بلا حدود

درهمُ مالٍ ودرهم سلطةٍ بحاجةٍ إلى قنطار عقل…!

ماهر المملوك

ليست الحياة عادلة دائمًا في توزيع اختباراتها على البشر .فهناك من يُختبر بالفقر والحرمان، وهناك من يُختبر بالغنى والنفوذ، وربما كان الامتحان الثاني أشد قسوة وأكثر خفاءً. لأن الفقير يعرف ضعفه غالبًا، أما الغني أو صاحب السلطة فقد ينسى مع الوقت أنه بشر مثل الآخرين، وأن ما يملكه اليوم قد يصبح غدًا مجرد ذكرى.

كثيرون يبدأون حياتهم بقلوب بسيطة وأرواح قريبة من الناس . يعرفون معنى الحاجة، ويتألمون حين يرون مظلومًا أو فقيرًا أو مكسور الخاطر. لكن ما إن تتغير ظروفهم، ويصبح المال بين أيديهم أو النفوذ تحت أمرهم، حتى يبدأ شيء ما في داخلهم بالتبدل. تتغير طريقة الكلام، ونبرة الصوت، وحتى نظرتهم للناس. وكأن السلطة لا تمنح بعض البشر القوة فقط، بل تسحب منهم شيئًا من إنسانيتهم بالتدريج.

المشكلة الحقيقية ليست في المال نفسه، فالمال أداة يمكن أن تصنع الخير كما يمكن أن تصنع الخراب. وكذلك السلطة ،فهي ليست شرًا مطلقًا، بل مسؤولية ثقيلة تحتاج إلى وعي ونضج أخلاقي. لكن الخطر يبدأ عندما يظن الإنسان أن ما يملكه يجعله أعلى قيمة من الآخرين، أو أن النفوذ يعطيه الحق في التحكم بمصائر الناس ومشاعرهم وكرامتهم.

هناك أشخاص كلما ازدادوا غنى ازدادوا تواضعًا، لأنهم يدركون أن النعمة ليست دليل تفوق، بل اختبار أخلاقي. وهناك من يصبح أكثر رحمة كلما ارتفع منصبه، لأنه يفهم أن القوة الحقيقية ليست في إخافة الناس، بل في حمايتهم والعدل بينهم. وفي المقابل، نجد من يتحول عند أول فرصة إلى شخص متعجرف وقاسٍ، فقط لأنه شعر أن الآخرين أصبحوا بحاجة إليه أو يخشون خسارة رضاه.

السؤال المؤلم هنا: لماذا تتغير بعض النفوس بهذه السرعة؟ لماذا يتحول الإنسان أحيانًا من شخص بسيط إلى شخصية متسلطة بمجرد تحسن وضعه المادي أو الوظيفي؟

ربما لأن داخل الإنسان جروحًا قديمة لا يراها أحد. فالكثير ممن عاشوا الفقر أو التهميش أو الإهانة يحملون في أعماقهم رغبة خفية في التعويض. وعندما يصلون إلى السلطة أو المال، لا يتعاملون مع ما وصلوا إليه كأمانة ومسؤولية، بل كفرصة لإثبات القوة والانتقام النفسي من الماضي. يريد أن يشعر بأنه لم يعد ذلك الشخص الضعيف الذي كان ينتظر احترام الآخرين أو مساعدتهم، فيبالغ في فرض هيبته، ويظن أن القسوة دليل قوة، وأن التكبر يمنحه قيمة أكبر.

لكن الحقيقة أن الإنسان القوي حقًا لا يحتاج إلى إذلال أحد كي يشعر بقيمته. القوة الحقيقية تظهر في ضبط النفس، وفي القدرة على التعامل مع الناس بعدل واحترام رغم امتلاك القدرة على السيطرة عليهم. فالإنسان المتزن لا يقيس نفسه بما يملك، بل بما يبقى فيه من أخلاق عندما يصبح قادرًا على كل شيء.

وعبر التاريخ، تكررت هذه الصورة كثيرًا. كم من مسؤول دخل منصبه وهو يتحدث عن العدالة وخدمة الناس، ثم تغير عندما أحاط به المديح والمصالح والمنافقون. فالسلطة تصنع أحيانًا عالمًا مزيفًا حول الإنسان، تجعله يسمع ما يحب فقط، ويرى نفسه استثنائيًا وفوق النقد. ومع الوقت يبدأ بفقدان قدرته على رؤية الحقيقة، لأن الجميع حوله يخافون قولها.

والمال أيضًا يصنع الوهم ذاته.فبعض الناس يعتقدون أن الثروة تمنحهم قيمة إنسانية أعلى، بينما الحقيقة أن المال لا يغير جوهر الإنسان، بل يكشفه. الكريم يبقى كريمًا مهما تضاعفت ثروته، والمتواضع يبقى قريبًا من الناس مهما ارتفعت مكانته. أما من كان يحمل في داخله الغرور وحب السيطرة، فإن المال والسلطة يمنحانه فقط مساحة أوسع لإظهار ما كان مخفيًا.

المؤلم أكثر أن كثيرًا من المتسلطين لا يكتشفون حقيقتهم إلا بعد زوال النعمة. عندما يخسر المال، أو يغادر المنصب، أو تتغير الظروف، يبدأ فجأة بمراجعة نفسه. يلتفت حوله فلا يجد أولئك الذين كانوا يصفقون له كل يوم، لأن معظمهم لم يكونوا يحبونه فعلًا، بل كانوا يخافون سلطته أو يطمعون بمصلحته. وهنا تأتي الصدمة القاسية؛ حين يكتشف الإنسان أنه كان محاطًا بالوجوه لا بالقلوب، وبالمجاملات لا بالمحبة الصادقة.

في تلك اللحظة فقط يفهم البعض أن الاحترام الحقيقي لا يُشترى بالمال، ولا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالأخلاق والتواضع وحسن المعاملة. فالناس قد تخاف المتسلط، لكنها لا تحبه، وقد تجامل صاحب النفوذ، لكنها لا تخلص له دائمًا. أما الإنسان الرحيم والعادل، فيبقى أثره في القلوب حتى بعد غيابه.

لذلك قيل إن “درهم مال ودرهم سلطة بحاجة إلى قنطار عقل”، لأن العقل هنا ليس مجرد ذكاء، بل وعي وإنسانية وقدرة على التحكم بالنفس. العاقل هو من يعرف أن المال زائل، وأن المنصب مؤقت، وأن الأيام لا تبقى على حال. وهو من يدرك أن أعظم اختبار للأخلاق ليس حين يكون الإنسان ضعيفًا، بل حين يصبح قادرًا على الظلم ثم يختار العدل، وقادرًا على التكبر ثم يختار التواضع.

فالرحمة عند القوة أعظم من الرحمة عند الضعف، والتواضع عند الغنى أصدق من التواضع عند الحاجة، والإنسان الحقيقي ليس من يملك الكثير، بل من يبقى إنسانًا رغم كل ما يملك…

ليست الحياة عادلة دائمًا في توزيع اختباراتها على البشر .فهناك من يُختبر بالفقر والحرمان، وهناك من يُختبر بالغنى والنفوذ، وربما كان الامتحان الثاني أشد قسوة وأكثر خفاءً. لأن الفقير يعرف ضعفه غالبًا، أما الغني أو صاحب السلطة فقد ينسى مع الوقت أنه بشر مثل الآخرين، وأن ما يملكه اليوم قد يصبح غدًا مجرد ذكرى.

كثيرون يبدأون حياتهم بقلوب بسيطة وأرواح قريبة من الناس . يعرفون معنى الحاجة، ويتألمون حين يرون مظلومًا أو فقيرًا أو مكسور الخاطر. لكن ما إن تتغير ظروفهم، ويصبح المال بين أيديهم أو النفوذ تحت أمرهم، حتى يبدأ شيء ما في داخلهم بالتبدل. تتغير طريقة الكلام، ونبرة الصوت، وحتى نظرتهم للناس. وكأن السلطة لا تمنح بعض البشر القوة فقط، بل تسحب منهم شيئًا من إنسانيتهم بالتدريج.

المشكلة الحقيقية ليست في المال نفسه، فالمال أداة يمكن أن تصنع الخير كما يمكن أن تصنع الخراب. وكذلك السلطة ،فهي ليست شرًا مطلقًا، بل مسؤولية ثقيلة تحتاج إلى وعي ونضج أخلاقي. لكن الخطر يبدأ عندما يظن الإنسان أن ما يملكه يجعله أعلى قيمة من الآخرين، أو أن النفوذ يعطيه الحق في التحكم بمصائر الناس ومشاعرهم وكرامتهم.

هناك أشخاص كلما ازدادوا غنى ازدادوا تواضعًا، لأنهم يدركون أن النعمة ليست دليل تفوق، بل اختبار أخلاقي. وهناك من يصبح أكثر رحمة كلما ارتفع منصبه، لأنه يفهم أن القوة الحقيقية ليست في إخافة الناس، بل في حمايتهم والعدل بينهم. وفي المقابل، نجد من يتحول عند أول فرصة إلى شخص متعجرف وقاسٍ، فقط لأنه شعر أن الآخرين أصبحوا بحاجة إليه أو يخشون خسارة رضاه.

السؤال المؤلم هنا: لماذا تتغير بعض النفوس بهذه السرعة؟ لماذا يتحول الإنسان أحيانًا من شخص بسيط إلى شخصية متسلطة بمجرد تحسن وضعه المادي أو الوظيفي؟

ربما لأن داخل الإنسان جروحًا قديمة لا يراها أحد. فالكثير ممن عاشوا الفقر أو التهميش أو الإهانة يحملون في أعماقهم رغبة خفية في التعويض. وعندما يصلون إلى السلطة أو المال، لا يتعاملون مع ما وصلوا إليه كأمانة ومسؤولية، بل كفرصة لإثبات القوة والانتقام النفسي من الماضي. يريد أن يشعر بأنه لم يعد ذلك الشخص الضعيف الذي كان ينتظر احترام الآخرين أو مساعدتهم، فيبالغ في فرض هيبته، ويظن أن القسوة دليل قوة، وأن التكبر يمنحه قيمة أكبر.

لكن الحقيقة أن الإنسان القوي حقًا لا يحتاج إلى إذلال أحد كي يشعر بقيمته. القوة الحقيقية تظهر في ضبط النفس، وفي القدرة على التعامل مع الناس بعدل واحترام رغم امتلاك القدرة على السيطرة عليهم. فالإنسان المتزن لا يقيس نفسه بما يملك، بل بما يبقى فيه من أخلاق عندما يصبح قادرًا على كل شيء.

وعبر التاريخ، تكررت هذه الصورة كثيرًا. كم من مسؤول دخل منصبه وهو يتحدث عن العدالة وخدمة الناس، ثم تغير عندما أحاط به المديح والمصالح والمنافقون. فالسلطة تصنع أحيانًا عالمًا مزيفًا حول الإنسان، تجعله يسمع ما يحب فقط، ويرى نفسه استثنائيًا وفوق النقد. ومع الوقت يبدأ بفقدان قدرته على رؤية الحقيقة، لأن الجميع حوله يخافون قولها.

والمال أيضًا يصنع الوهم ذاته.فبعض الناس يعتقدون أن الثروة تمنحهم قيمة إنسانية أعلى، بينما الحقيقة أن المال لا يغير جوهر الإنسان، بل يكشفه. الكريم يبقى كريمًا مهما تضاعفت ثروته، والمتواضع يبقى قريبًا من الناس مهما ارتفعت مكانته. أما من كان يحمل في داخله الغرور وحب السيطرة، فإن المال والسلطة يمنحانه فقط مساحة أوسع لإظهار ما كان مخفيًا.

المؤلم أكثر أن كثيرًا من المتسلطين لا يكتشفون حقيقتهم إلا بعد زوال النعمة. عندما يخسر المال، أو يغادر المنصب، أو تتغير الظروف، يبدأ فجأة بمراجعة نفسه. يلتفت حوله فلا يجد أولئك الذين كانوا يصفقون له كل يوم، لأن معظمهم لم يكونوا يحبونه فعلًا، بل كانوا يخافون سلطته أو يطمعون بمصلحته. وهنا تأتي الصدمة القاسية؛ حين يكتشف الإنسان أنه كان محاطًا بالوجوه لا بالقلوب، وبالمجاملات لا بالمحبة الصادقة.

في تلك اللحظة فقط يفهم البعض أن الاحترام الحقيقي لا يُشترى بالمال، ولا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالأخلاق والتواضع وحسن المعاملة. فالناس قد تخاف المتسلط، لكنها لا تحبه، وقد تجامل صاحب النفوذ، لكنها لا تخلص له دائمًا. أما الإنسان الرحيم والعادل، فيبقى أثره في القلوب حتى بعد غيابه.

لذلك قيل إن “درهم مال ودرهم سلطة بحاجة إلى قنطار عقل”، لأن العقل هنا ليس مجرد ذكاء، بل وعي وإنسانية وقدرة على التحكم بالنفس. العاقل هو من يعرف أن المال زائل، وأن المنصب مؤقت، وأن الأيام لا تبقى على حال. وهو من يدرك أن أعظم اختبار للأخلاق ليس حين يكون الإنسان ضعيفًا، بل حين يصبح قادرًا على الظلم ثم يختار العدل، وقادرًا على التكبر ثم يختار التواضع.

فالرحمة عند القوة أعظم من الرحمة عند الضعف، والتواضع عند الغنى أصدق من التواضع عند الحاجة، والإنسان الحقيقي ليس من يملك الكثير، بل من يبقى إنسانًا رغم كل ما يملك…

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى