بلا حدود

مأساة الحسد وكيفية مواجهة هذه الافة والتعافي منها | قراءة تحليلية في النفس والمجتمع والدول

ماهر المملوك

يشكّل الحسد أحد أكثر الظواهر الإنسانية تعقيدًا والتباسًا، إذ يتجاوز كونه انفعالًا نفسيًا عابرًا إلى كونه بنية ذهنية وسلوكية قادرة على التأثير العميق في مسارات الأفراد والجماعات، بل والدول. ولا تنبع خطورته من حدّته الظاهرة، بل من طبيعته الخفية التي تسمح له بالتسلل عبر العلاقات الوثيقة، والتعبير عن نفسه بأشكال غير مباشرة، غالبًا ما تتخفّى وراء أقنعة القرب والمودة والحرص. ومن هنا، فإن دراسة الحسد لا يمكن أن تُختزل في إطار أخلاقي أو ديني فحسب، بل تستدعي مقاربة تحليلية متعددة الأبعاد، تربط بين علم النفس الاجتماعي، ونظريات السلطة، وديناميكيات العلاقات الإنسانية، وصولًا إلى امتداداتها في السياقات السياسية والدولية.

يُفهم الحسد في جوهره بوصفه شعورًا مركبًا ينشأ عن إدراك فجوة بين الذات والآخر، حيث يُنظر إلى ما يمتلكه الآخر بوصفه تهديدًا رمزيًا لمكانة الفرد أو قيمته الذاتية. غير أن هذا الإدراك لا يكون محايدًا، بل يتشكّل ضمن بنية نفسية تعاني من نقص في الإشباع أو اضطراب في مفهوم الاستحقاق. فالحاسد لا يرى النعمة بوصفها نتيجة طبيعية لمسار معين، بل يفسرها غالبًا كاختلال في ميزان العدالة، ما يدفعه  على المستوى اللاواعي أو الواعي إلى الرغبة في إزالة هذا “الاختلال” عبر زوال النعمة ذاتها. وهنا يتحول الحسد من مجرد شعور إلى نزعة تدميرية، قد لا تُمارس بالضرورة بشكل مباشر، لكنها تبحث عن قنوات للتعبير، سواء عبر التشكيك، أو التقليل، أو الإعاقة، أو حتى التآمر.

وتزداد هذه الظاهرة تعقيدًا حين تقع ضمن دوائر القرب، حيث تتداخل العلاقات الشخصية مع المصالح، وتتشابك الثقة مع التوقعات. ففي هذه البيئة، لا يكون الحسد مجرد استجابة نفسية، بل يتحول إلى سلوك استراتيجي في بعض الأحيان، خصوصًا عندما يشعر أحد الأطراف أن نجاح الآخر يهدد موقعه أو يقلّص من نفوذه. ومن ثم، فإن ما يبدو في ظاهره دعمًا أو نصيحة قد يحمل في طياته نوايا مضادة، وهو ما يجعل التمييز بين الصدق والتزييف أمرًا بالغ الصعوبة. هذه الازدواجية في السلوك تُنتج نمطًا من العلاقات الهشة، التي تقوم على التوازنات المؤقتة أكثر مما تقوم على الثقة الحقيقية.

وفي ضوء هذه القراءة، يمكن النظر إلى بعض التجارب التنموية المعاصرة بوصفها حالات نموذجية لاختبار هذه الفرضية، حيث يتحول النجاح إلى عامل جذب ورفض في آن واحد. فالدولة التي تنجح في تحقيق مستويات متقدمة من الاستقرار والتنمية لا تكتفي بإعادة تشكيل واقعها الداخلي، بل تُنتج أيضًا خطابًا ضمنيًا يقارن بها الآخرون أنفسهم. وهذا الخطاب، وإن لم يكن مقصودًا، قد يُستقبل من قبل بعض الأطراف بوصفه تهديدًا رمزيًا، ما يدفعها إلى اتخاذ مواقف سلبية، تتراوح بين التشكيك والتقليل، وصولًا إلى محاولات الإضعاف المباشر أو غير المباشر.

ضمن هذا الإطار، تبرز التحارب الخليجية  وبالأخصّ بشكل عام وتجربة دولة  الإمارات العربية المتحدة  بشكل خاص كنموذج لافت في كيفية بناء منظومة متكاملة من الاستقرار والتنمية، قائمة على رؤية استراتيجية طويلة الأمد، واستثمار مكثف في البنية التحتية والموارد البشرية، إلى جانب تبنّي سياسات مرنة ومبتكرة في مجالات الإدارة والخدمات. وقد أسهم هذا النموذج في تحقيق مستويات عالية من جودة الحياة، انعكست في مؤشرات الأمن والأمان، والتحول الرقمي، وفعالية المؤسسات، بل وحتى في تبنّي مفهوم “سعادة الإنسان” كمحور للسياسات العامة. غير أن هذا النجاح، كما هو الحال في تجارب أخرى، لم يكن بمنأى عن التحديات، بل أصبح في ذاته موضوعًا للتفاعل الإقليمي والدولي، بما يحمله ذلك من أبعاد إيجابية وسلبية.

فمن جهة، جذب النموذج الخليجي وبالأخص  الإماراتي اهتمامًا واسعًا، وسعى كثيرون إلى الاستفادة من تجربته أو الاقتداء بها. ومن جهة أخرى، أثار هذا النجاح حساسيات لدى بعض الأطراف، سواء بدوافع تنافسية أو حسابات سياسية، ما انعكس في أشكال متعددة من الخطاب النقدي أو المواقف المتحفظة. ولا يمكن تفسير هذه الظواهر بمعزل عن البنية العامة للعلاقات الدولية، التي تقوم في جزء منها على موازين القوى، وفي جزء آخر على إدراك الفاعلين لمواقعهم النسبية. وعليه، فإن ما قد يُفهم في سياق معين كنجاح مشروع، قد يُقرأ في سياق آخر كاختلال يستدعي المعالجة.

ومع ذلك، فإن استمرارية النعمة لا تُقاس بغياب التحديات، بل بقدرة المنظومة على التكيف معها. فالدول التي تنجح في ترسيخ مؤسسات قوية، وتعزيز وعي مجتمعي متماسك، وتبنّي قيادة قادرة على استشراف المستقبل، تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، وتحويل التهديدات إلى فرص. وفي هذا السياق، يمكن القول إن “مرحلة الاختبار” ليست انحرافًا عن المسار، بل جزءًا منه، بل وربما شرطًا لتعزيزه. إذ إن التحديات تكشف مواطن القوة والضعف، وتدفع نحو إعادة التقييم والتطوير، بما يضمن استدامة النعمة بدلًا من الاكتفاء بها.

أما على المستوى الأخلاقي، فإن الحسد يظل ظاهرة ذات كلفة مزدوجة، لا تقتصر على من يُستهدف بها، بل تمتد إلى من يمارسها. فالحاسد يعيش في حالة دائمة من التوتر والمقارنة، ما يحول دون تحقيقه للرضا الداخلي أو الاستقرار النفسي. كما أن انشغاله بزوال نعم الآخرين يحرمه من استثمار طاقاته في تطوير ذاته، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى نتائج عكسية، حيث يفشل في تحقيق ما يسعى إليه، ويخسر في الوقت ذاته علاقاته ومكانته.

إن الخلاصة التي يمكن استخلاصها من هذا التحليل هي أن النعم، سواء على مستوى الأفراد أو الدول، لا تكون عرضة للزوال بمجرد وجود الحسد، بل تتوقف استمراريتها على طبيعة الأسس التي تقوم عليها. فإذا كانت قائمة على رؤية واضحة، وإدارة رشيدة من اصحاب القرار والشأن وحرص كامل محب للأرض وللشعب ، ووعي مجتمعي محب لبلاده وحكامه وأمجاده وتاريخه  وعقيدته وعشيرته وقومه ، فإنها تكون أكثر قدرة على الصمود، بل وقد تزداد قوة بفعل التحديات. أما الحسد، مهما بلغت شدته، فإنه يظل عاملًا خارجيًا لا يملك بذاته القدرة على الهدم، ما لم يجد في الداخل ما يستجيب له أو يتأثر به. ومن هنا، فإن حماية النعمة لا تكون فقط بمواجهة التهديدات الخارجية، بل بتعزيز التماسك الداخلي وتراصه، وترسيخ قيم الامتنان والعمل، بما يجعلها أكثر من مجرد حالة مؤقتة، بل مسارًا مستدامًا يتجدد مع الزمن، والأيام القادمة كفيلة بأن تثبت ذلك .

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى