كتاب الموقعكلمة في الزحام

نحن وشركاؤنا في الطبيعة :مقاربات ومشاكسات

نحن وشركاؤنا في الطبيعة :مقاربات ومشاكسات … نحن معشر الكائنات الحيّة من نبات وحيوان وإنسان (عذرا عن هذا الترتيب الذي قد يبدو تفاضليّا ولا يروق لبعض البشر) نرفع رؤوسنا ونحنيها لأسباب واعتبارات كثيرة , فالدابّة مثلا ,كلّما ثقل عليها الحمل رفعت رأسها إلى السماء تسكينا للألم أو طلبا للرحمة أو رغبة في التوازن أو سعيا للأكل من أغصان الأشجار العالية أو حبّا في النهيق و الصهيل و النباح أو حتّى الصياح ,ذلك أنّ الديك لا تحترمه دجاجاته إلاّ إذا كان مرفوع الهامة مشرئبّ العنق ..وكذلك الذئب الذي يستفزّه القمر باكتماله فيرفع رأسه معوّيا وراغبا في ضمّه إلى مملكته كما أراد أن يفعل القيصر الروماني المهووس بالعظمة ( كاليغولا) في حكايته الشهيرة,أمّا الحمامة فترتفع برأسها بعد كلّ قطرة ماء تشربها من صحن جامع أو نافورة كنيسة,حمدا للخالق و تحسّبا للأعداء من الصقور والقططة .
لننظر إلى النبات الذي اعتاد العطاء بصمت , يحتمي ويختفي خلفه الإنسان والحيوان حقيقة ومجازا ,إنّه يرفع رأسه حين يرتوي وبعد سقايته يرتدّ إلينا أزهارا وظلالا وثمارا … أو حتّى حطبا في برد الشتاء…
لكنّهم علّمونا في المدرسة أنّ السنابل تنحني تواضعا حين تكتنز بحبّات القمح ,أذكر وقتها أنّي اعترضت على الأمر وقلت للمعلّم بنصف لسان سليط :(السنابل كاذبة وتدّعي التواضع فهي لا تنحني إلاّ لضعف في سيقانها وعجز على تحمّل حمولتها من القمح )..هدّدني بطردي من الصفّ ودعوة وليّ أمري ….فاعتذرت مطأطأ الرأس كما تفعل الأشجار اتّقاء للعاصفة ….ومازلت غير مقتنع بذلك.
لم أتّعظ ولم أخف من العقوبة و مضيت في لعبة المشاكسة والتطاول على المفاهيم المعلّبة والمسنّة كالعريشة المجنونة داخل بيت دمشقيّ فسيح.
ما معنى أن يقول لك الواحد مواسيا :وحدها الثمار ترمى بالأحجار (عال), وما قوله في ثمار وخضار ترقد تحت أقدامنا في التراب كالفطر و(الكمي) والجزر والبطاطا والبصل مثلا !؟ ,ما معنى أن يهاجم أحدهم الآخر بقوله : (فلان كالنعامة يدفن رأسه في الرمال)…ما ذنب النعامة وما دخلها في الأمر ؟وهل تريدها أن تتفرّج على قاتلها ,ثمّ أين ستختفي بجسدها الممتلئ وقوامها الرشيق إذا كانت عزلاء عارية في صحراء عارية ..؟!.
استطاب الإنسان ثنائيّة الأعلى والأسفل ,وظّفها وبرّرها حسب موقعه ومزاجه فجعل رفع الرأس شموخا في لحظة زهو وتكبّرا في لحظة ذلّ وجعل طأطأته عارا وهو منهزم وسمّاه تواضعا وهو منتصر.
فرك الإنسان رأسه الصغير ,جلس على كرسي المخرج وبدأ بتوزيع الأدوار على من حوله من حيوان ونبات و جماد فخصّ بعض الذين انتفع منهم بصفات حميدة وألبس الآخر عقده ونزواته فجعل من الفجل مثيرا للاحتقار والبطّيخ معادلا للإزدراء و الطرخون خائنا للعهد والقطّ ناكرا للجميل والأرنب مثيرا للشفقة والجمل حقودا والغراب منذرا والسّنونو مبشّرا والقرد مهرّجا والكلب وفيّا والحمار غبيّا والحجر أصمّ والبحر غدّارا والصحراء موحشة… أمّا النعامة فجعلها جبانة لسبب لا يريد الإفصاح عنه ,لعلّها تشفق على صيّادها الجبان من نفسه الأمّارة بالقتل ولا تريد أن تنظر في وجهه….ربّما –وللسبب نفسه-يغطّي القتلة رؤوس ضحاياهم بأكياس سوداء ساعة الإعدام كي يحموا أنفسهم من (شظيّة) تنطلق من عين الهالك …ومن رصاص قد يعود من الصدور إلى البنادق.

*كلمة في الزحام :

كتابان اثنان في تاريخ البشريّة يقرآن كل يوم ولا تصفرّ أوراقهما أبدا ,إنهما(كليلة ودمنة) لابن المقفّع و(مزرعة الحيوانات الثوريّة) لجورج أورويل.

 

بوابة الشرق الاوسط الجديدة 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى