كلمة في الزحام

كش مات (من يوميات لاعب شطرنج متقاعد )

حكيم مرزوقي

البيادق الصغيرة  توضع في المقدّمة, تحمي القطع الكبيرة … ويمنعونها  من التراجع وكأنها مكبّلة بسلاسل من حديد ..لا تنظر إلاّ إلى أمامها (مثل الانتحاريين) … ويضحّى بها من أوّل نقلة, لكنّ أحدها قد يصبح وزيرا إن نجح في التسلّل إلى الخطّ الأخير… هذا هو مصير الصغار, لا ينجحون إلاّ بعد تضحيات جسام ومجازفات عظيمة.

-القلاع : تنتصب في أطراف الرقعة, لا تنتقل إلاّ عمّوديا وأفقيّا مثل الكلمات المتقاطعة, تهجم مثل الثيران الهائجة, تحرس ساكنيها من الملوك والوزراء, لكنها قد تقتحم بنقلة بيدق واحد …

-الأحصنة : تمشي مستقيمة ثمّ تعرّج فجأة, مثل ضربة نابوليون, تهدّد كبيرين في نقلة واحدة, هي الوحيدة التي يمكنها أن تخرج فوق رؤوس البيادق الجنود .. وتقطع مسافات غير متوقّعة.

-الفيلة : ملا تعرف الخطوط المستقيمة… كأنّ بها حول … أو خلل في (الأذن الوسطى) …لا تنفع معها الطيور الأبابيل , إنها اختراع هندي بامتياز… أو لعلها ها من فصيلة أبرهة الحبشي.

-الوزير : له كامل الحرية في اتخاذ القرارات, يتنقّل بشكل مكوكي, قد يفاوض, لكنّ موته كارثة … إلاّ في الخطط الكبيرة والمحكمة.

هذا هو الشطرنج الذي أدمنت عليه في حالات الملل مع الكمبيوتر, مرة أقول له (الشاه مات ) ومرة يقول لي نفس العبارة… ولم ينهزم  أحد سوانا.

إنه أجمل وأذكى اختراعات الهند التي ردّ عليها الفرس بلعبة النرد ,لعبة اللعب مع الأقدار … ومحاكاة فصول الطبيعة والألوان وعقارب الساعة .. وتعاقب الليل والنهار. … لعبة المتقاعدين والملولين وفاقدي الأمل.

النرد لعبة الخانات التي تمارس في ضجيج المقاهي وبرفقة الأصدقاء… والشطرنج لعبة الهدوء والسكينة والحكمة الهندية التي تشبه غاندي.

هذا ما تقاذفت به الشعوب والأمم المتطوّرة حين كان أجدادنا ينامون في عسل الخيال والجواري والغلمان.

ابتدع الغرب اليوم ألعاب كثيرة على الطريقة الرقميّة, صاروا يقتلون ويفرّون ويتراجعون بكبسة زرّ من (الماوس), صاروا يحسبون الأرصدة الوهمية ويتباهون بالقتل والعنف المبرمج.

أين نحن من ألعاب جدّاتنا وسلام الأيام الخوالي…؟, أين البلبل والدحل والفوتبول … اللعبة الشعبية التي تعلّم الديمقراطية … نعم تعلّم مبادئ الديمقراطية التي تقتضي الرضا بالهزيمة قبل النصر والامتثال لقرارات الحكم.

لعبة الشطرنج تعلّم الحكمة وحدّة الذكاء, ولعبة النرد تعلّم نصف الحكمة وكيفيّة التدبّر فيما سوف يأتي… إنها المعادلة الأصعب …فأين أنت أيها المتفرّج ؟.

أين أنت من هذه البيادق التي يضحّى بها من أجل لعبة خاسرة… من هذه الأحصنة التي تكبو …من هذه القلاع المستباحة…

أين أنت من هذه الخانات والألوان والأحجار التي يرمونها على طاولتك…أين أنت من هذا الضجيج أيها الصامت أبدا؟..

لا تمسك بالماوس, امسك بقبضتك, وقل ها أنا مازلت موجودا وقادرا على التحدّي …. قبل أن يقولوا لك (كش مات).

رزقهم الله قدرات .. ورزقك أنت تاريخا يقتات منه غيرك … فأصبحت مثل راعيا لأغنامه وحارسا لبستانه وخادما في بيته بعد أن كنت السيد.

رقعة الشطرنج تعنيك قبل أن تعني غيرك, أيها الذي جعلوك بيدقا صغيرا تحمي ظهورهم وتحرس متاعهم وتموت قبلهم.

أنت الخانة المستحيلة … ورمية النرد التي لا تعطي إلاّ (الدوشيش).

قم وانهض أيها الملك الذي جعلوه في مقدّمة جيوشه, قيّدوك بالأغلال, ألقوك في اليمّ ثمّ قالوا لك (هلمّ للسباق فأنت حر)..!

لا تكتب بالشوكة والسكين…لا تجعل قلمك يرتدي ربطة عنق, لا تغمس قلمك في حبر  ورديّ دون سبب…. اجعل دموع شعبك مدادا…. وهذا الأفق دفترا لا يبليه الزمن  ولا يمزّقه النسيان.

لا تكن صغيرا أيها الكبير, انظر إلى خلفك بغضب … وامض إلى مصيرك مثل سهم أفلت من أقواس الذلّ وأوتار الإهانة.

كن مقاتلا لا تدنّسه  الأيادي ولا تلتقطه الأصابع…!.

*كلمة في الزحام : وفي النهاية – ورغم كلّ الحماس – تنتهي اللعبة ويوضع الملك والجندي ,المنتصر والمهزوم في نفس الصندوق.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة


developed by Nour Habib & Mahran Omairy