كتاب الموقعكلمة في الزحام

الطيور الحرّة لا تموت في أعشاشها

الطيور الحرّة لا تموت في أعشاشها “ورجعت إلى البيت فرحاً مسروراً “: عبارة أتذكّرها منذ مقاعد الدراسة..
الأولى، يذيّل بها أغلبنا مواضيع الإنشاء كخاتمة لا بدّ منها حتّى وإن كان الواحد عائداً من موكب تشييع أغلى الناس على قلبه.
هل أنّ الذي لقّننا هذه العبارة وأراد أن يحقنها في أوردتنا غصباً عن أنوفنا الصغيرة ، كان يهدف من وراء هذا (اللّقاح) إلى حمايتنا من الحزن والفجيعة وتأمين عودتنا إلى البيت آمنين سالمين ؟!..
لماذا لا يرتبط الفرح والسرور إلاّ بالعودة إلى البيت ؟! وهل السعادة هي قدر الجميع… لماذا كنّا نحرم من الحديث عن ألمنا على الورق؟
“لأنّكم أطفال ” – قد يجيب المعنيون- وستكبرون وتشيبون هموماً وستعلمون يوماً معنى أن يكون للواحد بيت ويعود إليه بعد تعب وتيه وشقاء، أشبعوا اليوم بالخواتم السعيدة أيها الصغار وتزوّدوا بها – ولو في مواضيع الإنشاء- قبل أن تبحثوا عنها يوماً في دفاتر المدرسة ولا تجدونها ..
الخواتم السعيدة في أوراق المصابين بالفرح الأبدي تشبه خواتم الخطبة والزواج بعد حبّ عاصف وممتع في تفاصيله وألمه وعذاباته، هي نفسها الخواتم النّاعسة على لسان جدّة أو حكواتيّ في عبارة: (.. وتزوّجوا وعاشوا في خير وسلام وخلّفوا صبيان وبنات وأحفاد وحفيدات
وتوته توته.. خلصت الحدّوتة ).
ننام وتبقى عينا الجدّة شاخصتين في سقف الغرفة تفكّر في هموم الأولاد ومصائر الأحفاد، كذلك تنطفئ أضواء المقهى ويعود الحكواتي العجوز إلى بيته الخاوي من الحكايات، غير مأسوف على العمر الذي سفحه في الانتصارات الاستمنائيّة..
أغلب الظنّ أنّ الخواتم السعيدة ليست من ابتكار البلهاء والسطحيين ومرضى التفاؤل المزمن، إنّها أيضا من كرم أصحاب القلوب الدامعة بصمت وكبرياء، كرم من يحدّثك عن اللّؤلؤ دون أن يحدّثك عن أهوال البحر ومخاطر الغطس والغوص.
الطيور الحرّة لا تموت في أعشاشها والنفوس الكبار تتعب في مرادها الأجسام أمّا حمّى القلق والأسئلة فسمة أبطال الملاحم والتراجيديات..
يحيلنا جلّ ما تقدّم من تهويمات إلى اقتفاء أثر مفاهيم الفرح والسرور والسعادة والعودة الآمنة الغانمة إلى البيت، فما أريح أن يموت المرء في فراشه ولكن…  ما أتعس وأوحش أن يعيش ويحيا في بيته .. تلك هي المعادلة المستحيلة..
إنّ الأسطورة – أعظم ما أنجزه الإنسان كجمع في صيغة المفرد – لا تعترف بمنطق الحب السعيد ولا النهايات الفرحة ولا بالمنطق أصلاً، ذلك أنّها تلامس الأسئلة الكبرى، الأسئلة النازفة دون بلسم الأجوبة… والأبعد من ذلك كلّه: هل رأينا يوماً أسطورة تصنع في بيت مغلق الأبواب والشبابيك وتقرأ دون تجهّم واحتباس أنفاس وتدور أحداثها دون أخطاء قاتلة من أبطالها؟
كان الأجدر بأساتذة المدرسة أن يعلّمونا عبارة (..ومكثت) بدل (.. ورجعت) فنختم مواضيع التعبير والإنشاء بجملة: (.. ومكثت في البيت فرحاً مسروراً) لأنّ الفرح والأمان مرتبطان بالسلبيّة وملازمة الفراش وعدم فعل أيّ شيء بما في ذلك كتابة موضوع الإنشاء نفسه … أو حتّى الذهاب إلى المدرسة من أصله، ألم يهجو الحطيئة أحدهم يوماً في صيغة المدح قائلاً:
” دع المكارم لا ترحل لبغيتها* واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسي”.
هكذا تصبح أفضل طريقة لحماية أنفسنا من الفشل والتقصير والمواجهة والنقد والغضب والمرض والخطر والندم والخطيئة هي عدم المبادرة لنضمن عدم إغضاب شخص ما في مكان ما قد لا تعجبه طريقتنا في الحياة.
هكذا يجب عليك أن تعود إلى البيت فرحاً مسروراً عندما يأتي المساء برغم قسوة الطقس الماطر أو الساخن، و برغم جميع الإساءات الصادرة عن الزحام والتلوّث وجحيم الرعاع … فتبدي رضاك وفرحك من كلّ شيء وتنحت ابتسامة أبديّة وعريضة على وجهك لتورّثها لأبنائك وأحفادك في مواضيع الإنشاء والتعبير كي يورّثوها بدورهم للأجيال القادمة ولكن…
احذروا الـ(أوفر دوز) أو الجرعة الزائدة من السعادة ومتى أصابتكم- لا سمح الله- فسارعوا إلى أقرب مصدر للحزن والبؤس، وما أكثر نقاط التزويد.
حدّثنا الصديق البهيج برهان بخاري رحمه الله عن أحد خبراء العطور الراقية عندما كان يتمشّى متفقّداً العمل في مصنعه وفجأة انزلقت قدماه ووقع في حوض عميق من العطر، انتشلوه في آخر لحظة، أجريت له عمليات تنفّس اصطناعيّ دون جدوى وكاد يموت اختناقاً لولا الفكرة التي لمعت في ذهن أحدهم فصرخ في الجميع: أسرعوا به إلى أقذر مكان هنا وشمّموه (شيئاً ما) حتّى يعود إليه وعيه… وهذا ما حصل فعلاً – وبفضل لطف الأقدار- أسعف الرجل إلى أقرب وأقذر دورة مياه !

بوابة الشرق الاوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى