كلمة في الزحام

الإنسان حيوان مدّع

حكيم مرزوقي

الادعاء هو بيت الداء ومكمن كل المفارقات والأمراض الاجتماعية لدى مسرح موليير في مجتمع كان الأجدر بأن يطلع كل فرد فيه على مهامه جيدا. ولم يعبأ موليير وقتها. في أن تحولات جديدة كانت تطرأ على المجتمع لتتراكم وتصنع ثورة فيما بعد.

إقطاعيون يدعون الانتماء البرجوازي في “البرجوازي النبيل”، مشعوذون يدعون الطب في “الحب أحسن طبيب”. جهلة يدعون الأدب في “عدو البشر” ومنافقون يدعون التدين في ” طرطيف”.. وهلم جرا من النماذج البشرية الكثيرة التي تناولها موليير بالنقد اللاذع في مسرحه حتى كاد لا يسلم منه أحد. ولولا حظوته لدى الملك عندئذ لانتقم منه الجميع لأنه نقد الجميع دون هوادة، بما فيهم أولئك المقربين من البلاط الملكي. كأن موليير كان يحذر من حدث ما سوف يأتي بعد عقود من مسرحه. ويقوض تلك العلاقات السائدة عبر نصوص قانونية مستحدثة، اسمه الثورة الفرنسية.

مسرحية “النساء المتحذلقات” تعرض فيها موليير لطائفة من النساء أتين إلى باريس من القرى.ورغبن في أن يتشبهن بأهل باريس في تكلف بعض السلوكيات والمظاهر في طريقة الكلام والملبس،

ونرى في بداية هذه المسرحية فتاتين قرويتين وصلتا للتو إلى باريس، هما ماديلون وكاتوس، وترغبان في أن تتشبها بالنساء النبيلات من أهل باريس في طريقة الكلام والملبس، وصحبة النبلاء وإقامة الحفلات لأتفه الأسباب.

ويتعجب جورجيبس والد ماديلون من تصرف ابنته وابنة أخيه كاتوس، بما فيه من تكلف، خاصة حين يتقدم لهما شخصان نبيلان، ويعرضان عليهما الزواج بشكل مباشر، وترفضانهما. لمجرد أنهما لم يقوما بتمهيدات لهذا الطلب تناسب التكلف الذي تتبعانه، وكذلك لأنهما رأيا كلامهما ليس فيه حذلقة، وملابسهما ليس فيها تأنق كوجود الأشرطة التي اعتاد الشباب المتكلف وضعها في ذلك العصر، ولبس الباروكات حتى لمن تميز من الشباب والرجال بجمال الشعر.

وإزاء إعراض هاتين الفتاتين عن هذين الشابين لوضوحهما وعدم تكلفهما يقرران أن يلقنا هاتين الفتاتين درسًا مؤثرًا. فيرسلان خادمين لهما يجيدان كل ضروب التكلف. ويدعيان النبل، وتتجاوب الفتاتان مع هذين الخادمين، وتستلطفان كل الأقوال والأفعال التي تصدر عنهما في نوع من الإذعان المطلق للمظاهر الكاذبة.

وفي نهاية المسرحية يأتي سيدا هذين الخادمين، ويقومان بضربهما أمام هاتين الفتاتين، ويعرفانهما حقيقتهما بأنهما خادمان لهما، فتشعر الفتاتان بالضيق والحرج لما حدث.

ويوبخ جورجيبس ابنته وابنة أخيه على سلوكهما المتكلف، وتنتهي بهذا تلك المسرحية ذات الفصل الواحد. والتي يعدها النقاد  من أهم مسرحيات موليير، ومن أكثرها استلهامًا في أعمال أدبية وفنية متنوعة.

الطريف أن موليير قد جعل أحد الخادمين من مدعي الانتماء للطبقة النبيلة في هذه المسرحية ينشد شعرًا رديئا، ويحلله بطريقة تعبر عن شدة الإعجاب، ولا يخفى تكلفه وحذلقته في ذلك.

بالنظر لمسرحيات موليير نراه يسخر أشد السخرية من الأشخاص المدعين في أي أمر من الأمور .وتكاد لا توجد له مسرحية لا نرى بها شخصا واحدا على الأقل متصفا بالادعاء لقد جعل موليير من الادعاء ثيمة مسرحية وخيطا دراميا يربط جميع شخصياته مؤكدا بذلك أن الادعاء هو ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات الأخرى وكأنه يرفع مقولة أن الإنسان هو حيوان مدّع.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة


developed by Nour Habib & Mahran Omairy