نوافذ

نحو دولة المواطنة لا دولة الطوائف

مقبل الميلع

ألبانيا – دوريس| في الأسابيع الأخيرة، تداولت الأخبار إنشاء منظمة تحمل اسم (الكونجرس المسيحي السوري)، وهو خبر جدير بالتأمل. السبب ليس فقط لأنه يتعلق بطائفة معينة، بل لأن طبيعة هذه التنظيمات تمس جوهر الفكرة التي يجب أن تُبنى عليها الدولة السورية الجديدة: فكرة المواطنة المتساوية.

سوريا بلد غني بالتنوع، حيث توجد فيه طوائف مختلفة من المسلمين السنة والشيعة والعلويين، وكذلك المسيحيون من طوائف متعددة كالأرثوذكس والكاثوليك والسريان والأرمن، بالإضافة إلى الدروز، والإسماعيليين، والأكراد، وغيرهم. هذا التنوع يمكن أن يكون ثروة حقيقية إذا ما أدارته دولة القانون التي لا تميز بين المواطنين على أساس دينهم أو مذهبهم. لكن إذا تحولت كل طائفة إلى كيان سياسي منفصل يتفاوض باسم “طائفته”، فإن هذا التنوع قد يصبح قنبلة موقوتة.

المشكلة في مثل هذه المنظمات ليست دائماً في نواياها المعلنة. العديد منها يظهر كهيئات خيرية أو حقوقية تدافع عن طائفة تعرضت تاريخياً للتهميش أو الخوف. لكن الاسم نفسه – (الكونجرس المسيحي السوري) – يحمل في طياته رسالة سياسية تفيد بوجود كيان تمثيلي منفصل استنادًا إلى الدين، وليس الوطن. وهذا هو ما يقود إلى تعزيز الطائفية: فمع وجود “كونجرس مسيحي”، يصبح من المرجح أن يطالب آخرون بإنشاء (مجلس علوي) أو (تجمع سني) أو (هيئة درزية )، مما يحول البلاد إلى مجموعة من الكيانات الطائفية المتنافسة بدلاً من أن تكون أمة واحدة من المواطنين المتساوين.

بجانب ذلك، أظهرت تجربة السنوات الأخيرة في سوريا أن الكثير من هذه التشكيلات، حتى عند بدايتها بخطاب خيري، او حماية تتحول سريعًا إلى أدوات تفاوض سياسي تستمد قوتها من الدعم الخارجي. وهذا لا يوفر حماية حقيقية لأصحابها، بل يجعلهم رهينة لمصالح الدول التي تدعمهم، بينما يعمق مخاوف باقي المكونات ويعزز منطق “كل طائفة تحمي نفسها بنفسها” بدلاً من أن تدعمها دولة القانون.

الحل ليس في إنكار المخاوف المشروعة لدى الأقليات، وإنما في معالجتها عبر بناء دولة علمانية ديمقراطية حقيقية، تضمن الحرية الدينية الكاملة، وتجعل من المؤسسات الدينية كالكنائس والمعابد والمساجد أماكن للعبادة، كما ينبغي أن تكون القوانين والدستور – وليس الانتماء الطائفي – الضامن الوحيد لحقوق جميع المواطنين وكرامتهم. عندها فقط يتحقق التعايش السلمي والقبول بالآخَر كواقع يومي راسخ، وليس مجرد شعار هش يتداعى عند أول أزمة.

بالطبع، أولئك الذين يدافعون عن مثل هذه المنظمات يرون فيها وسيلة مشروعة لحماية أقلية تشعر بالتهديد في مرحلة انتقالية غير واضحة، ويعتقدون أن غياب تمثيل منظم قد يترك مصير الطائفة رهينة لتقلبات السياسة دون صوت يدافع عنها.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى