بروكسل – في حِمَى الصحراءِ الرحبة، حيثُ تتشابكُ المسالكُ وتتوهُ الخطى تحتَ سماءٍ لا تعرفُ الرحمةَ ولا تألُفُ الظلال، يولدُ الوهمُ من رَحِمِ الضرورةِ، لا من فراغِ الخدعة. هناك، عند تخومِ الإنهاكِ البشري، وبينما يُنهكُ التعبُ الجسدَ، يُشرفُ التائهُ فجأةً على “المعجزة”: بحيرةٌ زرقاءُ تتلألأُ في الأفقِ القصي، تحفُّها أسرارُ الضوء، وتعدُ ببردِ الماءِ وعذبِ الحياة. يُسرعُ نحوها مُندفعاً بدافعِ الأملِ الأخير، لكنهُ يُفاجأ بأنهُ كلما اقتربَ منها خطوةً، تراجعتْ أمامهُ خطوات، حتى تتلاشى فجأةً لتكشفَ عن رمالٍ لا نهاية لها. وهناك، في ذروةِ اليأس، يدركُ الإنسانُ أنهُ لم يكنْ يركضْ نحوَ الماءِ حقاً، إنما نحوَ صورةٍ نسجها شعاعُ الضوء، وصدّقها العقلُ الواهن.
هذا المشهدُ ليس مجردَ حكايةٍ عنِ الصحراءِ وقسوتها، إنه ملحمةُ الإنسانِ في كلِ زمانٍ ومكان. فالعقلُ البشري، بأعجوبةِ تركيبه، كثيراً ما يرى الواقعَ بعينِ الرغبةِ لا عينِ الحقيقة. نحن لا نبتكرُ أوهامنا من العدم، إننا نبنيها من طوبِ الحقيقةِ نفسها، لكننا نُعيدُ ترتيبَها بطريقةٍ تمنحُنا طمأنينةً مؤقتة، حتى وإن كانت هذه الطمأنينةُ زائفةً. وهكذا يتحولُ الوهمُ لدينا إلى “تأويلٍ مريح” لحقيقةٍ مُرهقةٍ نعجزُ عن مواجهتها بمفردها.
الوهم، في جوهره، حجابٌ شفافٌ نحتمي خلفهُ من وطأةِ الواقعِ القاسي. فالحقيقةُ في صورتِها العارية، غالباً ما تكونُ جارحةً وثقيلةً، أحياناً مخيفةً لدرجةِ الهروب. ولذلك تميلُ النفسُ البشريةُ إلى تصديقِ ما يُخففُ عنها سطوةَ الألم، ويمنحها شعوراً بالأمانِ المفقود. ولعلّ أبا الطيبِ المتنبي لخصَ هذه المفارقةَ حين قال في حكمتِهِ الخالدة:
ذو العقل يشقى بالنعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاء ينعمُ
إن المعضلةَ الحقيقيةَ لا تكمنُ في لحظةِ الوهمِ العابرة، بل حين يتحولُ هذا الوهمُ من “استراحة” للعقل إلى “إقامةٍ دائمة”. حين يصبحُ بديلاً عن التفكير، لا مجردَ متنفسٍ منه. فالأفراد، كما هي المجتمعاتُ بأسرها، قد يقعون في أسرِ صورٍ متخيلةٍ عن ذواتهم أو عن تواريخهم، فيستبدلونَ الفهمَ النقديَ بالتقديسِ الأعمى، والمراجعةَ بالتبريرِ السطحي. وعندما تتحطمُ هذه الصورُ المتوهمةُ على صخرةِ الحقيقة، تكونُ الكارثةُ ليست في سقوطِ الوهم، إنما في الزمنِ الذي ضاع هباءً دفاعاً عن سرابٍ لا وجودَ له.
ومع ذلك، فإن الإنصافَ الأدبيَ يمنعنا من إدانةِ الوهمِ بالإطلاق. لأن له وجهٌ آخرُ أكثرُ إشراقاً وإبداعاً. في عوالمِ الأدبِ والفنِ، يولدُ الوهمُ بوصفهِ طاقةً خلاقةً لا تنضب. شخصياتُ الرواياتِ لم تعشْ بيننا حقاً، وأحداثُ المسرحِ لم تقعْ في التاريخِ، ومع ذلك، فإنها تُحرّكُ فينا مشاعرَ وأحاسيسَ تعجزُ الوقائعُ المباشرةُ عن إثارتها. هنا، في هذا المملكة الجميلة، يكونُ الوهمُ طريقاً إلى الحقيقةِ، لا هروباً منها. إنهُ يعيدُ تشكيلَ العالمِ ليكشفَ لنا عن وجوهٍ خفيةٍ لا نراها في وضوحِ النهارِ اليومي.
إن الإنسانَ، بطبعه، يعيشُ دائماً بينَ مستويين: واقعٍ يختبرُ بشراسته، وأفقٍ يتخيلُهُ برومانسية. ويكمنُ النضجُ العقلي والروحي في “القدرةِ على الفرز”؛ في أن نمتلكَ البصيرةَ التي تُميّزُ أيّ الأوهامِ يُضلّنا عن الطريق، وأيّها يقودنا إلى حقيقةٍ أسمى. فليستَ المشكلةُ أبداً في أن نحلمَ، المشكلةُ الحقيقيةُ أن نتخذَ من الحلمِ سجناً نُقيمُ فيهِ، وننسى أن هناكَ طريقاً ينتظرُ السائرين.
بينَ الحقيقةِ والخيال، لا يقفُ الإنسانُ حائراً بقدرِ ما يقفُ مختاراً: إما أن يجعلَ من الوهمِ سجناً يُقيّدُ خطاه، أو جسراً شفافاً يُعبرُ به نحو حقيقةٍ أعمق وأجمل.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



