كتاب الموقعكلمة في الزحام

هل يفسد حمل السلاح الصيام ؟

هل يفسد حمل السلاح الصيام ؟ ..ألقى منفّذ مجزرة مدينة سوسة التونسية بهاتفه الجوّال في الماء خلفه ـ يا لها من لقطة استثنائية !ـ ..ثم خرج من البحر على أقلّ من مهله و بكامل أناقته الصيفية، ممشوق القامة، مرفوع الهامة، حليق الذقن، مسربل شعر الرأس، حادّ الملامح وهو يرتدي سروالاً قصيراً، يمسكك بشمسيّة مطويّة ويمشي الهوينى مثل نجم هوليودي يعيد تصوير مشهد رائق على شواطئ ” ميامي ” وقد لاحقته نظرات الفضوليين وكاميرات التصوير .

لا شكّ أنّ عيون بعض الشقراوات القادمات من بحر الشمال قد رصدت قامته السمراء من تحت النظارات الشمسية ـ وهو المشهود له بالبراعة في الرقص والإغواء من طرف معارفه وأصدقائه حين كان يعمل في الخدمات السياحية ..ولأنه أدرى بشعاب المهنة فقد شقّ طريقه إلى داخل الفندق بأسلوب العارف الواثق بعد أن استلّ رشاشه من تحت الشمسية وشرع في أداء “واجبه المقدّس” وهو يسحل خلفه جداول الدم اللائذة بالبحر وقد عجزت الرمال على ابتلاعها ..

هكذا مارس هذا الشاب ” ثقافته الجهاديّة ” بمنتهى ” القناعة والثقة والهدوء ” ..في مظهر ينتمي إلى كل مفردات العصر الحديث ودون كليشيهات سلفيّة مألوفة ومكرّرة لدى من يعتقد أنّ الضربات الموجعة وطعنات الغدر لا يمكن لها أن ترتدي قفازات حريرية ….وأنّ للقتل وجهاً واحداً وعبوساً مثل أشرار السينما العربية ..

دعونا نقرأ هذه الفجيعة كما لو أنها ” أثر سينمائي”، ألا ترون أنّ لخروج هذا المجرم من مياه البحر رمزيّة خاصة مفادها أنّ الإرهاب الذي صدّرته حكومة الأمس القريب قد عاد اليوم عبر نفس المسلك البحري ؟ وعلى من تدور الدوائر ؟ ثم ما دلالة هذا التوقيت الرمضاني الذي لم يعد فيه ما يذكّر التونسيين منذ ثلاث سنوات مرّذت عجافاً بأنه شهر الرحمة والغفران بعد أن أصبح مناسبة لممارسة الغدر والقتل مع كلّ مدفع إفطار مغمّس بالوجع والدم ويعلن غروب الطمأنينة في النفوس وهو يحرّف غزوة بدر وحرب أكتوبر ونزول كتاب سورة ” اقرأ” في ليلة القدر.

أعتقد أن منفّذ الجريمة الإرهابية لم يخرج من بحرنا وحده، بل أيضاً من جرحنا ومسامي جلدنا و أزقّة شوارعنا ومقاعد مدارسنا وأوراق صحافتنا ومنابر أحزابنا وبرامج شاشاتنا وحتى طاولات خمّاراتنا وزوايا مساجدنا التي لم تعد بيوت الله فقد غاب منها ذكر اسم الرحمان الرحيم وحضر فيها المحرضون من أتباع الشيطان الرجيم .

كلمة في الزحام

نسيت الإشارة إلى أنّ غياب التعزيزات الأمنية الكافية، سببها أنّ قواتنا الأمنية مشغولة بملاحقة المفطرين ـ عن عذر شرعي أو من دونه ـ ……ولو كان منفّذ العملية يحمل بيده سيجارة أو سندويشاً لأوقفوه في الحال …لكنه كان يحمل رشّاشاً….وحمل السلاح لا يفسد الصيام ..

بوابة الشرق الاوسط الجديدة 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى