
يُعدّ الإنذار المبكر أحد أهم الأسس في بناء منظومات الحماية الأمنية المتكاملة والتي من شأنها استشعار المخاطر الناشئة، وتوليد التنبيهات وتحفيزّ الجاهزية والتحرّيض على اتخاذ الإجراءات الحاسمة والمناسبة من قبل صنّاع القرار والمعنيين في الوقت المناسب وقبل فوات الأوان. وتأتي أهمية الاشتغال على أنظمة الإنذار المبكر كونها تعتمد بشكل أساسي على تحليل البيانات الدقيقة لمنع حدوث النزاعات أو احتوائها في حال وقوعها سواء أكانت نزاعات مسلحة أو تهديدات وحروب خـــــــارجية أو داخلية كالمخــــــــــدرات والاضطرابــــــــات الأمنية داخـــل المجتمع، وفي هــــــذا السياق يأتي كتاب: “عيون تسبق الخطر: الإنذار المبكر وتعزيز الأمن القومي” ( مصر نموذجًا)، والصادر مؤخرًاعن منتدى الفكر العربيّ في العاصمة الأردنية عمان، من تأليف الدكتورة والخبيرة المصرية في الشأن السياسي والاستراتيجي الدكتورة سماء سليمان، وتقديم السفير والديبلوماسي السوداني الدكتور الصادق الفقيه.
وتأتي أهمية هذا الكتاب كونه يقرع عاليًا نواقيس الخطر أمام دول العالم قاطبة بما تضمنه من معلومات وملاحق وأشكال ضرورية في حماية الأمن القومي والإنذار المبكر على مدى أكثر من أربعمائة صفحة توزعت فيها معلومات الكتاب، واشتملت على باب يبحث في الإطار النظري والمفاهيم للأمن القومي والإنذار المبكر، وآخر يناقش المتغيرات الدولية والإقليمية المؤثرة على أنظمة الإنذار المبكر، وثالث يستفيض في الرؤية الاستراتيجية المقترحة لبناء نظام للإنذار المبكر، ومن ثم تبدأ الباحثة في عرض نتائج دراستها والخلاصة العامة والتوصيات والخاتمة. وتأتي أهمية هذا العمل في أنه صدر وفق رؤية تحليلية استشرافية وفي ظل الأحداث المتسارعة والتحديات المعقدة، ويطرح الكتاب رؤية متكاملة لكيفية تعزيز الأمن القومي من خلال تبني أنظمة الإنذار المبكر كأداة استراتيجية لاستشراف المستقبل. وينطلق من فرضية أساسية مفادها أن تحقيق التنمية المستدامة، وفق استراتيجية مصر 2030، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرة الدولة على التنبؤ بالأزمات قبل وقوعها والتعامل معها بكفاءة.
كما يستعرض مفهوم الإنذار المبكر بوصفه نظامًا متكاملًا يعتمد على جمع وتحليل المعلومات الدقيقة، بهدف دعم متخذي القرار في مواجهة التهديدات والمخاطر المحتملة، وتقليل آثارها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ويبرز دور الدبلوماسية الوقائية كآلية مكملة، تسعى إلى احتواء النزاعات قبل تفاقمها عبر الحوار والتفاوض وبناء الثقة، بما يعزز الاستقرار الإقليمي والدولي.
من جهة أخرى فإن التنبؤ بالأزمات المحتملة تمثل الركيزة التي ينطلق منها الكتاب بصفتها مشلكة كبيرة قد تعيق مسيرة التنمية، مؤكدًا أن الإنذار المبكر لا يقتصر على رصد التهديدات فحسب، بل يمتد ليشمل استثمار الفرص وتسريع وتيرة الإنجاز. مــــــن خلال طــــــــــرح يجمع بين التأصيل النظري والتحليل التطبيقي، مسلطًا الضوء على العلاقة الوثيقة بين الأمن القومي وآليات التنبؤ المبكر، في ظل متغيرات دولية وإقليمية معقدة.
ومتضمنًا تحليلًا للتجارب الدولية الرائدة في هذا المجال، مثل الولايات المتحدة التي طورت نظمًا متقدمة للإنذار المبكر تعتمد على التكنولوجيا وتحليل البيانات، والصين التي تربط بين التخطيط الاستراتيجي طويل المدى وأنظمة التنبؤ، واليابان التي نجحت في توظيف الإنذار المبكر في مواجهة الكوارث الطبيعية بكفاءة عالية. كما يتناول التجارب العربيّة، خاصة في المملكة العربيّة السعودية ودولة الإمارات العربيّة المتحدة، حيث تم تطوير نماذج متقدمة لإدارة الأزمات وتعزيز الجاهزية المؤسسية.
ولعل أهم مايميز الكتاب طرحه لاستراتيجية مقترحة لبناء نظام وطني متكامل للإنذار المبكر في مصر، قائم على أسس علمية ومنهجية، مع التركيز على دقة المعلومات، وسرعة تداولها، وتعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة، ولهذا فإنه يعدُّ إضافة علمية وعملية مهمة، ودعوة صريحة لتبني نهج استباقي في إدارة الأزمات، بما يسهم في حماية الأمن القومي، ودعم مسيرة التنمية، وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وأمانًا.
بقي أن نشير أخيرًا إلى أن الكتاب بما تضمنه من عمق في الرؤية والتحليل والتوثيق والرسوم التوضيحية يعدُّ واحدًا من أهم الكتب التي عالجت قضية الإنذار المبكر بوصفها ضرورة استراتيجية وجزءًا أساسيًا من بنية الأمن القومي لأي دولة، وعلى رأسها مصر، بصفتها الدولة التي اختارتها المؤلفة كنموذج في الدراسة، وخاصة في ظل بيئة إقليمية ودولية متغيرة ومعقدة، كما أن هذا الكتاب يبرز أهمية الاستعداد الاستباقي لمواجهة التحديات، مما يعزز قدرة الدولة على حماية مصالحها وتحقيق استقرارها في ظل نظام دولي متغير، وهنا يغدو من الضروري أن يكون التعاون واسعًا بين الدول في هذا المجال نظرًا لما يحققه الإنذار المبكر من مصالح للجميع وأن يكون هذا التعاون بين الدول عابرًا للحدود كمحور أساسي في جميع جهودنا لتعزيز السلامة والأمن، ومن خلال تعزيز العلاقات التي تثري وتعزز قدرتنا الجماعية على إدارة المخاطر المختلفة بفعالية، مما يمكننا من تحسين آليات الاستعداد والاستجابة بمستوى كبير بشكر عام وهو مايؤكده الدكتور الصادق الفقيه في مقدمته للكتاب.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



