فن و ثقافة

مسلسل (تاج) : النص القصير، والإخراج السينمائي المحكم!

عماد نداف

 

خاص : يحقق المخرج سامر برقاوي قفزات متتابعة ولافتة في أعماله الدرامية التلفزيونية التي يقدمها تباعاً عبر شركة الصباح، وكانت أحاديثه السابقة بعد مسلسل (الزند) تدل على مؤشرين أولهما أن العمل الجديد سيكون مفاجأة للجمهور العربي، وأن السينما ستبقى هاجسا أساسيا عنده.

وبالفعل ، تمكن من تقديم مسلسل (تاج) بلغة السينما، وإن كان ثمة اختلاف في مكان العرض، كان قد أشار إليه، فالعرض ظل على الشاشة أو المنصات أو على أجهزة التواصل والحاسوب، ولم يقدم في صالة سينمائية، لذلك كان مضطرا إلى تلبية مايحتاجه التلفزيون من إطالة أضرت قليلا بالفكرة السينمائية.

في لغة الإنتاج، بنيت معالم هامة في دمشق من أجل (تاج)، وصرفت أموال ضخمة لتنفيذه، وهو مشروع طالما جرى الحديث عنه في سياق الحديث عن إقامة (مدينة سينمائية في سورية)، فإذا بنا نشاهد (زخم هولييودي) في محاكاة مدينة دمشق في الأربعينيات،  وإذا كانت القصة والسيناريو والحوار قد أتقنت تماما، فإن القصة الدرامية كانت تصلح لإنتاج فيلم سينمائي أكثر من صلاحيتها لمسلسل متعدد الحلقات، لذلك تمكنت اللوكيشنات الساحرة من سد ثغرة الإطالة .

على ماذا كانت تراهن شركة سيدرز آرت برودكشن ( Cedars Art Production)، عندما قررت تمويل هذا الصرح التاريخي في (لوكيشن) لافت أثار اهتمام الجميع، وكان يمكن تصور المصاعب التي يمكن أن تواجه دولة كاملة في وضع مثل هذا التصور المكاني لدمشق في أواسط الأربعينات.

هل كانت تراهن على السوق؟ أم تراهن على التجربة التي تتطور لأصحابها، وعلى نحو أدق لشريكي المشروع (تيم وسامر)؟ في الحقيقة الرهان كان على تقديم الجديد في سياق التجربة، وكان ثمة جديد ، وحبذا لو كان فيلماً سينمائياً.

كانت الحلقات قصيرة مقارنة بالمسلسلات الأخرى، وكانت تعتمد على قفزة واحدة في مسار المفصل الدرامي للأحداث، وهذا يعني تترك المشاهد بانتظار القفزة الأخرى، فالقصة في أساسها تغطي مساحة ضيقة من عمر الشخصية الأساسية (بطل شعبي اسمه تاج يقاوم الاحتلال الفرنسي) تغيرت حياته بعد حادثة (إخبار) كان وراءها العميل الفرنسي (رياض)، لأن المساحة الزمنية للتاريخ الذي تتعاطى به الأحداث هو المساحة الضيقة التي حقق السوريون بعدها استقلالهم عن الفرنسيين، ولأن تفاصيل المسارات الدرامية قليلة لجأ سامر إلى التكثيف والمفاجأة وعدم الافتعال وهي من عتصر السينما أصلاً.

وتأتي أهمية (تاج) كمسلسل من جانبين الأول : هو اللغة السينمائية والتبني الإنتاجي لها، والثاني الاعتماد على مجموعة نجوم من الصف الأول والثاني من نجوم التلفزيون والمسرح ، ولم يكن ليصلح هذا البناء الإنتاجي الضخم، لولا وجود الحكاية السينمائية، التي كتبها عمر أبو سعدة، القادرة على تقديم نفسها في تحولات المسارات الدرامية وتطور الشخصيات، وكان أبرزها على الإطلاق الشخصية التي أداها الفنان بسام كوسا ، وهو يؤسس لنجومية البطل السلبي عندما يتفوق في أدائه على البطل الإيجابي الذي نحبه (في السياق الدرامي طبعا لأننا نحب الجميع)، وهي شخصية مفتاحية في الفيلم تقوم عليها القصة البوليسية.

بسام كوسا هنا هو الشق الآخر من المعادلة، وقد ظهر هذا في البوستر، لكن البطل الشعبي ظل الهاجس الذي تتخفى وراءه شخصبة تاج (تيم) ، وهذه المعادلة عبر عنها المخرج سامر برقاوي في تصريح حول اعتماده على الأفكار وطريقة المعالجة بداية من النص وصولًا للحبكة والحكاية وسلاسة الإيقاع والحوار فعوامل نجاح أي عمل فني ، كما يقول، “يعتمد في الأساس على النص”، وكان النص فعلياً دافعا خلاقا لكل فصول المسلسل .

والنص هنا، جديد محمول على التاريخ الوطني السوري، أسوة بالزند، الذي سبقه، وهذا يعني التغاضي عن ملامح تجربة مسلسل (الهيبة) في أجزائه الكثيرة، وما لاقته من انتقاد، النص هنا يتحدث عن جانبين في صراع خفي ومعلن، أحدهما هو إرادة السوريين في المقاومة، والثاني ، وهو حامل بوليسي في النص، أي كشف أوراق العميل السوري (رياض الخياط) الذي يشتغل مع الاستخبارات الفرنسية، والذي جر كل المصائب على خلية العمل (لتاج) ومحيطها.

بمعنى آخر كنا أمام شخصيات (سينمائية) تتحرك أمام الكاميرا بظهور متقطع تستلزمه طبيعة الأحداث، ولم تكن هذه الشخصيات لتنجح لولا مقدرة ممثليها، إلى الدرجة التي لفت فيها الممثلون، الذين يدورون حول نجومية بسام كوسا وتيم حسن، أنظار المشاهدين الذي تابعوا تصريحاتهم وتعليقاتهم باهتمام. وكان التعاون مع المطربة فايا يونان  خطوة لافتة إضافة النجم المسرحي كفاح الخوص بدور الصحفي سليم ، أما بقية الشخصيات فقد أداها الفنانون بنجاح لافت كالشخصيات التي لعبها كل من جوزيف بو نصار بدور الكولونيل جول، وموفق الأحمد بدور الصابوني، وأندريه سكاف بدور صاحب الكازينو..

أما الفنان تيم حسن فقد لعب دور تاج البطل الرئيسي في العمل، وقام الفنان بسام كوسا بلعب دور رياض بك الجوهر، وكلاهما قدما نفسيهما من دون تنافس، فلكل حكايته وحقله وإبداعه، لكن بسام كوسا كان موجودا بقوة !

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى