نوافذ

لماذا لا نتغيّر؟!

اليمامة كوسى

وسط زُحام القرن الواحد والعشرين نتوقّف فجأة لنجد بأنّ هناك الكثير من الأفكار التي لا نسمح لعقولنا باستيعابها على نحوٍ كافٍ في الأيام العاديّة، لكننا بعد التأمّل فيها قليلاً نكتشف كم نحنُ عالقون على السّطح. إحدى تلك الأفكار حطّت رحالها في رأسي بعد أن فكّرتُ بالرسالة القصيرة التي تومض بها شاشات هواتفنا وتقول: “مساحة التخزين ممتلئة؛ أفرِغ بعض المساحة”.

نقرأ العبارة على عجل، نتنهّد، نضغط ” تذكير لاحقاً”، ونمضي كأنّ شيئاً لم يكن. وكأنّ الامتلاء لا يشكّل أزمةً بعد. وكأننا نستطيع تحمّل ذلك الازدحام الخانق لفترة أطول. ولكن؛ ماذا لو لم يكن الامتلاء في هواتفنا فقط؟!

ماذا لو كانت أرواحنا هي الأخرى تومض في صمتٍ خافت، وتقول لنا بأنها تمتلئ بالطريقة نفسها؟!

عدّوا معي كم من الجمل والاقتباسات التي تعجبنا في اليوم الواحد؟!

كم من الآيات التي تهزّ قلوبنا للحظات؟!

كم من الكتب التي نغلقها بإحساسٍ غامرٍ بالفهم العميق؟!

كم من التجارب البشريّة التي نشاهدها ونحنُ نلملمُ دموعنا من شدّة التأثّر؟!

كثيرةٌ أليس كذلك؟

في الحقيقة؛ نحن نحتفظ بكلّ تلك الأشياء، نكدّسها برفقٍ في ذواكرنا كما نكدّس البيانات في هواتفنا الجوّالة، نُضيفها إلى قائمة الأشياء التي أثارت إعجابنا وفهمناها، ثم نمضي.

عشراتُ المعاني تهطلُ علينا يوميّاً كمطرٍ غزير، تطرق نوافذ أرواحنا قاصدةً تغييرنا، لكننا نكتفي بالاستمتاع بالصوت، بالرائحة المنعشة، ببرودة البلل على أطراف أصابعنا دون أن نسمح له بأن يبلّلنا من الداخل، ونحنُ المتمرّسون في مهارة إغلاقِ النوافذ منذ أمد!

نعيش هذه الحياة كما لو أنها متحفٌ واسع، نمرّ بين اللوحات والأفكار والوجوه، نقرأ الشروحات بإعجابٍ بالغ، نميل برؤوسنا إجلالاً لروعتها، ثم نخرج من هناك كما دخلنا.

فكّرت لماذا نُعجب كثيراً دون أن نتغيّر، ووجدتُ بأنّ السبب هو أنّ الإعجاب فعلٌ آمن لا يتطلب منا إلا التصفيقَ الصامت، لا يجرّنا إلى مساءلة أنفسنا، لا ينتزع منا عادة، ولا يهزّ فينا يقيناً قديماً.

نقف على شاطئ الحقيقة مبهورين بزرقتها، نمدّ أقدامنا قليلًا إلى الماء، ثم نتراجع قبل أن يبتلّ فينا شيء، صحيح أننا نحب البحر لكننا لا نحب السباحة، فالسباحة تعني أن نخلع أثقالنا، أن نغامر، أن نثق بأننا سنطفو بعد الغرق الأول.

وذات الأمر يحدث عندما نقترب من النار لنتدفأ، لا نسمح لها أن تحرق ما يجب أن يُحرق، نحن نريد دفء الفكرة فقط، لا نارها، نريد أن تضيء لنا الطريق، لا أن تعيد تشكيل وجوهنا. ولعلّ هذا هو الفرق بيننا حين نُعجَب وحين نُحِبّ، فكما يقول الاقتباس الشهير الذي لم أعرف للأسف كاتبه بدقّة: “الإعجاب أن تقف أمام لوحة في معرض، أما الحبّ فهو أن تعود ليلاً لتسرقها”.

إنّ الإعجاب لحظة تأمل مريحة توحي لنا بالارتقاء لمجرّد الفهم، دهشة عابرة بفعلِ مشهدٍ ننثر عليه ذرّاتٍ مذهّبة من الكمال، شعورٌ لحظي لا يتطلّب منّا تضحيةً أو ثمناً. أمّا الحب فهو أمرٌ مختلف تماماً، الحبّ تجرّؤٌ ثابت على التغيير، قرارٌ مستمرّ يتكرر كل يوم، اعترافٌ ضمنيّ بالنّقص بعد هدمِ الشعور بالخوف من خسارة الصورة التي صنعناها لأنفسنا، التزامٌ متين يقتاتُ على احتمال الملل والألم والتعب في سبيل أن نكون كما علينا أن نكون.

حين نحبّ فكرةً بصدق، لا نكتفي بالنظر إليها، بل نسمح لها بأن تغيّرنا. تدخل في كلامنا، في اختياراتنا، في صبرنا، في غضبنا، تربك راحتنا، وتعيد ترتيب أولوياتنا، تجعلنا أقل ادّعاءً وأكثر صدقاً.

ولهذا؛ وفي زمن الإعجابات الكثيرة هذا، دعونا نتوقّف عن الاكتفاء بالنظر إلى المعاني ولنسمح لها بتغييرنا. فلنعد ليلاً لسرقة اللوحة، لنفتح نوافذنا للمطر، لنقفز في البحر بشجاعة، ولندع النار المتّقدة تنقّينا. والأهم من كلّ ذلك هو ألّا نؤجّل التفكير بهذه الرسالة الهامّة التي لا تكفّ عن الظهور في وجهنا، ولنضغط على زرّ “الآن” بدلاً من “لاحقاً”.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى