نوافذ

عندما خانتني الخرائط… وأنقذني إنسان الكهوف

مقبل الميلع

دوريس – ألبانيا| ما زلت غير متأكد متى تتحول الرحلة من مجرد نزهة إلى اختبار خفي، أو متى يقرر المكان أن يُظهر وجهه الحقيقي. كل ما أعرفه هو أن مدينة دوريس الساحلية في ألبانيا فعلت هذا معي في ظهيرة كانت تبدو عادية تمامًا.

كنت مستأجرًا شقة صغيرة لبضعة أيام، ولدي شقة مفروشة أخرى محجوزة للانتقال إليها بعد انتهاء فترة الإيجار. وقبل حلول موعد الانتقال، قررت أن أتعرف على موقعها، مثل أي مسافر يريد التعرف على المدينة قبل أن يسكن فيها.

وصلت إلى الحي الجديد، فوجدته هادئًا، ينفخ فيه نسيم البحر، وتظلله أشجار الصنوبر. وبعد دقائق، لم أستطع مقاومة إغراء الشاطئ القريب، الذي لا يبعد أكثر من سبعمائة متر، سرت إليه بخطوات بطيئة، كما لو أن البحر كان يستدرجني منذ اللحظة الأولى.

هناك، كان اللون الفيروزي للمياه أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع. على الكورنيش، كانت الحياة تحتفل بنفسها؛ أطفال يركضون، وعشاق يتبادلون الصمت، وسياح يحملون العالم في كاميراتهم ، اخترت مقهى يطل على الساحل، وجلست أراقب الأمواج وهي تمحو آثار الأقدام، وكأنها تُذكر البشر بأن البحر لا يحتفظ إلا بأسراره.

وعندما قررت العودة، مددت يدي إلى هاتفي بثقة المتعود على تسليم ذاكرته للأجهزة الذكية.

فتحت تطبيق الملاحة.

كتبت العنوان.

…لا شيء.

أعدت المحاولة.

…لا شيء.

في تلك اللحظة، اكتشفت دون أن أشعر أنني حذفت عنوان الشقة من هاتفي. وفي لحظة، انطفأت تلك الثقة الحديثة التي تمنحها التكنولوجيا للبشر، أصبحت غريبًا في مدينة لا أعرف منها سوى البحر، وبعض المقاهي، ووجوه لن أراها مرة أخرى.

أشعلت سيجارة.

لم يكن الدخان يبدد الحيرة، لكنه كان يمنحها شكلًا يمكن تحمله.

وقفت أحدق في الأفق، ثم حدث شيء لم أتوقعه. شعرت وكأن طبقة رقيقة من الحضارة انسحبت من داخلي، وبدأ كائن قديم جدًا يستيقظ في أعماقي، إنسان الكهوف الذي عاش آلاف السنين بلا خرائط، ولا هواتف، ولا أقمار صناعية، ومع ذلك لم يكن يضل طريقه.

قلت لنفسي: أنا الآن شمال سكني الحالي. والبحر أمامي، أي إلى الغرب. فإذا اتجهت يسارًا فسأسير جنوبًا. وهناك، في مكان ما، ينتظرني المقهى الذي اعتدت أن أحتسي فيه قهوتي كل مساء.

بدأت أمشي.

دقيقة…

ثم ثانية…

ثم ثالثة…

وكان الشك يتزايد مع كل خطوة.

هل كنت أثق بالعلم ؟ أم كنت أوهم نفسي؟

وفجأة…

ظهر المقهى.

ليس من بعيد، بل كأنه خرج من خلف ستار غير مرئي.

 

توقفت في مكاني، وضحكت بصوت عالٍ. لم أشعر أنني من وجدته، كان لدي إحساس غريب بأن المقهى هو الذي كان يبحث عني حتى عثر عليّ.

جلست على الكرسي المعتاد، وطلبت قهوتي، لكنني لم أكن أشرب القهوة هذه المرة؛ كنت أرتشف طعم النجاة.

ومن ذلك المقهى، عرفت الطريق إلى شقتي بسهولة، وكأن المدينة قررت، بعد أن اختبرتني، أن تعترف بي واحدًا من عابريها.

في تلك الليلة لم أفكر في ضياعي، بل في حقيقة أعمق أزعجتني.

منذ آلاف السنين، كان الإنسان يعتمد على الشمس، والنجوم، ورائحة الريح، واتجاه البحر، وشكل الأرض. ثم اخترع البوصلة، فالخرائط، ثم الأقمار الصناعية، حتى صدق أنه لم يعد يحتاج إلى ذلك الكائن القديم الساكن في داخله.

لكن ما إن خانتني التكنولوجيا لدقائق معدودة، حتى عاد ذلك الكائن من أعماق التاريخ، ومدّ يده إليّ بهدوء، وقادني إلى الطريق.

عندها فقط أدركت أن الحضارة لم تلغِ غرائزنا… بل غطتها بطبقة رقيقة من الشاشات.

وأن أكثر ما أخشاه ليس أن أضيع في مدينة غريبة، إنما أن أفقد يومًا القدرة على الاستماع إلى تلك البوصلة الصامتة التي أودعها الله في الإنسان منذ اللحظة الأولى لوجوده على هذه الأرض.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى