يقال في الحكايات والمرويات الشعبية أن رجلاُ طلب من أصحابه وأقرانه توصيف جمل جيرانهم أو معارفهم، وحين فعلوا ذلك راح يجمع أمامه كومة من تراب وينفخ عليها متخيلاً أن ذلك الجمل أمامه، ويقال إن ذاك الجمل قد سقط في اللحظة ذاتها مما اضطر مالكه أن ينحره ويذبحه، وقد حدث ذلك وسط اندهاش واستغراب أصحاب ذلك الرجل، ونقصد صاحب العين الحسودة التي لا ترحم، والذي وعد من حوله بأنه سيطعمهم من لحم ذلك الجمل.
هذه واحدة من الحكايات التي تروى، ونحن نسمع يومياً في المجالس الشعبية والعائلية عن تلك العيون التي تصيب الناس وممتلكاتهم بالضرر والشر، وكثيراً ما نسمع تلك التحذيرات التي تطلقها تلك المرأة أو ذلك الصديق وقولهم مثلاً : ” انتبهوا من فلانة فعيونها لطة بلطة، أو فلان عيونه فارغة ولا يصلي على الني أو يذكر الله” وفي بعض البيوت يجري إخفاء بعض الأشياء الثمينة أو الأطفال عند دخول مثل هذه الشخصيات صاحبة العين الحاسدة التي يُحذر من التعامل معها.
من هذا المنطلق تقريباً يمكن التعامل مع فيلم ” الخطاط” الذي عرض مؤخراً في دمشق وهو عن قصة محمد عامر مارديني وسيناريو وحوار عماد نداف وإخراج هشام فرعون، وقد قلنا تقريباً لأن مثل هذه الأمور لا يمكن التسليم بها وأخذها بعين الحقيقة المطلقة، فهناك من ينفي تلك الأشياء وهناك من يؤكدها، ولكن لا يستطيع أحد أن ينكر تلك الطاقة السلبية التي يبثها بعضهم والتي تترك الإنسان من خلفها محطماً وغير قادر على فعل شيء، وربما يحتاج بعد خروج أو مغادرة تلك الشخصيات إلى وقت غير قليل لاستعادة قوته ونشاطه.
يتحدث الفيلم عن شخصية الخطاط الذي يكتب أسماء الموظفين والمسؤولين على لوحات أمام مكاتبهم للتعريف بهم وبمهامهم مثل ” المدير العام فلان الفلاني، أو رئيس شعبة مكافحة الفساد، أو المدير المالي” وغير ذلك الكثير، وهذا الخط يسير بطريقة كوميدية ساخرة تؤدي بكل من كتب اسمه ذلك الخطاط إلى العزل أو السجن، وكي يلتزم الفيلم بالمنطقية وعدم التسليم بتلك الحالة يبقي على شخصية واحدة في منصبها ومكانها الصحيح فهي لم تتأثر بكتابة الخطاط بسبب نزاهتها والتزامها بحقوق الناس وعدم تورطها في قضايا الفساد.
تظهر براعة المخرج عندما يصل الخطاط إلى مسؤول رفيع المستوى ويتمكن أن يكتب تلك اللوحة الاسمية أمام مكتبه، وهو لم يقل لنا ذلك بطريقة مباشرة ، ولم يذكر لنا من هو، ولكنه وبطريقة ذكية قابلة للقراءة والتفسر والتأويل أيضاً صور لنا أكثر من مشهد عن الدمار والخراب الذي حصل في البلاد، وختاماً يمكن الجزم أن فيلم ” الخطاط” مدروس بعناية فائقة انطلاقاً من مادته الدرامية المكثفة ووصولاً إلى تقديمه كصور بصرية جاذبة، حملها أهدافاً مباشرة تفاعل معها الجمهور بحرارة، وأهدافاً غير مباشرة نحتاج للبحث عن مراميها والتفكير ملياً بما تريد أن تصل إليه.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



