تحليلات سياسيةدراسات

جو بايدن يعتصم بالوهم: الاستعراض لا يصنع ردعاً

قبل يومين، أمَر الرئيس الأميركي جو بايدن بشنّ غارات جوية على ثلاثة أهداف تستخدمها القوات التابعة لـ»الحشد الشعبي»، في موقعَين في سوريا، وموقع واحد في العراق، كلّها تقع بالقرب من الحدود بين البلدَين.

بيان «البنتاغون» عقّب على ذلك بالقول، إن «العديد من الجماعات المسلّحة المدعومة من إيران. بما في ذلك كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء، استخدمت هذه المنشآت».

وبحسب البيان، كان أحد الأهداف منشأة تُستخدم لإطلاق المسيّرات الإيرانية واستعادتها.

وفق ما أشار إليه العديد من وسائل الإعلام الأميركية، فإنّ هذه الخطوة تأتي بعدما كان الضغط يتزايد.  منذ أسابيع، من قِبَل الديموقراطيين والجمهوريين في الكونغرس. ومن بعض كبار مستشاري بايدن، للردّ على «التهديد الذي تشكّله المسيّرات على الدبلوماسيين الأميركيين، والقوات الأميركية البالغ عددها 2500 في العراق، والتي تقوم بمهمات تدريب وتقديم المشورة للقوات العراقية».

أمّا ما يسوّق له المسؤولون الأميركيون، في سياق حججهم وراء هذه الضربات. فهو «استخدام الميليشيات المدعومة من إيران، خمس مرّات على الأقل منذ نيسان، طائرات مسيّرة صغيرة محمّلة بالمتفجّرات، في هجمات على القواعد العراقية – بما في ذلك تلك التي تستخدمها وكالة الاستخبارات المركزية، ووحدات العمليات الخاصة الأميركية». هؤلاء يضيفون أنّه «حتى الآن، لم يُصَب أيّ أميركي في الهجمات»، لكنّ ذلك لا يلغي أنّهم يشعرون بالقلق «في شأن دقّة هذه المسيّرات».

بغضّ النظر عن الحجج التي يسوقها بايدن، ومسؤولوه، فإن هذه الضربات هي الثانية التي يأمر بها الرئيس الأميركي ضدّ «الحشد الشعبي»، في غضون أربعة أشهر. ففي 25 شباط، أمر بِشنّ ضربات مماثلة على منشأة في شرق سوريا.

ويبدو من المؤكّد أن الضربات الأخيرة «لن تكون أكثر فعالية»، بحسب ما يؤكد مايكل روبن، في معهد «أميركان أنتربرايس»، معتبراً أن «مثل هذه الأعمال العسكرية تعكس قرارات متعدّدة، خلال الأيام العديدة الماضية». روبن رأى أنّ الرئيس الأميركي التفت إلى خيارٍ كان يمثّل، في رأيه، أقلّ فرصة للتصعيد، أو للإدانة الدبلوماسية العراقية»، ليعقّب على الأمر بالقول إن «بايدن اختار إعطاء الأولوية للرمزية على الفعالية».

«إذا كان الغرض من الضربات الجوية المحدودة هو ردع عمل الميليشيات المدعومة من إيران، فإنّها لم تنجح». قال الكاتب، مشيراً إلى أن «ضربات شباط لم تمنع كتائب حزب الله، أو مجموعات مماثلة، من استهداف الأفراد الأميركيين في العراق، بل على العكس تماماً، لقد باتت المجموعات على درجة من القوّة. إلى حد أنه حتى رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، لا يخشى فقط اتخاذ إجراءات جوهرية ضدّها، بل إنه يحضر مسيراتها… كما يسعى إلى استمالة دعمها في محاولته لكسب ولاية ثانية».

أمّا بالنسبة إلى بايدن ومستشاره للأمن القومي جايك سوليفان، فاعتبر روبن أنّ «توقّعهما أن تحقّق هذه الضربة ما لم تحقّقه الضربة السابقة. قبل أربعة أشهر، هو أمر يعكس الكسل، إن لم يكن التفكير الاستراتيجي الوهمي الذي يتبعه بايدن».

الخطوة الأميركية التي اعتُبرت مرتجلة، وغير مدروسة بشكل كافٍ بالنسبة إلى العديد من المراقبين والخبراء الأميركيين. تطرّقت إليها جاين عرّاف، في صحيفة «نيويورك تايمز». عبر لفت الانتباه إلى أن «الصراع بين حليفيه القويَّين (إيران والولايات المتحدة)، وضع العراق في الوسط».

الكاتبة رأت أنّه «بسبب عدم قدرته على كبح جماح القوات المدعومة من إيران. أو منع الولايات المتحدة من الردّ، يواجه العراق الآن أكبر تهديد لاستقراره، منذ أن كان تنظيم داعش يسير في اتجاه بغداد في عام 2014».

وهو ما تردّد أيضاً على لسان مايكل روبن، وإنْ بصيغة أخرى؛ إذ أكد أن إدانة وزارة الدفاع العراقية. بشكل صريح ورسمي للضربات الأميركية، «لا تشير فقط إلى عدم ارتياح العراق لدفع ثمنٍ باهظ لحرب بالوكالة بين الولايات المتحدة وإيران، ولكنّها تعكس أيضاً حرصاً عراقياً على الحفاظ على الذات، في وقت تعتقد فيه بغداد أنّ الزخم يميل إلى جانب إيران».

الأمر ليس مرتبطاً بما تقدّم من حجج فحسب. فقد أشار بعض المراقبين إلى أن لجوء بايدن إلى توجيه ضرباته الأخيرة، سببه إظهار القوّة أمام طهران، في الوقت الذي تجري فيه المفاوضات النووية في فيينا.

ومن هذا المنطلق، رأى ديفيد سانجر، في «نيويورك تايمز» أن «بايدن يواجه تيارات متقاطعة مكثّفة في سياسته تجاه إيران»، موضحاً أن «الضربات الجوية التي أمر بها على الميليشيات المدعومة من إيران، تُظهر كيف يتعيّن عليه التنقّل بين استخدام القوّة، ومتابعة الدبلوماسية الهشّة لإحياء الاتفاق النووي».\

وتوافق تحليل سانجر مع ما ذهبت إليه آن جيران، في صحيفة «واشنطن بوست»، إذ اعتبرت أن «بايدن يدافع عن سلطته عبر شنّ غارات جوية في العراق وسوريا»، مشيرة إلى أنّ «الضربات جاءت في وقت تبدو فيه المفاوضات النووية مع إيران أمام طريق مسدود».

ما ذهب إليه بايدن، ومسؤولو إدارته، من تبريرات وراء الضربات، لم يكن مقنعاً بالنسبة إلى كثيرين في الكونغرس.

فقد أدّت خطوته هذه إلى تحذيرات من بعض الديموقراطيين، بأنه يخاطر بالاستهزاء بالمتطلّبات الدستورية لاستشارة الكونغرس. وأشارت هذه التحذيرات إلى عدد التيارات المتضاربة التي يواجهها الرئيس الأميركي، وهو يحاول صياغة سياسة متماسكة تجاه إيران.

فهو يخضع لضغوط في اتجاهات مختلفة، من الكونغرس وإسرائيل والحلفاء العرب، بغضّ النظر، أيضاً، عن حكومة طهران المقبلة، بقيادة الرئيس إبراهيم رئيسي.

وفي الكونغرس تحديداً، رأى بعض الديموقراطيين في الضربات العسكرية استمراراً لنمط التجاوز الرئاسي في استخدام سلطات الحرب، من دون استشارة السلطة التشريعية أو موافقتها. التبرير القانوني لإدارة بايدن للغارات الجوية كان بسيطاً ومباشراً؛ فوفق الناطق باسم «البنتاغون»، جون كيربي، «اتّخذ الرئيس هذا الإجراء وفقاً لسلطته بموجب المادة الثانية لحماية الأفراد الأميركيين في العراق».

ولكن بحسب جون سكوارتز، في موقع «إنترسبت»، «قد يبدو هذا محيّراً، نظراً إلى أنّ المادة الأولى، القسم الثامن من دستور الولايات المتحدة، تُعلن أن للكونغرس سلطة… إعلان الحرب». الكاتب أشار إلى أن هذا المنظور «أدّى إلى تقييد السلطة التنفيذية، إلى حدّ ما حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

ثم، في عام 1950، أمر الرئيس هاري ترومان مئات الآلاف من القوات الأميركية بالتوجّه إلى كوريا، من دون إذن من الكونغرس. وبدلاً من ذلك، أصدرت وزارة خارجيته مذكّرة توضح سبب عدم اعتماده على سلطة الكونغرس».

لماذا؟ لأنّ «سيطرة الرئيس على القوّات المسلّحة للولايات المتحدة تستند إلى المادة 2، القسم 2 من الدستور، التي تنصّ على أنّ الرئيس هو القائد الأعلى لجيش وبحرية الولايات المتحدة».

منذ ذلك الحين، أصبح هذا المنظور للسلطة الرئاسية عقيدة للجمهوريين والعديد من الديموقراطيين.

وبناءً عليه، جرى تقديم تبرير قانوني لجورج بوش الابن، لسلطة رئاسية خالصة، بعد فترة وجيزة من هجمات الحادي عشر من أيلول. فقد قالت وزارة العدل إنّ المادة الثانية تنصّ على أن «المؤسّسين عهدوا إلى الرئيس بالمسؤولية الأساسية، وبالتالي سلطة استخدام القوة العسكرية في حالات الطوارئ».

لذلك، «لم يكن الرئيس بحاجة إلى تفويض من الكونغرس لمهاجمة المنظمات الإرهابية، أو الدول التي تؤويها أو تدعمها، سواء كان من الممكن ربطها بالحوادث الإرهابية المحددة في 11 أيلول أم لا». ومع هذا، فضّل الرؤساء، بشكل عام، القيام بنوعٍ من الخطوتين القانونيّتين في شأن هذه المسألة.

فهم يصرّحون بأنهم يتصرّفون «وفقاً» لنوع من تفويض الكونغرس، حتى عندما يقولون إن المادة الثانية تعني أنهم لا يحتاجون إليها. كما أثبت تفويض استخدام القوة العسكرية لعام 2001، الذي تمّ تمريره بتصويت وحيد بـ»لا»، بعد هجمات 11 أيلول، أنه مفيد هنا.

فوفقاً لتقرير خدمة أبحاث الكونغرس لعام 2018، تمّ الاستشهاد بالتفويض المذكور من قِبَل الرؤساء 41 مرة: 18 من قبل إدارة بوش، و21 مرّة من قِبَل باراك أوباما، ومرّتين من قِبَل ترامب.

 

 

صحيفة الاخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى