بلا حدود

هل الوطن أولاً أم العقيدة؟

ماهر المملوك

سؤالٌ قديم يتجدّد في كل مرحلة تاريخية تعيش فيها المجتمعات تحوّلات سياسية أو أزمات هوية: هل نحن أبناء الوطن أولاً أم أبناء العقيدة أولاً؟ سؤالٌ يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في جذوره الفلسفية والسياسية والاجتماعية، لأنه يمسّ تعريف الإنسان لنفسه، وحدود انتمائه، ومصدر ولائه الأعلى.

من الناحية القانونية والسياسية، لا خلاف على أن الإنسان يُعرَّف مواطناً عبر انتمائه إلى دولة محددة. جواز السفر الذي نحمله لا يذكر معتقداتنا، بل يثبت انتماءنا إلى وطن بعينه، إلى أرضٍ وسيادةٍ ونظام قانوني. هذا التعريف الحديث للمواطنة ارتبط تاريخياً بتطور الدولة الوطنية بعد معاهدة Peace of Westphalia عام 1648، التي كرّست مفهوم الدولة ذات السيادة وحدودها المعترف بها، وأرست الأساس للنظام الدولي القائم على الدول لا على الطوائف أو الإمبراطوريات الدينية.

لكن الهوية الإنسانية لا تختزل في وثيقة رسمية. فقبل أن يكون الإنسان مواطناً في دولة، هو كائن معنوي يبحث عن المعنى والقيم، وهنا تأتي العقيدة، دينية كانت أم فكرية، لتمنحه منظومة أخلاقية وتصوراً للوجود. العقيدة تُشكّل الضمير، وتؤسس لمعيار الصواب والخطأ، وتمنح شعوراً بالانتماء يتجاوز الحدود الجغرافية أحياناً. لذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يُطرح بصيغة صراع صفري: إما الوطن أو العقيدة، بل بصيغة تكامل أو أولوية تنظيمية.

الوطن، في مفهومه الحديث، هو الإطار الجامع لكل المعتقدات. هو الفضاء الذي يسمح بتعايش المختلفين تحت مظلة قانون واحد. في دول متعددة الأديان والطوائف، لا يمكن أن تُبنى المواطنة على عقيدة بعينها، وإلا تحوّل الوطن إلى كيان إقصائي. لذلك ظهر مفهوم “الدولة المدنية” التي تحترم المعتقدات لكنها لا تتبنى واحدة منها على حساب الأخرى. وقد نظّر لهذا الاتجاه فلاسفة مثل John Locke في كتابه “رسالة في التسامح”، حين دعا إلى الفصل بين سلطة الدولة وسلطة الكنيسة، حمايةً للدين من التسييس، وحمايةً للدولة من الاحتراب العقائدي.

غير أن التاريخ يخبرنا أيضاً أن العقيدة كانت في فترات معينة محركاً لتشكّل أوطان جديدة. فالدول الإسلامية الأولى، على سبيل المثال، قامت على رابطة دينية قبل أن تتبلور حدودها السياسية. وكذلك شهدت أوروبا حروباً دينية طويلة، أبرزها حرب الثلاثين عاماً، التي انتهت باتفاقيات رسّخت مفهوم الدولة الوطنية فوق الانقسام الطائفي. هنا نرى أن التجربة الإنسانية انتقلت تدريجياً من هيمنة العقيدة على السياسة إلى تنظيم العلاقة بينهما ضمن إطار وطني جامع.

عندما نسأل: هل نحن أبناء الوطن أولاً أم أبناء العقيدة أولاً؟ ينبغي أن نميّز بين مستويين: مستوى الهوية الفردية، ومستوى الالتزام القانوني والسياسي. على المستوى الفردي، قد يشعر الإنسان بأن عقيدته هي جوهر تعريفه لذاته، وهذا حق طبيعي. لكن على المستوى العام، حين يتعلق الأمر بالقانون والحقوق والواجبات، فإن الانتماء الوطني هو المرجعية المنظمة. فلا يمكن إدارة دولة حديثة على أساس تعدد المرجعيات العقائدية المتصارعة، بل على أساس عقد اجتماعي يساوي بين المواطنين بصرف النظر عن معتقداتهم.

في هذا السياق، قد يكون من المفيد استحضار مفهوم “العقد الاجتماعي” كما طرحه Jean-Jacques Rousseau، حيث رأى أن الأفراد يتنازلون عن جزء من حريتهم الطبيعية لصالح إرادة عامة تمثل المصلحة المشتركة. هذه الإرادة لا تُبنى على عقيدة محددة، بل على توافق مدني يضمن استقرار المجتمع. بمعنى آخر، الوطن هو المساحة المشتركة التي تتيح لكل عقيدة أن تُمارَس بحرية، شرط ألا تتحول إلى أداة لتهديد الكيان العام.

غير أن الإشكالية تظهر حين يُنظر إلى الوطن بوصفه بديلاً عن العقيدة، أو حين تُستعمل العقيدة لتقويض الوطن. في الحالة الأولى، قد يتحول الانتماء الوطني إلى تعصب قومي يُقصي المختلفين ويختزل الإنسان في هويته الجغرافية. وفي الحالة الثانية، قد تتحول العقيدة إلى أداة ولاء عابر للحدود يضعف تماسك الدولة. كلا التطرفين يحمل خطراً: الأول يُنتج شوفينية قومية، والثاني يُنتج انقساماً داخلياً وربما صراعات أهلية.

من هنا، يبدو أن الترتيب الصحيح ليس ترتيباً قيمياً بقدر ما هو ترتيب وظيفي. نحن أبناء أوطاننا من حيث الحقوق والواجبات والمواطنة، وأبناء معتقداتنا من حيث القيم والإيمان والضمير. الوطن يحدد الإطار القانوني، والعقيدة تحدد البوصلة الأخلاقية. وعندما تنسجم البوصلة مع الإطار، يتحقق الاستقرار. أما حين تتعارض، فإن الحكمة تقتضي البحث عن صيغ تعايش تحفظ السلم الأهلي دون أن تُكره الإنسان على التخلي عن قناعاته.

جواز السفر الذي نحمله هو شهادة انتماء إلى دولة، لكنه لا يلغي تعددية الهويات داخلنا. الإنسان كائن مركّب: هو ابن أسرة، ومدينة، ووطن، وعقيدة، وثقافة. غير أن الدولة الحديثة لا تستطيع التعامل إلا مع الصفة القانونية، أي المواطنة. لذلك فإن تقديم الوطن في المجال العام ليس انتقاصاً من العقيدة، بل حماية لها، لأن الصراع على أساس ديني داخل الدولة الواحدة يؤدي غالباً إلى تآكل الجميع.

قد يكون الجواب الأكثر اتزاناً هو أن الوطن والعقيدة ليسا خصمين، بل مستويين مختلفين من الانتماء. العقيدة تسمو بالإنسان روحياً، والوطن يؤطّر حياته اجتماعياً وسياسياً. حين نُسأل أمام القانون من نحن، نجيب: نحن أبناء هذا الوطن. وحين نُسأل أمام ضمائرنا ماذا نؤمن، نجيب: نحن أبناء عقيدتنا. التحدي الحقيقي ليس في اختيار أحدهما، بل في إدارة العلاقة بينهما بما يحفظ كرامة الإنسان ووحدة المجتمع.

في النهاية، الوطن هو البيت الذي يجمع المختلفين، والعقيدة هي النور الذي يهدي كل فرد في داخله. وإذا كان لا بد من أولوية في المجال العام، فإن المواطنة هي الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة، أما العقيدة فتبقى قيمة عليا تُمارَس بحرية تحت سقف هذا الوطن. بهذا المعنى، لا يكون السؤال: أيهما أولاً؟ بل كيف نجعل كليهما في انسجام يخدم الإنسان ويحمي المجتمع.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى