كتاب الموقعكلمة في الزحام

مذكّرات ملعقة (حرب الملاعق)

مذكّرات ملعقة (حرب الملاعق) .. أنا همزة الوصل الوحيدة بين الداخل والخارج، لذلك تخاصمت لأجلي وبسببي الأيادي والأفواه عبر التاريخ.
أنا الآنسة ملعقة،(عفواً،أنا لست سيدة )، لم أتزوّج كما فعلت الشوكة مع السكين على موائد ( الأكابر) وترك الاثنان لي مهمّة الشوربة وبعض أنواع البوظة والأطعمة السائلة أو البقول لدى الفئات الشعبية.
نحن- معشر الملاعق-أنواع ومعادن ومقامات :
– واحدة من ذهب، تولد في أفواه الأغنياء والملوك والسلاطين، لذلك يستشرسون في الدفاع عن اليد التي تمدّهم بالملعقة قبل النظر إلى الملعقة… ولكن..
هل يحسّن الذهب من نوعية اللقمة أو يزيد في عيار الشهيّة ..؟ غريب أمر البشر، هل تكون اللكمة أجمل وأقلّ إيلاماً حين يتلقّاها الواحد بقفّاز حريري..!.
-ملعقة من فضّة، تلمع على موائد المترفين وحديثي النعمة في الولائم الفاخرة وحتّى تلك التي يقيمها بعضهم مرّة في العام للفقراء والمعوزين.
أفرح حين يدسّني خلسة ضيف ذو فقر مدقع في جيب سترته أثناء مأدبة تكفي لإطعام أحفاده وتزيد من إحساسه بالحرمان.
-ملعقة من خشب، تحتضن الطعام في حنوّ،  يحبها العشّاق والرومانسيون وأصدقاء الطبيعة … ولا تحدث قرقعة حين اصطدامها بالأسنان، لكنّها مثل -النكّاشة- تحنّ إلى أمها الشجرة.
– ملعقة من مادة (الستانلس ستيل)، لا تعرف الصدأ، يستخدمها جميع الناس، تكاد تسوّي بين جميع الفئات الإجتماعية (لولا بعض الماركات التي تحمل نقوشاً)… الأهم أنّه لا يخشى عليها من الضياع أو السرقة .
– ملعقة من البلاستيك: تنتهي صلاحيتها بانتهاء الوجبة ويؤول مصيرها إلى الحاويات… وربّما يعاد صنعها من جديد.
– ملعقة من التنك أو الألمنيوم للذين يأكلون همّ تدبّر الطعام قبل الملاعق والصحون … لكنها تؤدّي الوظيفة على أيّ حال، طالما أنّ المسافة قريبة جدّاً دائماً بين الصحن وفم الجائع المستعجل، ذلك أنها خفيفة وسريعة.
– ملعقة من أصابع وبصمات لا تمحى.. لرجال المناسف من أحفاد حاتم.
– ملعقة مسحورة، تفترس الطعام قبل وصوله إلى أفواه الذين لا يشبعون ولا يحدّثون بنعمة ربهم.
– ملعقة غائبة، ينتظرها جياع العالم المتحضّر وينظرون إليها وهي تركب مكنسة وتطير عاليا فوق أمعائهم الخاوية ورؤوسهم المليئة بالأسئلة.
يخطر ببالي أكثر من سؤال محيّر:هل أنّ الملاعق في هذا العالم أكثر من عدد الأفواه أم العكس ؟!
لماذا اشتقّ اسم الملعقة من (اللعق)، وهو مصطلح جعلته البلاغة العربية موغلاً في الإهانة … ربما لأنه فعل يمارس باللسان الذي كرّمته العرب وقاربت بينه وبين الحصان .
صدق المثل القائل: (العين مغرفة الكلام) فالأصول أن تنظر في عين من يتكلّم وليس في فم من يأكل …. لكنّ ما يحدث الآن هو العكس.
لماذا جعلوا للملاعق أحجاماً في أذهانهم وقالوا عن الطمّاع: فلان ملعقته كبيرة.

*كلمة قبل الإفطار:
لماذا لا تصهر كل ملاعق الأرض ليصنع منها ملعقة واحدة وكبيرة تطعم كل الأفواه …و تشترك في جليها البشرية بعد كلّ وجبة….إنها أمنية أحد الفقراء الطيبين على موائد الرحمان….وليس موائد اللئام طبعا.

بوابة الشرق الاوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى