كتاب الموقعكلمة في الزحام

برهان بخاري :أوزبكيّ من دمشق

برهان بخاري :أوزبكيّ من دمشق .. إنه أبو عرفان رحمه الله، تعلّمت منه أنّ ثلاثة (كشتبانات) تكفي للدهشة وصناعة فن الحياة: أولها الخيال وثانيها المعرفة وثالثها التواصل والذكاء الاجتماعي… أما الكشتبان الرابع الذي لا ندري ما يخفي.. فهو اللاعب.
كأنه الرجل الذي تاه عن قوافل الحج عبر( شام شريف) وآخر المتبقّين من طريق الحرير: وريث”رأس الرجاء الصالح “.
صهر في كتاباته أكثر من ثقافة دون عقد، تماماً كما تصاهر مع آل الحمزاوي في دمشق وامتدّت جذوره بشكل أفقي .
تعلّمت منه أنّ وليمة الرزّ البخاري التي كان يدعو إليها الأصدقاء في بيته قصيدة تخاطب القلوب قبل البطون … وقد صنعها( الأوزبك ) من بخار الطيبة والصفاء تحت ذات النار التي طهت الخناجر والسكاكين-سكاكين المطابخ طبعاً-…
عذراً أبا عرفان لأني كتبت يوماً – ومجازاً- عن الخنجر الذي سافر عبر طريق الحرير إلى البندقية بعد أن صنعه حدّاد فقير في بخارى ليستقرّ أخيراً في صدر “دزدمونة” على يد “عطيل” … لقد كان ذاك الحدّاد الفقير ضحيّة أخرى من ضحايا “ياغو”على كل حال وبمؤامرة محكمة التدبير من شكسبير.
يرطن لسانه بأكثر من لغة وتحطّ على رأسه ملايين الأفكار وتنظر عيناه الضيقتان ورؤيته الواسعة إلى مئات المشاريع، إنه رجل بطول نابليون وطموح الإسكندر وجنون “كاليغولا ” .
جعلني أعشق الشام بعد أن كنت أحبها ولا أنكر أني قد (تفهّدت) منه بغريب الأحاديث والأمثال والطرائف.
يعرف دمشق أكثر من جيبه، حارة حارة، حكاية حكاية، وفوق ذلك كله يعرف شخوصها ويجالس علية القوم كما يجالس السوقة والدهماء على حدّ سواء: من شارع ” شيكاغو ” وعالم “المرجة” إلى حي “أبو رمانة ” و”المالكي ” … لقد رسّخ لدي فكرة ازدراء الوسطيين والفاترين والبلهاء.
تزوّجت في فكره الحداثة بالتراث دون خطف أو اغتصاب، جمع في بيته وعلى وليمة الرزّ البخاري وعرق “الريّان “مختلف الملل والنحل … يغادر الجميع إلى بيوتهم ويبقى برهان بخاري في شرفته مثل عمر الخيام يتأمّل الكواكب والنجوم أو في مكتبته التي لم أر أكبر منها في منزل دمشقي.
أعاتبه على مشاريعه التي لم يكملها فيهمس قائلاً: (دعني يا صديقي)، أخجل وأقول لنفسي: أنت أيضاً مثله فلم تهرب بسؤالك منك إليه؟!
أزعم أنّي تعلّمت منه مواجهة الحاجة بالعطاء والانكسار بالوقوف والغضب بالكتابة .
وصفه زكريا تامر بالمؤذّن في المدن الصمّاء، لكنّه ظلّ يصرّ على الفكرة بحماسة…. والغريب أنّه يدير لها ظهره بذات الحماسة.
لا ينكر من يعرفه بأنّه الذاكرة الباسمة لدمشق المكابرة على جرحها.
أردت أن أكتب هذا “البورتريه”عن رجل من معدن نفيس، بل من مجموعة معادن، قدّم مشاريع موسوعيّة كثيرة، أغلبها لم يكتب لها الاكتمال، لكنه أراد أن ينسى نفسه فنسيه بعض الذين فضّل عليهم.
أبو عرفان الذي عرفه وأحبّه حسيب كيالي وجان جنيه ويوسف شويري وأمير البزق ورفيق سبيعي وفاتح المدرّس وبندر عبد الحميد ومحمود درويش .. وشيوخ وأساقفة ومؤمنون وملحدون.
أبو عرفان الذي أثنى على تجربتي الكتابية في أكثر من زاوية صحفيّة … ليس لنا إلاّ أن نحييك في عليائك، نرفع لك كأس المحبّة، أعود وأهدي إليك ما كتبته يوماً في رثاء صديقك “عدنان بغجاتي” :
(يا صديقي ونحن خطّان من الدمع واضحان كالوشم، لماذا لم تكن صريحاً في البكاء… الآن نعلن أنّ الحزن كان فضّاحاً … وأنّ الشيب – كالطريق – لم يكن صديقا كتوماً ).

 

19.9.2013

بوابة الشرق الاوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى