في تلك القرى البعيدة والنائية والمتناثرة على ضفاف وادي اليرموك والذي يلتقي عند نهايتها مع وادي الرقاد، كنا ننام على الحلم ونصحو عليه في تلك البيوت الطينية المسقوفة بالقصب، والتي يغزوها الدلف أو يثقبها من مطارح عديدة، وكان على الأمهات أن يضعن ” الصحون والطناجر” في المطارح التي يسقط عليها الماء المتسرب من تلك الشقوق السقفية.
كان الشتاء طويلاً في تلك الأيام، والمطر يبدو أحياناً وكأنه خيوط لا تنقطع بين السماء والأرض، ولم يكن الخروج من منازلنا ممكنا للعمل في الأرض ، أو للذهاب مع المواشي من أجل أن ترعى، وعلى الأغلب كنا نخاف أن تتعثر أو تتزحلق في بعض المناطق الوعرة، ولذلك كان من الضروري حبسها في ” البايكة” أو “البوايك” المعدة لذلك الغرض بعد تقديم العلف والتبن وتلك هي الطريقة الأفضل لتجنب خسارة أي رأس من تلك المواشي، ومع ذلك كان لا بد من الخسائر.
يبدو أننا ذهبنا بعيداً إلى أمور لا بد سيأخذنا الحنين إليها ذات وقت، لذلك لابد من العودة إلى عنوان مادتنا ونقصد بذلك سوالفنا ومفردها سالفة والتي تعني الحكاية أو الحدوتة كما يقال ونحن الذين كنا في تلك الأيام نترنم مع عويل الريح وشخب مزاريب بيوتنا الطينية ومدفأة الحطب التي يجعلنا دخانها ننبطح على الأرض في محاولة لتخفيف تأثيره على تنفسنا وعيوننا، أما إذا زادت الأمور عن حدها أو “اضبكت” كما يردد، فلابد من الخروج من الغرفة من أجل التنفس مهما كان الجو بارداً في الخارج.
المهم أننا في تلك الأيام كنا ننتظر واحداً من كبار العائلة أو ممن يزورنا ليتعلل أو يسهر عندنا كي يقص علينا حكاية نتسلى أو نقطع معها ولو جزءاً يسير من ليالي الشتاء الطويلة، وأيامها لم تكن الكهرباء قد وصلتنا بعد والسراج هو الضوء الوحيد الذي ينير ما يحيط بنا من سواد الليل .
تلك الحكايات كان معظمها على ما أذكر يركز على “الجن والسحر والغول وأبو رجل مسلوخة” وغيرها، وكنا على الرغم من متعتها نكاد نختفي تحت ملابسنا أو نتلاشى نهائياً من شدة خوفنا، وخاصة حين نتخيل أبطالها وهم يقتربون منا بعد أن إطفاء السراج بحجة توفير “الكاز” وعلى أمل السهر في الليلة القادمة.
شقيقي الأكبر والكفيف كان يحفظ عشرات الحكايات، وعلى الرغم من أنه أمي ولم يدخل المدرسة طوال حياته، فقد كان يعرف متى يقطع حكايته عند مفصل مشوق، ويتركنا على جمر الانتظار ليلة أخرى، وقد يمتد الأمر إلى أكثر من ذلك إذا كانت الحكاية طويلة، وعندما كبرت وتابعت الاطلاع والدراسة، اكتشفت أن أخي الذي لم يتلق التعليم ولم يدخل المدرسة كان يحفظ عن ظهر قلب ألف ليلة وليلة وغيرها من السير والحكايات.
أردنا القول في النهاية أن تلك الحكايات وعلى الرغم من تهويلها وما تبعثه في النفوس من خوف، فقد كان فيها الكثير من القيم والمبادئ التي تحض على السلوك القويم والفعل المنضبط، وتحث على فعل الخير والصدق والابتعاد عن الكذب والخداع والشر، فأين اختفت تلك الحكايات ؟ وهل تراها ستعود يوماً؟ وهل شبكة الانترنيت هي البديل عنها؟ وهل ستعلمنا كما فعلت الحكايات، أم أنها ستسرد لنا ما هو معاكس لها؟
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



