نوافذ

في البحث عن عمّان

عمار أحمد حامد

في عمّان،
يمكنك أن تمشي ساعةً كاملة دون أن يلتفت إليك أحد،
ليس لأنك غريب…
بل لأن الجميع مشغول بأن يكون غريبًا مثلك.

كنتَ تجلس في المقهى ذاته كل مساء،
طاولة في الزاوية،
كوب قهوة يبرد ببطء،
وصوت فيروز يتسرّب من مذياع قديم كذكرى لا تخصك تمامًا.

النادل لم يعد يسألك ماذا تريد.
صار يعرف.

وهذا… كان أكثر ما يزعجك.

 

في البداية، ظننت أن الوحدة تعني أن لا يكون هناك أحد.
لكن في عمّان، اكتشفت شيئًا آخر:

الوحدة… هي أن يكون هناك الجميع،
ولا يكون فيهم أحد لك.

 

في الشارع المقابل،
كانت هناك شرفة مضاءة كل ليلة.

امرأة تقف دائمًا خلف الستارة،
لا تفتح النافذة،
ولا تطفئ الضوء.

كنت لا تراها بوضوح،
لكن وجودها كان كافيًا لتشعر أنك لست وحدك تمامًا…

أو ربما،
لست وحدك في وحدتك.

 

ذات مساء، تأخرت.

وصلت المقهى بعد أن أُطفئت الأنوار في الشرفة.

شعرت بشيء ينقص…
شيء صغير، غير منطقي، لكنه ثقيل.

جلست، طلبت قهوتك،
ونظرت إلى الزاوية الفارغة في السماء حيث كانت الشرفة.

لأول مرة،
لم يكن هناك من “يشاركك” صمتك.

” هل تبحث عن شيء؟”
سألك النادل.

هززت رأسك.

“لا… فقط كنت معتادًا على ضوء هناك.”

ابتسم، ابتسامة قصيرة، كأنه فهم أكثر مما قلت.

  • نحن نعتاد بسرعة يا أستاذ!

في الأيام التالية،
حاولت أن تمشي في شوارع مختلفة،
أن تغيّر المقهى،
أن تجلس في أماكن أكثر ازدحامًا.

لكن الوحدة لم تكن في المكان.

بل كانت تمشي معك.

تجلس قبالتك.
تشرب من فنجانك.
وتترك لك الفاتورة كاملة.

 

في ليلة باردة،
عدت إلى نفس الطاولة.

طلبت قهوتك.

رفعت عينيك…
كان الضوء قد عاد. والشرفة مضاءة من جديد.

والستارة نصف مفتوحة،
والظل هناك.

لم تتحرك.

لم تلوّح.

لكن قلبك…
ارتاح بشكل غريب، كأن شيئًا داخلك قال:

“الوحدة لا تختفي…
لكنها أحيانًا تجد من يشبهها.”

 

رفعت فنجانك ببطء،
وكأنك تشارك نخبًا صامتًا مع شخصٍ لا تعرفه،
وربما لن تعرفه أبدًا. لكن هذا لم يعد مهمًا. لأنك أدركت أخيرًا:

ليس علينا أن يعرفنا أحد،…
كي لا نكون وحدنا تمامًا.

 

أنتَ لم تكن الوحيد الذي يملك “طقساً”. خلف تلك الستارة الدانتيل التي تتربص بها من مقعدك في الزاوية، كانت “هي” تملك جدولاً زمنياً دقيقاً يبدأ معك وينتهي بك.

في البداية، كانت تراقبك بدافع الفضول؛ ذلك الرجل الذي يأتي في الساعة ذاتها، يرتدي المعطف ذاته، ويفتح مسوداته كأنه يفتح جراحاً قديمة. كانت تسميك في سرّها “رجل التشرينين”، لأن ملامحك تحمل دائماً رطوبة الخريف، حتى في عزّ الصيف العمّاني.

كانت الحكاية تُكتب بينكما بـ “الإشارات الصغيرة”:

  • حين كنتَ تطلب فنجانك الثاني، كانت هي تقلب صفحة في كتابها؛ كأن حركة يدك هي “المايسترو” الذي يقود عزلتها.
  • حين كان المطر يشتد وتلجأ أنت إلى الداخل، كانت تفتح شقاً صغيراً في الستارة، لا لترى المطر، بل لترقب انكماش كتفيك، وكأنها تتأكد من أن “رفيق صمتها” لم يبتلّ تماماً.

ذات مرة، في ليلة غارقة في الضباب، تركتَ أنتَ قلمك على الطاولة وشرعتَ تنظر إلى السماء بيأس. في تلك اللحظة تحديداً، قامت هي بحركة لم تفعلها قط: أشعلت شمعة ووضعتها خلف الزجاج مباشرة. لم تكن تضيء غرفتها، كانت تضيء “عتمتك”. كانت تلك طريقتها في قول: أنا أرى ثقل ليلك، فلا تنكسر.”

هي أيضاً كانت هاربة من شيء ما. ربما من مدينة أخرى، أو من خذلان لم يغادر حنجرتها. كانت ترى في ثباتك على تلك الطاولة “مرساة” لبيتها المعلق في الهواء. لو غبتَ أنتَ، لشعرت هي أن الشقة ستنهار، أو أن عمان ستصبح مجرد غابة من الحجر لا روح فيها.

حين تعثرتَ أنتَ وسندك الغريب، كانت هي تشاهد المشهد من خلف الستارة. وضعت يدها على قلبها، وكادت أن تصرخ “انتبه!”. وفي تلك اللحظة، حين رفعتَ أنتَ فنجانك بامتنان في النهاية، كانت هي تبتسم خلف الدانتيل، وتمسح دمعةً وحيدة، لأنها أدركت أنك أخيراً تصالحتَ مع المدينة التي كانت تخشاها عليك.

وضعت الفنجان مكانه. لم تكن القهوة قد بردت هذه المرة، بل كان لها طعم “العودة”؛ ذلك النوع من المذاق الذي لا تجده إلا حين تدرك أن الخسارات ليست دائماً نهائية.

خرجت من المقهى. كانت الرياح في “جبل اللويبدة” تعبث بأوراق الأشجار الجافة، وتهمس في أذن الشوارع الضيقة بحكايات المارة الذين سبقوك. مشيت، لكن خطوتك لم تكن ثقيلة كما في الأيام الخمسة الماضية. لم تعد تهرب من “وحدتك”، بل كنت تمشي بجانبها كصديق قديم، توقفتما معاً أمام واجهة مكتبة مغلقة، وانعكست صورتكما على الزجاج: أنت، وظلك، ومدينة لا تنام لكنها تحلم كثيراً.

في تلك اللحظة، حدث ما لم تتوقعه.

تعثرت قدماك بطرف رصيفٍ متهالك، وكدت أن تسقط. في لحظة التوازن الهشة تلك، امتدت يد عابرة، يد غريب كان يمر مسرعاً، أمسكت بكتفك لثانية واحدة فقط، ثانية كانت كافية لتمنع ارتطامك بالأرض.

“سلامات يا قرابة.. دير بالك.”

قالها ومضى، لم ينتظر شكراً، ولم ينظر في عينيك ليرى من أنت. غاب في الزحام، تاركاً دفء أصابعه على معطفك.

هنا، في هذه النقطة من عمّان، أدركت الحقيقة الكاملة: أن تكون وحيداً لا يعني ألاَ أحداً يراك. اليد التي سندتك، والضوء الذي عاد للشرفة، والنادل الذي حفظ مزاجك… كلهم خيوط غير مرئية تربطك بهذا المكان. أنت لست “غريباً” كما ظننت، بل أنت جزء من “أوركسترا الغرباء” التي تعزف لحناً واحداً، كلٌ من شرفته، وكلٌ من طاولته.

عدت إلى بيتك. لم تسرع لتشغل المذياع لتطرد الصمت. جلست على الكرسي الخشبي قبالة النافذة، ونظرت إلى أضواء المدينة المتناثرة على التلال كأنها عقد من لؤلؤ مفقود.

لم يعد يهمك أن يعرفك أحد. يكفيك أنك حين تغيب، يلاحظ النادل فراغ الطاولة. وحين تنطفئ شرفتك، ربما هناك غريب آخر، في مقهى آخر، سينظر نحو نافذتك ويشعر أن شيئاً ما ينقصه.

رفعت يدك، لا لتلوح لأحد، بل لتلمس جدار غرفتك بامتنان. فالانتماء ليس دائماً وجوهاً وأسماء، أحياناً يكون مجرد “ضوء” تعرف أنه سيُضاء غداً، وشخص لا تعرفه، يقول لك في زحام الشارع: “سلامات.”

أغمضت عينيك، ولأول مرة منذ وقت طويل، لم يكن الصمت ثقيلاً. كان يشبه تنفس المدينة وهي تستعد للنوم… يشبهك تماماً.

نمتَ.. لكن استيقاظك في اليوم التالي لم يكن كالمعتاد. لم يعد الصباح عبئاً، ولم يعد الفراغ في السرير عدواً.

نزلتَ إلى الشارع، لكنك لم تكن تمشي بآلية “المطرود” من جنةِ ما. كنت تلاحظ تفاصيل لم ترها من قبل: الشقوق في أرصفة اللويبدة، العصافير التي تقتات على فتات الخبز أمام مخبزٍ قديم، وجوه العمال الذين يشربون شاي الصباح بوجوهٍ متعبة لكنها “موجودة”.

أدركتَ أن روايتك الحقيقية لم تبدأ في المقهى، بل بدأت حين توقفت عن محاولة كتابتها.

عدت إلى المقهى ذاته مساءً. لم تجلس في الزاوية هذه المرة. اخترت طاولة في المنتصف، طاولة تسمح للضوء أن يحيط بك من كل جانب. نظر إليك النادل، “أبو محمود”، ابتسامته اليوم كانت أوسع، وكأنه يرى رجلاً آخر غير ذاك الذي كان يذوب في ظله كل ليلة.

  • “قهوتك يا أستاذ.. اليوم عملتها ‘بِينا’ (على طريقتنا)، لعلّها تروق لك.”

لم تعد القهوة باردة. ولم يعد صوت فيروز يتسرب كذكرى “لا تخصك”. اليوم، كانت تغني لك أنت، لغُربتك التي تهذبت، ولوحدتك التي صارت وطناً محمولاً في حقيبتك.

رفعتَ بصرك نحو الشرفة. كانت الستارة تتمايل، وظهر خلفها ظلٌّ واضح هذه المرة. لم ترتعش يدك. رفعتَ فنجانك بحركة واثقة، حركة تقول: “أنا أراكِ، وأعلم أنكِ ترينني، وهذا يكفي لنمضي في ليلنا بسلام.”

لقد انتهى زمن البحث عن “المعنى” في الأشياء البعيدة. المعنى كان في اليد التي سندتك، في الكلمة العابرة، وفي هذا الجدار الذي لمسته بامتنان. الرواية التي كنتَ تخشى ألا تكتمل، اكتملت في السطر الذي لم تكتبه بعد: “الوحدة ليست قدراً نلعنه، بل هي المساحة التي نمنحها لأنفسنا لنسمع صوت العالم بوضوح.”

في تلك الليلة، حين عدتَ، لم تلمس الجدار فقط، بل فتحتَ نافذة غرفتك على مِصراعيها، وتركتَ هواء عمّان يدخل كما يشاء. لم يعد الصمت ثقيلاً، بل صار فسيحاً.. يشبهك تماماً حين تصالحت مع “الغريب” الذي في داخلك.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى