كلمة في الزحام

.. متلبسا بالضحك

.. متلبسا بالضحك…كان عزمي موره لي، الملقب بفيلسوف دمشق، أرستقراطيّا حتّى في ابتسامته فهو حاد الطبع، دائم التجهم والعبوس ولم نشاهده يوما “متلبسا بالضحك” على طاولته التي لا يحظى إلا نفر قليل منا بالجلوس إليها في حانة “فريدي” الشهيرة. قلت لعزمي بيك،: كيف تتصرف حين تداهمك الضحكة يوما، خصوصا في هذا المكان الذي يضج نماذج و”كاركترات” عجيبة غريبة تضحك حتى الموتى في قبورهم؟ هل تنتظر العودة إلى مزرعتك النائية في أطراف دمشق لتغلق الباب على نفسك، تخلع ربطة عنقك و”ترتكب الضحك”خلسة، وبعيدا عن عيني خادمك الذي أقسم لي يوما أنه لم يلمحك تضحك طيلة 40عاما أي منذ التحاقه بخدمتك؟

تجاهل عزمي بيك، سؤالي واستدار إلى جليسنا “زهير” الغارق في الضحك من تعليقي، والذي كان يضحك للهواء والذباب والصمت، وحتى والبكاء. نظر إليه شذرا ثمّ قام بحركة لا معنى لها(غيّر وضعيّة القدّاحة على الطاولة )وانفجر في وجه زهير غاضبا: هيّا.. اضحك الآن يا زهير.. هل يضحكك هذا أيضا !.. وفي الأثناء خرج صديقنا “بخاري الموريتاني” الملقب ب”وحش البيرة” من التواليت فقال له أحد جلسائنا المهووسين بالايتيكيت على الطريقة الشامية ” شُفيتم”، وهي عبارة تقال للخارج من دورة المياه بعد قضاء حاجته، فيرد عليه الأخير بكلمة “عُفيتم”، لكن “بخاري” تجاهل تلك المجاملة الاجتماعية الغريبة على “ثقاقته” واكتفى بقوله “اعذرني.. أنا لا أفهم في أدب المراحيض”.. وهنا.. داهمت عزمي بيك، نصف ابتسامة أظنه قد ندم عليها فيما بعد.

أمام هذا “الارتباك المجاملاتي” الذي يجعل المرء عادة، ضحيّة لمفارقات لغويّة أو لعادة يجهلها لدى غيره، تذكرت ما جرى لي حين ارتشفت فنجان القهوة المرّة في مجلس عزاء لدى عشيرة من البدو،  ورفعت صوتي متباهيا بإتقاني لهذا الطّقس “دايمة يا جماعة الخير..!”..ومن حسن حظي أنهم فهموا قلة حيلتي اللغوية  فاستقبلوا الأمر بابتسامة  أعقبها درس مجاني في “أدب العزاء”.

وبالعودة والنظر إلى جدية عزمي بيك، المفرطة إلى حد التجهم من جهة، وهزلية جليسنا زهير، البالغة حد المهزلة، من جهة ثانية، يقف الإنسان على حقيقة وجودية، مفادها أن كل شيء مضحك ومبك في ذات الوقت، وذلك بالنظر إلى زاوية الرؤية والخلفية الثقافية عند كل مجتمع فما يضحك الصيني قد يغضب الأميركي أو يحزن الأوسكوندينافي.  .

لو أسعفتنا الذاكرة لتذكّرنا كيف كنّا رضّعا نبكي ونضحك لأسباب نجهلها ودون لغة وقواعد في النحو والصرف. كبرنا وصرنا نعرف كيف نفرمل ضحكنا ودموعنا وغضبنا، ونتجاهل أتعاب نظنّها عاديّة وولدت معنا.

كل شيء صار متعبا إلى حد الضحك.. حتى الضحك نفسه.. ألم يضحك بعضهم من عبارة قالها أحدهم  أوقفوا هذا العالم أريد أن أنزل”.”

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى