كتاب الموقعكلمة في الزحام

كاريكلام

كاريكلام … اسمحوا لي بداية بهذا النحت اللغوي الذي يجمع بين سخرية الكلمة وسخرية الصورة كوجهي عملة واحدة لا تتأثّر بأيّ كساد …ما دامت تستثمر في الوجع الإنساني.
كثيرة هي النكت والطرائف والتعليقات الساخرة والانتقادات القاسية التي نبتدعها ,نرويها عن أنفسنا ونجلد بها ذواتنا في ساعات الضيق ,سعيا وراء ابتسامة هاربة , رغبة في توازن مفقود ,تطهيرا للروح …. وخشية انفجار ما.
إليكم واحدة من تلك التي أنتجها العقل العربي عن (العقل العربي) ,تقول الحكاية : قصد أحدهم متجرا متخصّصا في بيع العقول لاقتناء واحد جديد يزيّن حياته ويكمّل فرحته بنعمة الخالق عليه ,توقّف عند واجهات كثيرة تعرض أمخاخ ونخاعات بشريّة على كل لون وحجم ,ومن مختلف أصقاع الأرض ,استقبله موظّف المبيعات بحفاوة سائلا عن طلبه ..ودار بينهما الحوار التالي:
-الزبون : ما أسعار أكبر العقول لديكم وأكثرها وجاهة وثقلا بين الأكتاف .؟
-البائع : نعم سيدي , هذا ألماني مميّز من سلالة (اينشتاين) و (هيغل) و(غوته) وغيرهم من الفلاسفة والعظماء , وهذا فرنسي متفوّق من فصيلة (ديكارت) و(فكتور هيغو) و(سارتر) ,وذاك الذي بجانبه إيطالي أصلي من عصر النهضة يعمل على طريقة (ليوناردو دافنشي) و (ميخائيل أنجلو ) و(دانتي) ,أمّا ذاك الذي يتوسّطها فهو أمريكي مهجّن بين عائلتي (أديسون) و(أرميسترونغ) و ذاك..
-الزبون (مقاطعا) : هل لي أن آخذ فكرة عن الأسعار؟
-البائع : بكل سرور سيدي ,وستجد في هذا الكتيّب طرق التشغيل والصيانة و الكفالة مع قوائم الأسعار ومواعيد التخفيضات السنوية…خصوصا في المناسبات التي يقلّ فيها استخدام العقل .
-الزبون (وهو يتفحّص الكتيّب) :حسنا ,ولكنّ الأسعار غالية ولا تتناسب مع أحجام هذه العقول التي لا يتجاوز أكبرها البطيخة أو كرة الفوتبول في أحسن الحالات..!..أريد عقلا أصغر, أي بحجم كرة التنس أو البينغ بونغ …مثل ذاك الذي في أعلى الرف.
البائع : عذرا سيدي ,هذا (العقل) هو أغلى وأندر بضاعة في متجرنا رغم صغر حجمه.
-الزبون : ما هذه المفارقة العجيبة ؟! أليست قيمة العقول بالأحجام والهويات الثقافية.
-البائع : هذا الذي تراه في أعلى الرف هو عقل من بلادكم يا سيدي ,ويعود سبب غلاء ثمنه إلى كونه طازجا وجديد ا,تأمّل في علبته ,إنه لم يستعمل قطّ ,ثمّ أنّنا كسرنا رؤوسا كثيرة فوجدناها جوفاء إلى أن حصلنا على هذا (العقل) الناصع البكر.
هنا تنتهي الحكاية بنصف ابتسامة ونصف دمعة…والمذاق حسرة وأسى على أمّة كانت خير من أخرج للناس ,ثمّ صار الكثير من مبدعيها أشبه بالمهرّج الحزين وقد بلّلت العبرات ظهر قناعه وخنقته الغصّة في الكواليس.
فهل نسحب عبر نكاتنا البساط من تحت الآخر فنسبقه للضحك على ما آلت إليه مجتمعاتنا ؟ ونقول له دون عقد ومركّبات نقص (نحن أدرى منك على تشخيص أمراضنا ) ..ولكن,أين الخطّ الفاصل بين النقد الساخر وجلد الذات ؟
أعتقد – وبرغم الجوّ العاصف والإعصار – أنّ أمّة لا تسخر من أوضاعها هي أمّة بلا أوجاع …ومن كان بلا أوجاع فهو بلا إحساس ومن كان بلا إحساس فهو ميّت مؤجّل الدفن….ولكن هل تكفي فضيلة الاعتراف بالأخطاء والسخرية منها بدل البكاء والسكوت عليها …هل يغني كل هذا مغبّة النهوض والعمل والالتحاق بركب الحضارات المتقدّمة.
أخطر ما في النقد الساخر وثقافة ما يعرف بالكوميديا السوداء هو السقوط في فخاخ التنفيس التي تنصبها الحكومات المستبدّة لشعوبها ,على شاكلة :(قل ما تريد ونحن نفعل ما نريد ) ,فيمسي المبدع إسفنجة تعصر في البلاليع بعد انتهاء كلّ مقالة أو رسم أو عرض أو حتى سماع نكتة (قويّة) يرويها صديق لصديقه في حانة أو يهمس بها لنفسه في زنزانة انفرادية.
ولدت النكتة من رحم الألم وتغذّت من المفارقات الطبقية والإنسانية ,فلا يميتها إلاّ الرضاء الكامل والطمأنينة المطلقة التي لا توجد إلاّ تحت التراب ,إنها كائن حيّ يتطوّر بتطوّر المجتمعات ,لكنّ أذكاها وأكثرها نباهة واختزالا هي تلك التي أنتجتها الشعوب التي ترزح تحت التخلّف والاستبداد – وهي مفارقة لافتة ينبغي التوقّف عندها ودراستها مخبريّا – ,فهل هي أشبه بالبكتيريا والطفيليات التي لا تقوى على العيش في غرف التعقيم والعناية الفائقة ..!؟…أيهما تفضّل أيها العربي الحائر : العيش متجهّما عبوسا في مجتمع (يعاني) الانضباط والجديّة أم ضاحكا مزهوّا في مجتمع (ينعم) بشتى الأمراض الاجتماعية …شرط أن لا يكون جوابك خليطا بين هذا وذاك …فتكون مثل الكثير من الكتّاب والفنانين العرب الذين لهم شرف المعارضة وامتياز السلطة.

*كلمة في الزحام :

لماذا لا تفكّر حكوماتنا في إنشاء مناطق تبادل حر للنكت ,في اتجاه سوق عربية مشتركة ,أعتقد لا مشكلة مع الجمارك ,على اعتبار أنّ البضاعة واحدة …ولكن بطرق تعليب مبتكرة ونكهات مختلفة………….نكتة إلى السطر.

بوابة الشرق الاوسط الجديدة 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى