الحديث عن التوصل إلى “تفاهم” بين أمريكا وإيران يملأ الفضاء الإعلامي. وكثيرون يبشروننا بالتوقيع النهائي عليه في الأيام القادمة (ربما وقع اثناء قراءتكم هذه). إيران تقول أنها حصلت عبر هذا التفاهم على إنهاء للحرب على جميع الجبهات، ومنها جبهة لبنان. وأوضح وزير الخارجية الإيراني أن ذلك يتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان. كما تؤكد طهران أنها حصلت على رفع الحصار البحري عنها وعلى استعادة أموالها المجمدة دون أن يذكر شيئا عن البرنامج النووي في التفاهم. اما الإدارة الأمريكية فتعلن عبر ترامب انتصاره في هذا التفاهم، لأنه كما يقول تلتزم إيران فيه بعدم الحصول على سلاح نووي. وأنها ستفتح مضيق هرمز دون رسوم على مرور السفن. وأن العقوبات عليها سترفع تدريجيا حسب التزام طهران بالتفاهم، وأن اليورانيوم المخصب سيجري تخفيفه. إيران تعلن أنها انتصرت والتفاهم دليلها، وواشنطن تؤكد أنها هزمت إيران ودفعتها للاستسلام والتفاهم برهانها. وهكذا يغرق العالم في تحليلات مع هذا الجانب أو ذاك دون أن يفهم حقيقة الوضع وجوهره.
التفاهم يعلق الحرب لمدة 60 يوما يجري الطرفان خلالها مفاوضات على كل شيء. تعليق الحرب جيد وينجي العالم من ويلات الاقتتال المستمر. ولكن هل صحيح أن إسرائيل ستلتزم وتنسحب من جنوب لبنان؟ لا أحد فيه عقل يصدق ذلك. ثم مع أن تعليق الحرب ليس إلا خطوة للتراجع خطاها كلا الطرفين عن حافة الهاوية، لكن ماذا بعد الستين يوما؟ هل سيندفع الطرفان نحو هذه هاوية إن لم يتوصلا إلى اتفاق؟؟ ثم ماذا لو لم تفض المفاوضات الستينية إلى التوافق؟ ثم أليس من العجيب أن تؤدي مفاوضات إسلام أباد التي استمرت حوالي الشهر إلى اتفاق على الدخول في مفاوضات جديدة تستمر لشهرين؟! مفاوضات تلد مفاوضات. ووقف لإطلاق النار دام شهرا يلد وقفا للنار تحت اسم دلع (انهاء الحرب) لمدة شهرين. ما القصة؟!!
خصوم ترامب يذكروه أن حربه لم تحقق الأهداف التي أعلنها في البداية وهي إلغاء وتدمير البرنامج النووي ، وإلغاء وتدمير البرنامج الصاروخي. إلغاء وإنهاء الاذرع، ومنع طهران من التدخل في شؤون الجيران والمنطقة. لم يتحقق شيئ من ذلك. البرنامج الصاروخي لم يذكر في التفاهم. كذلك الاذرع لم يأت على ذكرها أي بند. والبرنامج النووي ما زال موجودا على الأقل كما نص عليه اتفاق أوباما. بالعكس كسبت إيران استعادة الأموال ورفع العقوبات ورسوم على مضيق هرمز. وربما لذلك يعلو الصوت الإيراني بأن صمود ومقاومة طهران جعلتها تنتصر وتكسر وعود ترامب بدفعها للاستسلام او أسقاط النظام أو تدمير حضارتها من الجذور.
إيران تدمرت نتيجة الحرب لكن نظامها ظل صامدا رغم تهالكه واستطاع جر أمريكا للتفاوض. وتواصل معها إلى تفاهم يبقى عوامل وجوده حية ويحفظ فواعل قوته الكامنة. وهذا ما يعني أن التفاهم المبشر به ليس إلا تأجيلا للحرب، ووعدا بحرب قادمة لأن أسباب الصراع ما زالت موجودة ولأن الطرفان فشلا في حسم نتيجتها وبقي كل طرف يتربص بالآخر وهو يتخلص من هذه الحرب المعاقة والمتعثرة..
وإذا كان التفاهم ليس إلا تعليقا للحرب وتأجيلا لاستئنافها بشكل أخطر. فماذا سيفعل العرب وخاصة دول الخليج تجاه القادم المستجد؟ لاسيما إن لم تنتج مفاوضات الستين يوما إنهاءً لأسباب الصراع.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



