
هل للقمل من تاريخ؟
قد يبدو السؤال عبثياً ولا معنى له، لأن القمل رافق الإنسان منذ ملايين السنين، ويقال إن وجود هذا الطفيلي المزعج والذي يسبب بعض الأمراض الجلدية قد ساعد أو ربما كان وسيلة لاكتشاف الهجرات البشرية عبر التاريخ ، ويقال أيضاً أن بعضهم في عصرنا الراهن يبحث عنه ليكون علاجاً لبعض الأمراض.
قد لا يعنينا ذلك كثيراً، لكننا في أيام طفولتنا عانينا من ذلك الكائن الذي يعشش في الرؤوس ويتمترس فيها وكأنها قلعة تخصه وحده، ولا يريد مغادرتها مهما بذلنا من جهد، وكثيراً ما يروي السجناء عن معاناتهم معه ويتحدثون عن أنواعه التي تصل إلى شعر الإبط والعانة وتتسلل إلى الجلد الذي تنغرس فيه وتسبب آلاماً يستذكرونها دائماً، وقد روى لي أحد الأصدقاء الكتاب كيف خلع ثيابه ورماها بعيداً عن مدخل بيته، ثم دخله عارياً كي لا ينقل تلك العدوى إلى بناته الصغيرات.
حدثنا كبار السن عن تلك الأيام التي يخرج فيها “الطراشة” أو لنقل أصحاب المواشي إلى البراري والسهول والفيافي البعيدة، وكان خروجهم ذاك مع بداية فصل الربيع وحلول الدفء بديلاً عن البرد القارص حيث يتمددون شبه عراة فوق الأرض من أجل التخفيف من أعداد القمل المرافقة لهم ، وكانوا يسمون تلك الظاهرة ” التفلاية” ويبدو أن تلك التسمية لها علاقة بفرد الشعر على طوله وتحريكة ونثره من أجل تلك الغاية، وكانوا يساعدون بعضهم في قتل ما يمكن قتله من القمل.
كنا في مدارسنا الريفية البعيدة عن المدينة والمكونة على الأغلب من غرفة طينية أو أكثر نراه على أكتاف زملاء الدراسة، وفي رؤوسهم وعلى أعناقهم وثيابهم، وعلى الرغم من حلاقتنا لشعرنا على” الطاسة” ونقصد درجة الصفر، فقد كان من الصعب التخلص منه بشكل نهائي، وكنا سنتأقلم مع تلك الحال، لولا قدوم الأساتذة إلينا من المدينة، والذين لا يتوقفون عن تأنيبنا وتوبيخنا وشتمنا بسببه، وكانوا يستخدمون العصا مع الذين يكون قملهم أكثر من غيرهم، ويتواصلون مع الأهالي للحد من تلك الظاهرة في المدارس.
في المنزل كان يوم العطلة أشد قسوة علينا من باقي أيام الأسبوع، لأن رؤوسنا ستدهن حتماً ومنذ الصباح الباكر بزيت الكاز الحارق الذي يدوخنا قبل أن يدوخ تلك الحشرة اللعينة، وفي فترة الظهيرة نبدو وكأننا في جلسة تعذيب لا نهاية لها، وذلك حين تبدأ الأمهات بتمشيط شعرنا بمشط من العظم القاسي، ولابد أن صفعة ستنال من وجوهنا مع أي حركة “نتململ” فيها من العذاب، وقد يتطور الأمر إلى ضرب مبرح لو شكونا من جرح سببه ذاك المشط، والمشكلة العويصة التي تواجهها الأمهات هي في وجود “الصئبان” ونقصد ذلك البيض الذي يتركه القمل عند منبت الشعر، فقد كان استخراجه يستدعي الكثير من الوقت والجهد، ولأجل تلك الغاية يضعن بعض الخيوط القماشية حول أسنان المشط، ويطلقن على تلك الوضعية اسم “الشبكة” التي يجب أن تصطاد أكبر عدد ممكن الأعداء.
كنا نعتقد أن الصابون الذي نستعمله لا يجدي، ونطلق على بعضنا وعلى الرغم من وقوع الجميع تحت سطوة القمل لقب فلان “أبو القمل” أو “فلان المقمل” أما الفتيات أو الطفلات اللواتي يدرسن معنا في المدرسة ذاتها فقد كانت مصيبتهن أكبر وأعظم، وذلك عندما يتولى أمرهن مجموعة من الأطفال الأشرار، ويسيرون من خلفهن وهم يصفقون، مرددين ” أم القمل والصيبان، جوزناها للسعدان” وكان هذا اللقب يلاحقها إلى ما بعد البلوغ، وإذا ما تقدم أحد لخطبتها يسألونه : “هل ستتزوج من فلانه أم القمل؟” وكأنهم بذلك السؤال نسوا أن القمل قد لامس كل واحد منهم ذات وقت.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



