تحليلات سياسيةسلايد

جبهة داخلية واسعة تنتقد عودة ترامب إلى قصف إيران

رائد صالحة

تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة متزايدة من الانتقادات بعد استئناف الولايات المتحدة ضرباتها العسكرية ضد إيران، وسط مخاوف من انهيار مسار التهدئة والعودة إلى مواجهة مفتوحة بين واشنطن وطهران.

 

وجاء التصعيد الجديد بعد إعلان القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ ضربات إضافية على إيران، عقب اتهام واشنطن لطهران بالوقوف وراء هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز، وهو الممر الحيوي لحركة النفط العالمية.

وفي ظل التصعيد العسكري، ظهرت انقسامات داخل الولايات المتحدة بشأن قرار ترامب العودة إلى الخيار العسكري، حيث انتقدت شخصيات بارزة من التيارين المحافظ والتقدمي سياسة الرئيس، معتبرة أن الحرب لا تحظى بتأييد شعبي واسع، وقد تفرض أعباء اقتصادية وسياسية كبيرة على الولايات المتحدة.

وقال المعلق والبودكاستر الأمريكي جو روجان إن الرئيس ترامب ربما «أفسد الأمر» بإشعال مواجهة عسكرية جديدة مع إيران، مشيراً إلى أن الحرب لم تكن ضمن الأولويات التي انتخب الأمريكيون ترامب على أساسها.

وأضاف روجان خلال برنامجه الشهير «تجربة جو روجان» أن معظم الأمريكيين لا يريدون حرباً جديدة، وأن أحد الوعود الرئيسية لترامب خلال حملته الانتخابية كان الابتعاد عن الحروب الخارجية.

وقال روجان: «ربما أفسدنا الأمر بالذهاب إلى إيران»، مضيفاً أن «هذه الحرب ليست شيئاً كان أي شخص محافظ يريده»، وأن الكثيرين في الولايات المتحدة يشعرون بالصدمة من احتمال دخول البلاد في حرب جديدة.

وأشار إلى أن مؤيدي الحرب داخل الولايات المتحدة يمثلون شريحة محدودة، قائلاً إن معظم الأمريكيين كانوا يتوقعون من ترامب أن يتبع سياسة تقلل التدخلات العسكرية الخارجية.

ولم تأت انتقادات روجان بمعزل عن أصوات أخرى في اليمين الأمريكي، إذ سبق أن وجّهت شخصيات إعلامية محافظة انتقادات حادة لقرار الحرب، بينهم تاكر كارلسون وميغان كيلي ومات والش.

واتهم هؤلاء ترامب بالانجرار إلى مواجهة عسكرية مع إيران تحت تأثير اعتبارات مرتبطة بإسرائيل، محذرين من أن الولايات المتحدة قد تتحمل تكلفة حرب لا تخدم مصالحها المباشرة.

ويرى منتقدون محافظون أن ترامب وصل إلى السلطة جزئياً بسبب تعهده بتقليص الحروب الخارجية، وأن الدخول في حرب جديدة مع إيران يتناقض مع خطاب «أمريكا أولاً» الذي اعتمد عليه خلال حملاته الانتخابية.

وجاءت التطورات العسكرية في وقت أطلق فيه ترامب تصريحات متشددة تجاه إيران، معلناً أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه عبر مذكرة تفاهم الشهر الماضي أصبح «منتهياً».

وقال ترامب خلال مشاركته في قمّة حلف شمال الأطلسي «الناتو» في أنقرة إن إيران انتهكت التفاهمات، وهاجم القيادة الإيرانية، مشيراً إلى أنه لا يرى سبباً للاستمرار في التعامل معها إذا لم تلتزم بتعهداتها.

كما قال إنه قد يختار «إنهاء المهمة»، في إشارة إلى احتمال مواصلة الضغط العسكري على طهران.

لكن ترامب أرسل في الوقت ذاته رسائل أقل تصعيداً، إذ قال إنه لا يعتقد أن الحرب ستندلع مجدداً، وإن أي مواجهة جديدة ستكون قصيرة، كما أبدى انفتاحاً على استمرار الاتصالات والمفاوضات مع المسؤولين الإيرانيين.

وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن الضربات الجديدة تهدف إلى تقليص قدرة إيران على تهديد حرية الملاحة في مضيق هرمز، مؤكدة أن واشنطن تحمّل طهران مسؤولية الهجمات على السفن التجارية.

وقالت القيادة إن العمليات العسكرية جاءت رداً على ما وصفته بـ«العدوان غير المبرر» ضد السفن التجارية والطواقم المدنية التي تستخدم ممراً مائياً دولياً مهماً.

لكن محللين حذروا من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب، خصوصاً مع أهمية مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.

وأدت الضربات الجديدة والتصريحات المتشددة إلى اضطراب في أسواق الطاقة، حيث ارتفعت أسعار النفط مجدداً بعد فترة من التراجع عقب إعلان وقف إطلاق النار.

ويخشى الأمريكيون من أن تؤدي الحرب الطويلة إلى ارتفاع أسعار الوقود، وهو ملف حساس سياسياً قبل الانتخابات النصفية للكونغرس.

ويقول منتقدو ترامب إن أي ارتفاع كبير في أسعار الطاقة أو المواد الأساسية قد يتحوّل إلى عبء سياسي على الإدارة، خاصة إذا طال أمد المواجهة.

في المقابل، شنّ نواب ديمقراطيون ومستقلون هجوماً على قرار ترامب استئناف العمليات العسكرية.

وقال السيناتور بيرني ساندرز إن ترامب، بعد أن أدخل الولايات المتحدة في حرب مع إيران، أعاد إعلان انتهاء وقف إطلاق النار، مؤكداً أن «إعادة الحرب المتهورة مع إيران لن تجعل أمريكا أقوى، بل ستكلف مزيداً من الأرواح وتهدر مزيداً من أموال دافعي الضرائب».

وأضاف: «أنهوا هذه الحرب».

كما قالت السيناتورة إليزابيث وارن إن الحرب مع إيران أدت إلى خسائر بشرية ورفعت أسعار الوقود والمواد الغذائية، داعية الكونغرس إلى منع استمرار التصعيد.

وقال السيناتور تيم كين إن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تشنّ ضربات جديدة بدون تفويض من الكونغرس، مشيراً إلى أن استمرار الحرب أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة وأضرّ بالاقتصاد الأمريكي.

وأعاد التصعيد النقاش داخل واشنطن حول صلاحيات الرئيس في شنّ عمليات عسكرية خارجية.

وكان مجلس النواب قد أقرّ قراراً بشأن صلاحيات الحرب يهدف إلى الحدّ من قدرة ترامب على مواصلة الحرب مع إيران بدون موافقة الكونغرس، كما أقرّ مجلس الشيوخ إجراء مماثلاً قبل أن يتم تعطيله لاحقاً بفعل معارضة داخلية من الجمهوريين.

ويقول منتقدو الإدارة إن الرئيس لا يملك صلاحية إعادة البلاد إلى حرب واسعة دون الحصول على تفويض تشريعي.

من جانبها، اتهمت إيران الولايات المتحدة بانتهاك مذكرة التفاهم الخاصة بوقف إطلاق النار.

وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن واشنطن خرقت الاتفاق عبر إعادة فرض العقوبات على صادرات النفط الإيرانية وتنفيذ هجمات داخل إيران، إضافة إلى استمرار ما وصفه بـ«العدوان الإسرائيلي».

وأكد قاليباف أن طهران لن تتراجع، قائلاً إن «عصر الإملاءات والابتزاز انتهى».

وفي ظل استمرار الضربات والتهديدات المتبادلة، يبقى السؤال الرئيسي في واشنطن والعواصم العالمية: هل تمثل هذه التطورات مجرد جولة قصيرة من التصعيد، أم أنها بداية عودة إلى حرب واسعة بين الولايات المتحدة وإيران؟

فبينما يدعو بعض حلفاء ترامب إلى مواصلة الضغط العسكري، تحذّر أصوات أخرى من أن أي محاولة لتحقيق «نصر كامل» على إيران قد تكون مكلفة للغاية، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.

صحيفة القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى