق الأوسط.
سايكس كان ابن عائلة غنية، وكانت أمه متنفذة وصاحبه تأثير على رجال القرار في لندن. لذلك فقد عمل في وزارة الخارجية ونجح في عضوية البرلمان البريطاني. ولكن الأهم أنه كان رحالة سافر كثيرا، وكان محباً للمرح والتسلية ورساماً فناناً. وفي كل هذه الأنشطة كان ذكيا وحاذقا يمزج تسليته وممارسته لهوايات بأفكاره السياسية واقتراحاته الاستراتيجية. وفي إحدى المرات اراد اكتشاف الطريق البري الواصل إلى الهند. فسافر عبر بلاد الشام من حلب إلى الرقة إلى الموصل إلى بغداد والبصرة. وفكر في السيطرة على هذه البلاد وتشكيلها بحيث تضمن طريق التجارة المحقق للمصالح البريطانية. وصاغ كل ذلك في تقارير متتابعة إلى الخارجية البريطانية منذ العام 1910. حيث حملت هذه التقارير الأفكار الأساسية لتعاطي الحكومة البريطانية مع المنطقة. وبناء على هذه الخبرات بات مارك سايكس أحد أهم الخبراء في الخارجية البريطانية والمكلف بإدارة التفاوض مع الدول الأخرى. وأسند إليه وضع الخطط والاقتراحات لتحقيق مصالح الإمبريالية الإنجليزية، وما اتفاق سايكس بيكو إلا واحدا من اقتراحاته وإنجازاته. تصوروا هواية مارك سايكس في السفر والاطلاع والتسلية ساهمت بشكل كبير بتشكيل منطقتنا. وطبعا المحرك الأساسي وراء كل ذلك مصالح الإمبريالية البريطانية.
يرى كثير من الباحثين أن شخصية سندباد ورحلاته كانت في جزء كبير منها تصور مغامرات التجار في بحر العرب. وكان مضيق هرمز جزءا أساسيا من بيئة مغامرات سندباد. وبسبب طبيعة هذا البحر وأمواجه فإن ألوانا متداخلة ومتراقصة كانت تنعكس عليه بفعل أشعة الشمس. وبسبب صخور ﻗﺎعه واحتكاكات الماء عليها كانت تصدر أصواتا ونغمات. وارجع الناس واهل بيئة سندباد هذه الألوان والأصوات إلى فعل الجن. واعتبروا أن هذا البحر مسكون، ورغم ذلك ظلت رحلات سندباد العجائبية تعبيرا عن أهمية التنقل عبر البحار والبلاد رغم الجن الساكنة في هذا البحر. وظلت اسفار سندباد تتحدى العوائق الطبيعية ومصاعب الطريق. ولكن رحلات سندباد بقيت في حدود العجائب القصصية المسلية. بينما حول سايكس رحلاته وتساليه ليس إلى فكرة فقط بل ابتكر منها اتفاقيات وخطط للسيطرة على البلاد العربية على طريق التجارة البريطانية. وخلق من هذه الأسفار استراتيجيات هيمنة على الطرق التجارية التي تخدم مصالح وأهداف الإمبريالية البريطانية.
السؤال: لماذا تتحول تسلية ومرح سايكس في اسفاره إلى خطة استعمار واقتراح اتفاقيات تدعم عظمة بريطانيا؟؟ ولماذا تبقى حكايات سندباد لدى العرب تعبيرا عن عوالم سحرية غرائبية تضيع الطريق التجاري والموقع الحساس في حكايات جن عفاريت ومبالغات سحرية لا تخدم إلا في التسلية واضاعة الوقت والمصالح العليا للبلاد!!
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



