بلا حدود

ماوراء عودة اسم سوريا إلى واجهة الأحداث هذه الايام ؟؟؟

ماهر المملوك

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى غريباً، فالعالم اعتاد خلال العقود الماضية أن ينظر إلى سورية بوصفها دولة تعاني من الأزمات والحروب والصراعات، لا بوصفها دولة يفتقدها العالم أو يحتاج إليها. لكن عند التمعن في التحولات السياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم، يتبين أن السؤال مشروع، بل ويستحق الوقوف عنده بجدية: هل أصبح العالم بحاجة إلى سورية؟

إذا نظرنا إلى الجغرافيا وحدها، سنجد أن سورية ليست بلداً عادياً على خارطة العالم. فهي تقع في قلب المشرق العربي، وتشكل نقطة وصل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتشرف على شرق البحر المتوسط، وتجاور عدداً من الدول التي كانت وما تزال محاور مهمة في التجارة والطاقة والأمن الإقليمي. وقد أثبت التاريخ أن من يسيطر على هذه المنطقة يمتلك قدرة كبيرة على التأثير في حركة التجارة والمواصلات والتوازنات السياسية.

أما من حيث الموارد، فقد وهب الله سورية تنوعاً قلّ أن يجتمع في بلد واحد. ففيها البحر والسهل والجبل والصحراء، وفيها الفصول الأربعة بكل ما تحمله من تنوع مناخي وزراعي. وتمتلك أراضيها الزراعية قدرة كبيرة على إنتاج مختلف المحاصيل والفواكه والخضروات ذات الجودة العالية، حتى اشتهرت المنتجات السورية عبر التاريخ بطعمها المميز وجودتها التي تنافس أشهر المنتجات الزراعية في دول البحر المتوسط.

ولا تتوقف ثروة سورية عند حدود الأرض والطبيعة، بل تمتد إلى ثروتها الأهم: الإنسان السوري. فهذا الشعب الذي عرف عبر تاريخه الطويل التجارة والصناعة والزراعة والحرف والمهن، استطاع أن يثبت حضوره أينما حلّ. فمن الخليج إلى أوروبا والأمريكيتين وأستراليا، نجد السوري الطبيب والمهندس والأستاذ الجامعي ورجل الأعمال والحرفي المبدع. وقد أثبت السوريون في بلدان الاغتراب أن النجاح ليس وليد الظروف المثالية، بل ثمرة الإرادة والعمل والاجتهاد.

وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن الشعب السوري، رغم كل ما تعرض له من حروب ونزوح وهجرة وفقر وعقوبات، لم يفقد قدرته على الإنتاج والعطاء. بل إن كثيراً من السوريين الذين غادروا وطنهم اضطراراً استطاعوا خلال سنوات قليلة أن يبنوا مشاريع وشركات ومؤسسات ناجحة في مختلف أنحاء العالم. وكأنهم يحملون معهم جزءاً من سورية أينما ذهبوا، فيعيدون بناء صورة مصغرة عنها في أوطانهم الجديدة.

ومع ذلك، فإن تاريخ سورية لم يكن كريماً معها دائماً. فمنذ آلاف السنين، كانت هذه الأرض مسرحاً للغزوات والإمبراطوريات والحروب والصراعات. وما من قوة كبرى مرت في المنطقة إلا وتركت بصمتها على سورية، أو حاولت إخضاعها لسلطانها. ثم أتت هجرات السوريين في نهاية العصر العثماني ومازالتز مستمرة ثم جاءت في العصر الحديث فترات الانقلابات العسكرية والأنظمة الشمولية التي أنهكت البلاد وأضعفت مؤسساتها ودفعت ملايين من أبنائها إلى الهجرة والبحث عن مستقبل أفضل.

ورغم كل ذلك، بقي ارتباط السوري بوطنه حالة استثنائية يصعب تفسيرها. فالسوري قد يحمل جنسية أخرى، وقد يقيم عشرات السنين خارج بلده، لكنه يبقى متعلقاً بأرضه الأولى ولهجته وذكرياته ومدنه وقراه. ولذلك قيل إن السوري ربما يهاجر من وطنه، لكنه لا يهاجر وطنه من قلبه. فالوطن بالنسبة له ليس مجرد مكان إقامة، بل هو جزء من الهوية والذاكرة والوجدان.

لقد أكرم الله سورية بطبيعة ساحرة وشعب كريم طيب السجية، لكنها عانت طويلاً من سوء الحظ في كثير من حكامها وولاة أمرها. ولعل من أكثر الملاحظات التي ترددت في الأدبيات السياسية والاجتماعية أن السوريين بطبعهم يميلون إلى احترام السلطة وإكرام الحاكم وإعطائه مكانة كبيرة. غير أن بعض الحكام أساؤوا فهم هذا الاحترام، فاعتبروه تفويضاً مطلقاً، وتحولوا مع الزمن من خدم للشعب إلى أوصياء عليه، حتى فقدوا القدرة على رؤية الواقع كما هو، وانفصلوا عن هموم الناس وآمالهم.

واليوم، وبعد المتغيرات الكبرى التي يشهدها العالم في مجالات الطاقة والتجارة وإعادة رسم طرق النقل والاستثمار، تبدو سورية مؤهلة للعودة لاعباً مهماً إذا توافرت لها البيئة السياسية المستقرة والإدارة الرشيدة والدولة التي تحترم مواطنيها وتطلق طاقاتهم. فالعالم لا يحتاج فقط إلى موقع سورية الجغرافي أو مواردها الطبيعية، بل يحتاج أيضاً إلى شعبها المنتج والمبدع، وإلى دورها التاريخي كجسر حضاري بين الشرق والغرب.

إن السؤال لم يعد: هل تحتاج سورية إلى العالم؟ بل أصبح من المشروع أن نسأل: هل يحتاج العالم إلى سورية مستقرة وقوية ومزدهرة؟ والجواب أن كثيراً من المؤشرات تقول نعم. فحين تستعيد سورية عافيتها، فإنها لن تكون مجرد دولة تتعافى من أزمتها، بل ستكون إضافة حقيقية لمنطقتها وللعالم بأسره، لأنها تمتلك من المقومات الطبيعية والبشرية والتاريخية ما يؤهلها لأن تكون قصة نهوض استثنائية بعد عقود طويلة من المعاناة.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى