ليس من قبيل المصادفة أن يستحضر الوجدان العربي هذا البيت الخالد لأبي الطيب المتنبي كلما أقبل العيد، لا بوصفه مناسبة للفرح فحسب، بل كمرآة تعكس حال الأمة بين رجاء التجديد وثقل الماضي. ففي زمنٍ تتزاحم فيه الأزمات وتتعاقب فيه النكبات، يصبح العيد لحظة تأمل أكثر منه محطة احتفال، وسؤالاً مفتوحاً أكثر منه جواباً مطمئناً.
يأتي عيد الفطر هذا العام، كما في أعوامٍ سابقة، محمّلاً بثنائية متناقضة: روحانية الشهر الفضيل التي تهذب النفوس وتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وخالقه، في مقابل واقعٍ مثقلٍ بالحروب والنزاعات والانقسامات. فبينما يُفترض أن يكون العيد تتويجاً لمسيرة الصبر والتقوى، يجد كثيرون أنفسهم أمام مشهدٍ يعيد إنتاج الألم بدل أن يداويه.
لقد أنهكت الحروب الممتدة في منطقتنا، منذ عقودٍ طويلة، الإنسان قبل المكان. ولم تكن هذه الحروب مجرد أحداثٍ عابرة، بل تحولت إلى بنيةٍ شبه دائمة تعيد تشكيل المجتمعات وتؤثر في خيارات الأفراد ومستقبل الأجيال. فمنذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، لم تعرف هذه المنطقة استقراراً حقيقياً، بل ظلت ساحةً مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية بالاقتصادية، وتُستثمر النزاعات لتحقيق مكاسب على حساب الشعوب.
وفي خضم هذا الواقع، تبدو معاناة الإنسان العادي هي الأكثر فداحة. فالفقر يتسع، والفرص تضيق، والهجرة تتحول من خيارٍ فردي إلى ظاهرة جماعية. لم تعد الهجرة مجرد بحثٍ عن تحسين مستوى المعيشة، بل صارت في كثيرٍ من الأحيان هروباً من واقعٍ لا يوفر الحد الأدنى من الأمان والاستقرار. وهذا التحول يعكس خللاً عميقاً في بنية الدولة والمجتمع، حيث تفقد الأوطان قدرتها على احتضان أبنائها، فيبحث هؤلاء عن بدائل في أماكن أخرى.
ولا يمكن فصل هذه التحولات عن عوامل الطمع الخارجي وسوء الإدارة الداخلية على حد سواء. فثروات المنطقة، التي كان يُفترض أن تكون مصدر قوةٍ وازدهار، تحولت في كثيرٍ من الأحيان إلى سببٍ للصراع والتدخل. وبينما تتنافس القوى الكبرى على النفوذ، تدفع الشعوب الثمن من أمنها واستقرارها ومستقبلها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال مسؤولية النخب المحلية التي أخفقت، في كثيرٍ من الحالات، في بناء نماذج حكمٍ رشيدة قادرة على تحقيق التنمية والعدالة.
ومع ذلك، فإن استحضار هذا المشهد القاتم لا يعني الاستسلام له. فالعيد، رغم كل شيء، يحمل في جوهره معنى التجديد. هو فرصة لإعادة النظر، ليس فقط على المستوى الفردي، بل أيضاً على المستوى الجماعي. فكما يراجع الإنسان نفسه في شهر رمضان، ينبغي للأمم أن تراجع مساراتها، وأن تعيد تقييم خياراتها، وأن تبحث عن سبلٍ للخروج من دوامة الأزمات.
إن التجديد الذي يسأل عنه المتنبي في بيته الشهير لا يتحقق بالأمنيات، بل بالإرادة والعمل. يبدأ ذلك من ترسيخ قيم العدالة والمساءلة، مروراً بإعادة بناء الثقة بين الحاكم والمحكوم، وصولاً إلى تبني سياسات تنموية حقيقية تضع الإنسان في صلب الأولويات. كما يتطلب وعياً جماعياً يرفض الانجرار وراء الانقسامات الضيقة، ويسعى إلى بناء مساحات مشتركة قائمة على المواطنة والكرامة الإنسانية.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى العيد بوصفه لحظة رمزية لإعادة التوازن. فهو يذكّرنا بأن الفرح ممكن، حتى في أحلك الظروف، وأن التضامن الاجتماعي قادر على تخفيف وطأة الأزمات. فمشاهد التكافل، وتبادل الزيارات، وإحياء الروابط العائلية، كلها تعكس جانباً مضيئاً في المجتمعات، يمكن البناء عليه لتعزيز التماسك الاجتماعي.
ختاماً، يبقى السؤال مفتوحاً: بأيّة حالٍ يعود العيد؟ الإجابة ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة خيارات. فإما أن يظل العيد تكراراً لحزنٍ ممتد، أو يتحول إلى بدايةٍ لمسارٍ جديد. وبين هذين الخيارين، تقف إرادة الشعوب وقدرتها على تحويل الألم إلى أمل، والواقع إلى فرصة للتغيير.
والحقيقة التي لاتقبل التأويل مقولة ان لولا الامل لانقطع العمل .
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



