بدأت كما هي العادة حديثي إلى أحد المرضى بأن طلبتُ منه أن يعرّفني باسمه، عمره، عاداته الشخصيّة كالتدخين وغيره … ثم انتقلتُ لسؤاله عن سوابقه المرضية، والدوائية، والجراحية، والتحسسية، والمشفويّة.
كانت تبدو لي خطواتٍ محفوظة قد أكرّرها لعشرات المرات في اليوم الواحد، لكنّني في ذلك اليوم توقّفتُ لبرهة ونظرت إلى الورقة الممتلئة التي كتبتُ عليها السوابق وتذكّرت ما قاله لي أبي ذات مرّة: “من يعرف قراءة الماضي يرى الحاضر بوضوح”.
فكّرتُ بأنّ الماضي ليس “ما مضى” فحسب، فاللحظة الحالية التي أكتب بها هذه الجملة ستتحوّل في هنيهة إلى ماضٍ للجملة التي تليها. ولهذا من غير المنطقي أن نصف الماضي ككينونة منفصلة عن الحاضر لمجرّد أنه مضى وانتهى. نحنُ كنّا ذلك الماضي في يوم من الأيام، وهو جزء لا يتجزأ من شخصيتنا وهوّيتنا الحالية، ولهذا عندما نسأل عن الماضي فنحن لا نبحث عن سبب فقط وإنما عن سياق، سياق يشرح لنا “كيف وصلنا إلى هنا؟”.
عندما يستحضرني الحديث عن الماضي فأنا لا أستطيع إلا وأن آتي على ذكر الطفولة، تلك المرحلةُ البعيدة القريبة التي تصوغ تعاريفنا الأولى عن كل شيء، كيف نحبّ، كيف نتألّم، كيف نخاف، كيف نصمت وكيف ننطق اللغة التي تعلّمناها قبل أن نعرف أننا نتعلّم.
لا أستطيع أن أرى الطفولة مجرد ذكريات تُروى، بل أراها جذراً خفيّاً يمتدّ في أعماقنا ويهمس لنا على الدوام “هنا بدأ كل شيء”، وبنفس يقيني بأنها ليست مجرد ذكريات لدي يقين كبير بأنّ كل الإجابات التي نظنّ أنها وُلدت الآن تنبثق من ذلك الجذر تحديداً.
نحن لا نُفكّر من فراغ، ولا نشعر من لحظةٍ معزولة، بل من تربةٍ قديمة، خُزّنت فيها أولى التجارب، وأولى الدهشات، وأولى الخيبات.
الماضي، بهذا المعنى، ليس صفحاتٍ طُويت، بل جذورٌ ضاربة في العمق، صحيح أنها لا تُرى لكنها تحمل الشجرة كلّها، تُفسّر ميلانها، وامتدادها، وحتى طريقة إزهارها أو انكسارها.
ورغم هذا كله، لا أرى بأن الماضي ينبغي أن يُرفَع إلى مقام القدر المطلق. هو يفسّر… نعم، يضيء العتمات، ويكشف الخيوط الخفية، لكنه لا يبرّر كل شيء، ولا يجب أن يتحوّل إلى سجنٍ نقيم فيه بحجّة أنه الأصل. فبعض الناس يختبئون في طفولتهم، كأنها حكمٌ نهائي، وكأنّ ما حدث آنذاك قد ختم ما سيكون إلى الأبد.
كنّني أرى الحقيقة أكثر رحابة من ذلك. الإنسان يحمل ماضيه، نعم، لكنه لا يُختزَل فيه. هو قادر على نحوٍ عجيب أن يُعيد قراءة ما عاشه، أن يمنحه معنى جديداً، أن يُبدّل موقعه من ضحيةٍ للأحداث، إلى شاهدٍ يفهمها… وربما يتجاوزها.
ولعلّ هذا ما يجعلني أُصغي باهتمامٍ خاص لمن يحدّثني عن ماضيه لا كثقلٍ يجرّه خلفه، بل كجسرٍ عبره.
أحبّ من يسرد أيامه القديمة لا بوصفها جراحاً مفتوحة، بل كمسارات حديديّة شكّلت نسخته الحالية، أحبّ من يقول لي “كنتُ هناك… ولهذا أنا هنا.” وربما يمكنني القول ببساطة بأنني أحبّ أن أبحث في ماضي الناس لا لأنني أرى فيه زنازينهم، بل لأنني أرى فيه البذرة. والبذرة، مهما كانت صغيرة، أو منسية، أو مدفونة في عمقٍ سحيق، تظلّ تحمل شكل الشجرة وتظلّ جزءها الأبقى الذي لا بدّ وأن تحملهُ معها كلّ ثمرة من ثمارها.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



