تحليلات سياسيةسلايد

خطابٌ “تصالحيّ” للرئيس أردوغان في القمّة الخليجيّة مع العرب وسورية.. ولكن لماذا لم يكن كافيًا؟

عبد الباري عطوان

كان الخِطاب الذي ألقاه الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان في القمّة الخليجيّة الـ44 التي انعقدت في الدوحة اليوم وحضرها كضيف شرف، هو الإنجاز الأهم وفي هذا التّوقيت بالنّظر إلى الرّسائل التي تضمّنها على أكثرِ من جهة، سواءً تلك المُتعلّقة بالحرب في قِطاع غزة، أو بالأزمة السوريّة.

هذا الخِطاب ذكّر الكثيرين، ونحنُ من بينهم، بالعصر الذهبي للرئيس أردوغان، وإنجازاته، ومواقفه السياسيّة التي جعلته الزّعيم الأكثر شعبيّة في العالمين العربي والإسلامي، ونحن نتحدّث هُنا عن المرحلة التي سبقت التورّط التركي في المِصيَدة الأمريكيّة التي جرى إعدادها “بذكاءٍ” للأسف لتفتيت سورية، واستِنزاف الدولة التركيّة اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، وتقويض زعامة أردوغان وإنجازاته في الوقتِ نفسه.

هُناك عدّة محطّات رئيسيّة وردت في الخِطاب، ولا يسعنا إلّا التوقّف عندها لأهميّتها:

الأولى: التّشديد على ضرورة وقف المجازر في قِطاع غزة، مُحَذِّرًا من أن تتحوّل إلى حربٍ إقليميّةٍ تشمل “سورية”.

الثانية: التأكيد على أنّ حُكومة نِتنياهو تُعَرّض أمن المِنطقة بأسْرَها للخطر، وبهدف إطالة أمَدِها ورئيسها في الحُكم.

الثالثة: فُقدان أرواح 16 ألف فِلسطيني تقريبًا مُعظمهم من النّساء والأطفال جريمة حرب ضدّ الإنسانيّة لا ينبغي أن تمرّ دُونَ مُساءلة.

الرابعة: الإشارة “المُتعمّدة” والمُختارة بعنايةٍ، بأن أكبر عقبة أمام استِقرار سورية هي العناصر الإرهابيّة والانفصاليّة التي تُهدّد سلامة أراضي البِلاد ووحدتها، في إشارةٍ واضحةٍ إلى “المُنظّمات الكُرديّة”.

الخامسة: التّركيز على ضرورة إيجاد حلٍّ سياسيٍّ للنّزاع السوري على أساس قرار مجلس الأمن رقم 2254، وتهيئة الظّروف اللّازمة من أجل العودة الطوعيّة والآمنة للسّوريين (المقصود هُنا المُتواجدون على الأراضي التركيّة).

إنها رسالة مُصالحة، على أرضيّة حرب الإبادة والتّطهير العِرقي الإسرائيلي في قِطاع غزة التي تُوحّد إدانتها مُعظم، إن لم يكن كُل، الشّعوب العربيّة والإسلاميّة، ولكنّها تظل دون قيمة فعليّة إذا لم تُصْفُ النّوايا، ويتم ترجمتها إلى خطواتٍ عمليّةٍ، ومن جميع الأطراف، وعلى رأسِها تركيا.

كُنّا نتمنّى لو أنّ الرئيس أردوغان قد تحدّث عن جميع الجماعات الإرهابيّة والانفِصاليّة أثناء حديثه عن العقبة الأكبر التي تُهدّد سلامة واستِقرار الأراضي السوريّة، وأن يتعهّد في الخِطاب نفسه بسحب جميع القوّات التركيّة مِنها، ولكنّه لم يفعل للأسف، لأنّ وجود القوّات التركيّة على الأراضي السوريّة عُنصر عدم استِقرار ومشروع فِتنة بين البلدين الجارين، ويُسَمِّم العلاقات العربيّة- التركيّة بطَريقةٍ أو بأُخرى.

تركيا دولةٌ إقليميّةٌ عُظمى، اتّفقنا معها أو اختلفنا، وقيادة الرئيس أردوغان لعبت دورًا كبيرًا في وصولها إلى هذه المكانة الإقليميّة والعالميّة، ولكن لا يكفي في نظرنا أن يقتصر دورها على إدانة المجازر الإسرائيليّة، ووصف نِتنياهو بمُجرمِ حرب يجب مُحاكمته أمام محكمة الجنايات الدوليّة مِثل كُل المُجرمين الآخَرين.

كان لافتًا إشارة الرئيس أردوغان في خِطابه المذكور آنفًا إلى مُعارضته بشدّةٍ تُحوّل الحرب في غزة إلى حربٍ إقليميّةٍ تشمل سورية، وقد تعذّر علينا في هذه العُجالة، معرفة ما هو المقصود في هذه الإشارة إلى سورية تحديدًا، فهل هذا من مُنطَلِق الحِرص عليها، أي سورية، أمْ خوفًا من وصول الحرب إلى تركيا؟

الخِيار الوحيد والأهم أمام الرئيس أردوغان هو العودة إلى سِياساته الذكيّة والمنطقيّة السّابقة التي تبنّاها في السّنوات العشْر الأولى من حُكمه وحِزبه، أيّ التوجّه شرقًا، وإقامة جُسور التّعاون مع أشقّائه العرب، وعلى رأسِهم سورية، خاصَّةً في ظِل الحرب والمُؤامرات التي تُحيطها ضدّه هذه الأيّام أمريكا وشُركاؤه في حِلف النّاتو، وقد لمّح إلى هذه المسألة عندما أشاد بنموّ حجم التّبادل التّجاري مع دُوَل الخليج الغنيّة ووصوله إلى 23 مِليار دولار عام 2022، وهو رقمٌ صغير على ضخامته بالنّظر إلى مجالات التّعاون الواسِعة جدًّا.

خِتامًا نتمنّى على الرئيس أردوغان أن لا يكتفي بحصر المجازر الإسرائيليّة المُستمرّة مُنذ 75 عامًا ضدّ الفِلسطينيين في شخصِ نِتنياهو، فهذا كيانٌ قامَ على المجازر مُنذ اليوم الأوّل، والمُبادرة فورًا بقطع كُلّ العلاقات معه، وأن يكون قُدوةً رائدةً وحسنةً لكُلّ العرب والمُسلمين في هذا الميدان.

 

 

 

صحيفة رأي اليوم الالكترونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى