
لا زلت أذكر تلك المراحل المبكرة من طفولتي . تعود و تلحّ عليًّ الذكريات بين فترةِ وأخرى ، تطفو على سطح دماغي الذي أحسبه في أوقاتِ كثيرة قد تحجر ، فصورتك لم تفارقني أبداً رغم سنواتي القليلة عندما غادرت إلى عالمك الذي لا عودة منه و لا رجوع .
لم أصدق أنك تموت، أنت الذي كنت تمتلك جسداً ينبض بالحياة ، تصير ساكناً تُحمل على الأكتاف، أنت من كان يقول لأبي عندما يعترض طريقك : لا تخف لست خروفاً يُذبح بسهولة.
تخيلتك لزمنٍ طويل ترفع غطاء صندوقك ثم تقفز منه ، تمشي بين من حملوك على أكتافهم، وتقول لهم : عودوا ها قد عدت، لكنك لم تفعل كما أراد لك خيالي الطفولي. كنت مستسلماً للون السماء الذي بدا صافياً بعد شتاءٍ طويل. بعد مطرٍ أصرَّ أن يهطل فوق جسدك أربعين يوماً .
لم يسمح لنا النهر بالوصول إليك على الضفة المقابلة، جبهاتٌ كثيرة صارت مسؤولة عنك منعتنا من الوصول إلى النهر بحججٍ واهية فتقاعسنا وجلسنا ننتظر أن يحضروك. هل كنت شارداً رغم زغردة الرصاص التي تلعلع في السماء ورغم أصوات النساء التي كانت ترتفع تارة ً وتنخفض تارةً أخرى ؟ والرجال الذين مشوا خلفك مرفوعي الرأس ألم ترهم ؟ ألم تسمع أصواتهم ؟ و أمي التي حاولت الوصول إليك كثيراً لماذا لم تشفق على دموعها ؟ لماذا لا ترد ؟ هل طرحت عليك تلك الأسئلة من قبل ؟ قلت لك سأثأر، ألم أقل لك ذلك ؟
لا زلت أذكر أنني اقتربت من حافة القبر وهم يضعونك فيه عندها تحولت الزغاريد إلى بكاء و الرصاص إلى بكاء، حتى الذين تماسكوا أثناء المسير كانت وجوههم قد تغيرت و دموع بعضهم فرَّت صامتة ، صوت أمي الذي كان مرتفعاً راح يتحول إلى نشيج ، كانت كمتَّهم ٍ يحاول الإفلات : ” أريد أن أراه … لحظةً فقط … أرجوكم … لن أطيل عليكم ” ولم يلبِّ نداءها أحد. أخذتها النسوة إلى مكان يبعد قليلاً عن القبر. اقترب منها أحد الرجال الذين يرتدون زيَّاً مرقطاً :
” طولي بالك يا خالة . العمر لكم إن شاء الله. كلنا أبناؤك و تحت أمرك” ولم تأبه لكلمات الرجل الذي كان يبدو غايةً في اللَّطافة ، يمسك بندقية الكلاشنكوف بيده اليسرى و يحرك يده اليمنى كثيراً محاولاً توضيح أشياء كثيرة لا وقت لها. حركته ذاتها رأيتها كثيراً فيما بعد من معتمد الرواتب وهو يقطِّبُ حاجبيه طالباً من أمي بياناً عائلياً بأفراد أسرتنا وسبب تأخر الرواتب في بعض الشهور وعدم وصولها نهائياً لشهورٍ أخرى .
أبي لم يبكِ كما فعلت أمي بل كان يتمتم بكلمات وكأنه يدفع بها البكاء ، وعندما أنهى الشيخ تلقين الميت ، وقف و وقف معه المشيعون … قال : “رحم الله ميتكم و عوضكم خيراً ”
أبي حاول البقاء . توقعت منه ذلك ، يريد البكاء وحيداً كعادته، لكن الرجال منعوه، فمشى معهم ودموعه تتدفق كأنها حُبست لزمنٍ طويلٍ طويل .
لماذا لم يبدأ بكاؤه معنا؟ أم أن للرجال طقوساً خاصةً في البكاء؟ لم أتوقع منه كل هذه الدموع و قد عرفته قوياً متماسكاً، لا بد أنه هزم أو أن الضربة قد أوجعته كثيراً، فهل كان مستعداً لتحمل المزيد؟ هل كان يجب عليه أن يكون حريصاً أكثر لتجنب هذا المزيد ؟ جدران منزله معرضةٌ للسقوط و هو يراقب و كأن ما يحدث لا يعنيه .
بوابة الشرق الأوسط الجديدة


