كتاب في حلقات

من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء صحافي في الشرق الأوسط (الحلقة الأولى)

من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء

صحافي في الشرق الأوسط

 

 

  تأليف: كلود صالحاني                                     ترجمة: نضال بديع بغدادي

  

الحلقة الأولى

 

  

 شكر

 

أود في البداية أن أعبرّ عن خالص امتناني لصديقي الدكتور جيم هيرزوغ، الاستاذ في جامعة ميريلاند في بروكسل ببلجيكا، الذي شجعني وحثني على كتابة هذا الكتاب.

وأقدم شكراً خاصاً إلى العديد من الأشخاص الذين ساهموا في جعل هذا الكتاب ممكناً: دويل ماكمانوس رئيس مكتب لوس أنجلوس تايمز في واشنطن. ودافيد زينيان، وهو ناشر سابق وضحّ العديد من النقاط وشاركني بنفاذ بصيرته حول الشرق الأوسط. وصديقي المقرّب نيد تيمكاو محرر ” التاريخ اليهودي ” ومقرها في لندن، وديان كوتو الذي قرأ المخطوط وقدم توجيهاً ونصائح مفيدة. وستيفاني سعد التي ساهمت بساعات لا حصر لها وبنصائح قيّمة مُصححة القواعد وعلامات الترقيم. وهيلينة كوبان، التي تكتب لصحيفة كريستيان سيانس مونيترو CHRISTION SCIENCE MONITOR والتي ساعدت بتوضيح بعض البنى العسكرية والسياسية الفلسطينية المعقدة.

والشكر الجزيل أيضاً إلى دافيد بيرس مساعد رئيس البعثة الديبلوماسية في سفارة الولايات المتحدة في دمشق، و هو شخص مدمن على الشرق الأوسط، وذلك لصداقته وحفاوته طيلة سنوات.

وأود أن أشكر بول ماهون، الذي قدم المساعدة الكريمة وتوجيهاً، وآمن بهذا الكتاب منذ البداية، وديبي لينكولن لنقدها لهذا العمل سطراً سطراً مما ساعد على جمع قطع هذا الكتاب بعضها مع بعض. والشكر الخاص إلى كلير ويللوكس وجون برنيير في مطبعة جامعة ميزوري اللذين ساعدا في تشكيل الكتاب في مراحله الأخيرة.

وأخيراً وليس أخراً، أود أن أتوجه بالشكر إلى زوجتي سيندي نوكولس، التي ساعدت في تحرير الصيغة الأخيرة وظلّت إلى جانبي في بعض الأوقات الصعبة، في الأماكن غير الصديقة أحياناً. لكننا اشتركنا معاً في اللحظات الجيدة وما زلنا نفعل ذلك.

 

 

 

مقدمة

 

الحرب، تلك اللعبة المجنونة التي يحب العالم جداً أن يلعبها.

                                                                              جوناثان سويفت.

 

أشارت ذات مرة جانيت فلانر بقولها إلى أن ” التاريخ يبدو غريب الأطوار عندما تقف بالقرب منه “، وهي كاتبة عمود صحفي في صحيفة النيويوركي New Yorker، ومراسلة في الحرب العالمية الثانية. لقد شكل الشرق الأوسط بسياساته المضطربة تذكاراً متواصلاً على مدى صحة هذا القول. كانت هناك مناسبات، كتلك في منتصف عام 1978 عندما سألني رجل مسلح ببندقية كلاشينكوف في أحد شوارع بيروت الذي دمّرته الحرب، بطريقة غير مهذبة، ما الذي كنت أفعله هناك بحق الجحيم، عندها وجدت نفسي أتساءل، ما الذي كنت أفعله في تلك الأمكنة؟ كيف أتيت إلى هنا؟ ولماذا أحببت هذا المكان لهذه الدرجة؟

تذكرت ذلك باستغراب مفعم بالحيوية عندما بدأ الطريق الذي غالباً ما قادني لمواجهة القّناصة من كافة الأشكال وجهاً لوجه. كان ذلك في صيف عام 1967، في بيروت أكثر سلماً، والتي كانت تُعرف، على الأقل في نشراتها السياحية، بباريس الشرق الأوسط، رغم أن دور الخليط البيروتي من المسيحيين والمسلمين واللبنانيين والفلسطينيين كان محصوراً لحسن الحظ بأن يشهد ويصوغ الشعارات من الخطوط الجانبية. رغم أن مراهقتي كانت تتركز حينها بشكل كبير حول المسائل المهمّة المتعلقة بالنساء وموسيقا الروك، إلا أنني بدأت بالوصول إلى فكرة غامضة حول ما يجب أن أفعله عندما أكبر ( أو ربما، كما قال فرويد، كبديل عن النمو)، وأخذ تفكيري يتحول بازدياد نحو الصحافة.

بدأت مع مطلع شهر حزيران ـ ببساطة ـ أرسم مستقبلي بوضوح ونشاط جديدين. أحتفظ، حتى يومنا هذا، بطبعة خاصة ذات صفحات مطوية الزوايا، من Paris Match وهي مجلة أسبوعية فرنسية مصورة تقارب الحياة إلى حد بعيد، والتي تؤرخ للحرب العربية – الاسرائيلية. منعت هذه الطبعة في العالم العربي، وقد طلبت من أحد أقربائي الذي يعيش في باريس أن يرسل لي نسخة عنها. لقد حررتني وأثرّت فيَّ القوة والبساطة، وفي بعض الحالات الجمالية الشفافة التي تسجل من خلالها هذه التشكيلة من الصور، بالأبيض والأسود، ما حصل في الحرب: صور الجنود الاسرائيليين يصلّون أمام الحائط العربي بعد لحظات من احتلالهم القدس الشرقية، جنود يثبتون الأسلحة الرشاشة في لحظة ما ويأخذون حماماً شمسياً على ضفاف قناة السويس في لحظة أخرى، جنرالات مهزومون يستسلمون لفرق الجنود المتهللة في غزة، وجنود يركضون عبر الطرقات الضيقة للقدس القديمة. بقيت الصور مطبوعة في ذاكرتي إلى الأبد. كان الخليط البصري للمشاعر في تلك الصور أكثر بلاغة، بالنسبة لي، من أي مادة صحفية عن الحرب. إنها تحكي قصة تحرك عميق لما بدا وما زال يبدو دقة وإحساساً بالاهتمام بالنسبة لكل من المنتصرين والضحايا، والتي تتجاوز سياسات الصراع ضيقة الأفق.

لم يكن لدى القادة العرب الذين دوختهم حرب الأيام الستة ( دون ذكر لضباط الصف الثوريين الذين ارتقوا في السلطة خلال السنوات التالية ) أدنى فكرة عما يفعلونه بعد ذلك. لم تكن لدي مثل هذه المشكلة: فقد اقتنيت آلة تصوير مستعملة من صديق لي وبدأت بالتقاط الصور. كانت آلة تصويري قديمة من نوع ” رفيليكس 1 ” قياس 6 Î 6 مع جزء جلدي متمدد من آلة التصوير وعدسة من نوع شفايدر قياس 4.5. كانت من صنع ( ألماني ـ المنطقة الأمريكية ) وتستحق أن توضع في المتحف، لكنها أدت عملها. عندما كان الناس يسألونني عما أفعله، كنت أجيب بفخر أنني مصور صحفي، رغم أنه كان علي مع ذلك أن أبيع ولو صورة واحدة.

أخذني صديق بعد ذلك، في أحد أيام عام 1970، لرؤية شخص أرمني صريح في حديثه يسمى سام مازمزيان. صنع سام اسماً له من خلال العمل لصالح ما كان يعتقد أنها أفضل صحيفة في العالم العربي، ألا وهي جريدة النهار، وكذلك لصالح اتحاد الصحافة الدولي. لقد قدم سام ومجموعة من الموهوبين المتميزين للصحف حول العالم نافذة على بيروت.

سألني سام: ” هل تحمل أياً من أعمالك لتريني إياه؟ ”

أجبت: ” نعم، بالتأكيد ” محاولاً إعطاء انطباع قاطع للأمر. وعدته أن أجلب تشكيلة من أفضل أعمالي، ورحت أعدو بأقصى سرعتي إلى المنزل لالتقاط علبة مليئة بما اعتبره أفضل صوري.

نظر سام إليهم، ووظفني على الفور، وقدّم لي راتباً شهرياً يبلغ خمسين دولاراً. أفضى سام بعد عدة سنوات، وقد أصبح أكبر سناً وأكثر صراحة، وأكثر إخلاصاً إلى حد ما لعقدين إضافيين من تناول الكحول، بسرٍّ وهو أنه لم يعر اهتماماً للصور التي قدمتها له، لكنه اكتشف خلال مراقبته لي من النافذة وأنا أعدو إلى المنزل وأعود لأريه جعبتي، أمراً مهماً على الأقل بالنسبة للمصور الصحفي وهو التقدم والتوقف المناسب. قال سام ” إلى جانب امتلاكك للعين، عليك التحرك بسرعة، وعليك أن تمتلك إرادة التقاط صور الأخبار. صورك جيدة، لكنني رأيت أن لديك تلك الطاقة الإضافية. هذا ما يلزم لتغطية قصة. إنها تلك السرعة التي تصنع الاختلاف، وتلك الرغبة، وذلك التوق “.

كان لدى سام ذلك التوق. كان شعره، عندما قابلته لأول مرة وهو في منتصف الثلاثينات من عمره، أبيض كالثلج وبدا أقرب إلى الخمسين. كان يدخن ثلاث علب من السجائر ويشرب زجاجة ويسكي يومياً. لقد أدار قسم التصوير بيد من حديد وبميزانية صغيرة، كناشر للصور وكبير مصوري جريدتي النهار و  LE JOWR وهما أكبر الصحف اللبنانية الصادرة باللغتين العربية والفرنسية. كان يعمل من اثني عشرة ساعة إلى أربعة عشرة ساعة في اليوم. أي شخص أراد أن يعمل مع سام كان عليه أن يتوقع العمل ضمن مثل هذا البرنامج القاسي.

كان سام يتناول غذاءه وحتى أنه كان يحلق شعره في المكتب. والأهم من ذلك أن العمل مع سام، بما أنه كان عضواً بارزاً في اتحاد المصورين الدولي في لبنان، كان طريقاً جيداً لكي ترى اسمك مطبوعاً محلياً ودولياً.

أعطاني سام. من أجل مهمتي الأولى، آلة روليفلكس مع نصف دزينة من الأفلام ـ ستة أفلام ـ وأخبرني بأن عليّ الذهاب لتصوير أكوام النفايات المتعفنة، والنفايات ذات الرائحة الكريهة، والنفايات غير المجموعة والمتراكمة أمام المطاعم، وأبنية المكاتب، ومجموعات شقق الحب خلال إضراب عمال النفايات.

كان يشار إلى لبنان، في تلك الأيام، على أنه سويسرا الشرق الأوسط. وكانت الحرب الأهلية التي مزقت البلد إرباً ما زالت تفصلنا عنها خمس سنوات. كانت حياة بيروت الليلية وتجارة السياحة المزدهرة بأوج زخمها. أنتجت وزارة السياحة ملصقات تدعي بأن لبنان هو البلد الوحيد الذي تستطيع فيه التزلج في الصباح وتمارس رياضة التزلج فوق الماء بعد الظهر. كان ذلك حقيقة لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر في العام.

استوردت مجموعات موسيقا الروك الشعبية وعاملو الديسكو من بريطانيا وفرنسة، ليعملوا في حانات الرقص والنوادي الليلية على طول شارع فينيسيا، حيث كانت تجتمع النخبة البيروتية ليلاً. وعلى بعد شارع واحد، تتبعثر البارات الرخيصة في منطقة الزيتونة حيث كانت مجموعة من العاهرات المصريات يغوين الكويتيين ورجال الأعمال العرب الأغنياء لقاء زجاجة ( جوني ووكر ) والتي كان سعرها المرتفع كافياً لإطعام قرية بأكملها في بنغلادش لمدة اسبوع.

كان مشهد نجوم السينما الدوليين شائعاً في فندق سان جورج. قدم بار الفندق الشهير الطعام والتسلية للدبلوماسيين والصحفيين والجواسيس المشهورين. كان من أحد رواده المنتظمين كيم فيلبي الذي تحول من موظف في الخارجية البريطانية إلى جاسوس سوفيتي.

وخارج البارات كانت السيدات الشابات الجميلات يتمتعن بالبحر ويأخذن حماماً شمسياً تحت أشعة شمس المتوسط بينما يتسكعن حول حوض السباحة بالبكيني والأحذية ذات الكعب الصغير والمجوهرات النفيسة. وعبر الفسحة، احتفل نادي سان جورج للبريطانيين بعيد ميلاد الملكة، متناولين شراب بميز ويلعبون لعبة البنغو وهي لعبة قمار وحظ لكأن الراج ما زال حياً. كانت ألعاب الكرات الخفيفة تجري في الجامعة الأمريكية في بيروت حيث كان حرس السفارة الأمريكية من المارينز يتوحدون في مجموعات ضد الطلاب من مدرسة الجالية الأمريكية، بينما الأمهات يقدمن مشروبات الكولا وشطائر السجق والهامبرغر.

قدمت المقاهي الخارجية ذات النمط الباريسي على طول شارع الحمراء المتأنق، شانزليزيه بيروت كما يحب اللبنانيون تسميته، الطعام والتسلية للفنانين والصحفيين والسياسيين، والجواسيس التافهين، وللدبلوماسيين، وكانت كحجرة جلوس بالنسبة للثوريين الذين تجمعوا ليبحثوا كيف يمكن لهم ذات يوم أن يصلحوا مجتمعنا الفاسد. كانت أكثر الحانات شهرة هي حانة الحدوة Horse Show. إن ما جعل الحدوة بهذه الشهرة هي القدرة المدهشة للنادل على تسجيل الرسائل للزبائن الذين يرتادون هذا المكان بانتظام. لم يكن أمراً غير عادي أن يرحب بك النادل بأن يتلو عليك الأسماء والأوقات وأرقام الهواتف للذين يحاولون الاتصال بك وذلك بكل دقة سكرتيرة تنفيذية. درج ميشيل، رئيس النادلين، على الترحيب بي بالمصافحة وبالمعلومات: “اتصال من باريس. يريدون أن يعرفوا متى سترسل أفلام مظاهرة اليوم. طلبوا أن تتصل بهم وتخبرهم بالتفاصيل. بالمناسبة، لدينا اليوم سمكاً طازجاً من النوع الذي تحبه. كما أن إبراهيم أتى اليوم باحثاً عنك وقال أنه سيتصل بك لاحقاً. هل ترغب ببعض الحمّص كمقبلات؟ ” كانت تغلب على الحدوة صفة النادي الخاص اعتاد الزبائن التعرف بعضهم على البعض، وبإمكان الواحد منهم أن يجد دائماً وجهاً مألوفاً لصديق يشاركه احتساء القهوة أو الغذاء. كنا نجلس أحياناً ببساطة لساعات لا نهاية لها نثرثر ونضحك أو نكتفي بمراقبة العالم من حولنا.

بدأت، في ذلك الجو الممتع، عملي كمصور صحفي، وهي مهنة رأيت من خلالها أكثر من سبعين بلداً، ودزينة حروب وثورات، ورحلات رئاسية، وغزوات، وحصارات من نمط حصارات العصور الوسطى، واعتقالات وطرافة. ولأنه توسط كل الجنون والعنف اللذين أحاطا بالحرب، فقد أصبح أكثر قرباً وحميمية بحيث يصعب أن تجد مثله في الأوضاع العادية الأخرى.

إن هذا القرب من الأصدقاء البشر الواقعين في شرك هذه البيئات غير العادية هو ما جعل البقاء والحفاظ على سلامة العقل أكثر سهولة. لقد حاولنا جاهدين أن نتعلق بنوع من ” الحالة السوية ” وأن نواصل حياتنا.

غطيت حربي الأولى مباشرة بعد أن بدأت عملي مع سام مازمزيان. ثار بركان الصدامات بين الجيش الأردني والفدائيين الفلسطينيين المنفيين في الأردن. كانت تلك بداية ما اصطلح على تسميته بأيلول الأسود، وهو اسم أطلقته على نفسها مجموعة فلسطينية بعد ذلك  الشهر الذي اندلعت فيه المواجهة. بعد حرب الأيام الستة، تدفق آلاف اللاجئين الفلسطينيين إلى الأردن من الضفة الغربية التي احتلتها اسرائيل. عاش العديد منهم في ظروف بائسة في مخيمات بالية للاجئين. أخذ الفلسطينيون زمام الأمور بيدهم بعد أن شعروا بالاحباط نتيجة إخفاقات العالم العربي في التغلب على دولة اسرائيل، وبالسخط لفتور الهمة الواضح تجاه مصيرهم.

وبتحدٍ مباشر لسلطة ملك الأردن الملك حسين، قاموا بتنظيم أنفسهم في مجموعات غوارية عرفت باسم الفدائيين وانطلقوا بغارات ضد الاسرائيليين عبر نهر الأردن, كان انتقام اسرائيل في الغالب ضد الأردن. حاول الملك حسين السيطرة على الفدائيين وفشل في ذلك، وتصعّد التوتر بين الفلسطينيين وبين الجيش الأردني. ونجا الملك حسين في الأول من أيلول من محاولة لاغتياله، وبدأ القتال بين الجيش والفلسطينيين.

جعلتني فكرة الاتجاه نحو منطقة حرب، لأول مرة، أشعر بالارتعاد أكثر مما يقارب من دزينة الصراعات التي قمت بتغطيتها كصحفي فيما بعد. كانت هذه هي فرصتي الكبيرة لأثبت ذاتي. قام سام للتو بإيفاد جورج سميريدجيان إلى عمان وهو أكثر المتمرسين في مجموعتنا المؤلفة من خمسة أشخاص. توسلت إلى سام أن يدعني أذهب أيضاً، لكن سام كان راغباً عن تكليفي، وأنا الولد الجديد في المجموعة، بمثل هذه القصة المهمة.

وأخيراً حالفني الحظ عندما توقف مراسلان صحفيان أمريكيان أعضاء في اتحاد الصحافة الدولي، في بيروت وهما في طريقهما لتغطية القتال. كانا يريدان مصوراً يتحدث العربية لمرافقتهما إلى الأردن. كان سام قد عاد لتوه من عمان ولا يرغب بشكل خاص في العودة إلى هناك ثانية. تطوعت لهذا الأمر وسمح لي سام أخيراً بالذهاب.

باستعادة الأحداث الماضية، فإن ما ساعدني في رحلتي الأولى إلى الحرب هي سذاجة الشباب الممزوجة بجهل المخاطر المحدقة. دخلنا الأردن قرب إربد، وهي بلدة حدودية صغيرة، وترابية، ومقفرة تبعد حوالي خمسين ميلاً إلى الشمال من عمان، العاصمة الأردنية. أجبر تجدد القتال مطار عمان على الإغلاق، وبقي الطريق الوحيد إلى الأردن هو الطريق البرية عبر سورية المجاورة. بينما كنا نتقدم نحو الحدود توقفت سيارة الأجرة البالية التي كانت تقلنا فجأة عند نقطة التفتيش السورية الأخيرة. بدأت الشمس تشرق من فوق التلال كاشفة عن امتداد الطريق القاحل والمكشوف أمامنا.

حذرنا الحارس السوري قائلاً ” عودوا أدراجكم فالوضع خطر جداً ” بينما كان يبرز رأسه عبر نافذة السيارة المفتوحة طالباً ملجأً مؤقتاً من رياح الصباح الصحراوية الباردة. تابع محذراً ” لا تتقدموا أكثر من ذلك ” وكان رأسه ملفعّاً بكوفية تخطها خطوط حمراء وبيضاء، وهي لباس رأس عربي تقليدي، غطت معظم وجهه. عينا الحارس هما ما كان ظاهراً فقط من وجهه بينما كان يقي نفسه من البرد. ارتطمت بندقية الحارس الآلية بباب سيارة الأجرة منزلقة عن كتف بذلته المجعدة الخضراء اللون بينما كان ينحني داخل سيارتنا لإلقاء نظرة على ركابها. قال الحارس ” والله هناك قتال كثير وإطلاق نار. الفدائيون وجيش الملك في حرب. من الأسلم لكم العودة إلى دمشق “.

شكرنا الجندي على نصيحته وقررنا أنا ورفيقاي الأمريكيان تجاهل تحذيره. تابعنا بهزة من الكتفين طريقنا جنوباً في الأردن.

ظهر عمود من الدخان في الأفق عندما دخلنا الأراضي الأردنية تصحبنا الأصوات المبهمة لقذائف المدفعية متساقطة في البعيد. بدا القتال أكثر بعداً. وبدت الحرب المحيطة بنا غير حقيقية. شعرنا أننا مستثنائين من أخطارها الوشيكة. لم نكن معنيين بنزاعاتها. لم تكن حربنا. كان علينا بموجب عملنا كصحفيين أن نراقب ونسجل لا أن نشارك.

بينما كنا نتوغل جنوباً، بدت سحب سوداء كبيرة من الدخان تقترب وكأنها سحبت بواسطة مغنطيس عملاق غير مرئي. أصبح صوت انفجار القذائف المدفعية أعلى. وفي بعض الأحيان بدا صوتها وكأنها تتساقط فوق المقعد الخلفي لسيارتنا. سحقت القذائف التلال القاحلة مرسلة شظايا من التراب المتطاير في الهواء.

بدأت أرتال من الجيش الأردني ومصفحات الجند المسلحة المموهة بشكل يتمازج مع الصحراء المحيطة بها بعبورنا. بدت القافلة الممكننة كحيوان هائل أسطوري يثير الغبار ويأكل الغلاف الرقيق للطريق المرصوفة بالحصى التي تقوده عبر الرمال  وكأنها تعبد له الطريق نحو أرض المعركة أينما كانت . لوح لنا الجنود المبتهجون من أعلى آلياتهم مشيرين بإشارة النصر وهم يمرون بنا. كان على هؤلاء المقاتلين أن يتجرعوا مرارة الحرب. وكما تعلمت أخيراً، فإن الجنود يذهبون إلى الحرب مبتهجين دائماً، لكنهم يزحفون عائدين بالدموع والكرب الشديد.

لم أكن خائفاً حتى تلك اللحظة. دار انشغالي الأساسي حول القصة أكثر وحول الكيفية التي كنت سأغطي بها الحدث. لقد تجاوز اختياري لإنجاز المهمة أي خوف. كانت مشكلتي المباشرة هي في محاولة إيجاد وسيلة لإسكات خوف سائقنا الذي بدا عازماً على منعي من القيام بعملي.

جأر السائق ” كلا يا سيد، ليس هنا. هذه منطقة عسكرية ممنوع التصوير فيها “. كان يصرخ، في كل مرة حاولت فيها التقاط صورة من سيارتنا المسرعة، قائلاً: ” سيقتلنا الجيش أنت وأنا أيضاً. الرجاء عدم التصوير. إن هذا الأمر ممنوع “.

غالباً ما كانت تبدو لي المنطقة بأكملها، خلال سنوات في الشرق الأوسط، من تركية إلى اليمن ومن المغرب إلى قلب الجزيرة العربية، عبارة عن مجمع عسكري كبير، حيث كان كل شيء تحت أشعة الشمس ممنوعاً. لم يكن أمراً غير عادي، على سبيل المثال، أن يقوم رجال شرطة مصريين باعتقال سيدات أمريكيات في الخامسة والستين من العمر وقد لوّن الشيب شعرهن بلون أزرق خفيف وقد اصابهن الرعب مع آلات التصوير وذلك لالتقاطهن صوراً لمشاهد الشوارع في القاهرة. من سوء حظ السيدات أنهن التقطن صوراً لجسر ضمن لقطات الذكرى عن النيل. لقد صنفت كل جسور القاهرة كـ ” مناطق عسكرية ” وهي بالتالي، ضمن العقلية الاستراتيجية العسكرية المصرية، تشكل أهدافاً محتملة لعملاء العدو, أما عن حقيقة وجود هذه الجسور في البطاقات البريدية الملونة التي يمكن شراؤها من الفنادق ومحلات بيع التذكارات فهو أمر لا علاقة له بذلك التصنيف.

أخذنا نرتطم داخل سيارتنا ونحن نشق طريقنا جنوباً مشاركين القوافل العسكرية الطريق الضيق. بدأت الشمس تشع من خلال المشهد العريض مضاعفة الحرارة داخل مركبة الأجرة. بدا الأمر جيداً، وفي تلك اللحظة لم يكن لدي أي اهتمام آخر بالعالم. كان تفكيري الوحيد هو أنني فعلتها أخيراً. كنت صحفياً يغطي ” حدثاً حقيقياً “.

حطم أفكاري انفجار قذيفة مدفعية وأعادني إلى الواقع. تحطمت الطلقة على نحو هزيل على بعد بضعة مئات الياردات من الطريق جانب تل صحراوي مثيرة غيوماً من التراب في الهواء. كانت قذيفة تائهة. ما زالت المعركة بعيدة بعض الشيء. كلما اقتربنا من حافة المعركة أصبح صوت القذائف أقرب. ظلت رائحة الفوسفور اللاذعة معلقة في الهواء. وتوقف الحديث في السيارة فجأة. حتى السائق الثرثار ظل صامتاً للمرة الأولى منذ غادرنا دمشق. لاحظت فجأة كم كنت أرتعد من الخوف، ولم تبد الأمور سهلة كما تخيلتها في البدء. كان نوعاً من الخوف لم يسبق لي أن شعرت به من قبل. جفّ فمي تماماً وأصبحت راحة كفي رطبتين. ورغم أنني مسحت يدي عدة مرات إلا أن التعرق لم ينقطع. كان هذا خوفاً عميقاً، خوفاً من أن تتحول إلى أشلاء في أية لحظة. توقعت قذيفة تمزق السقف وأطرافي أشلاء متناثرة لتختلط مع أشلاء أصدقائي المسافرين ومع معدن السيارة.

أردت أن أخرج من جحيم ذلك المكان بأسرع ما يمكن. استدر. عد إلى بيروت. لم أصدق أن هناك أي صورة أو قصة تستحق أن يموت المرء في سبيلها.

كنت على أية حال، خائفاً كذلك من أن أدع رفيقّي الأكبر سناً والأكثر خبرة يلاحظان قلقي. كنت أريد أن أكون شجاعاً ورجلاً مثلهما تماماً. تطلب الأمر كثيراً من ضبط النفس كي لا أنهار وألتمس من رفيقي سفري العودة.

كانت هناك أعداد لا حصر لها من الدبابات السورية على متن الناقلات، ومن ناقلات الجند، وقطع المدفعية، تتجه عائدة باتجاه الشمال نخو الحدود. لقد قررت الحكومة السورية، جرياً على عادة سياستها الخارجية السابقة، بعد تهديدات من اسرائيل والولايات المتحدة، أن تستدعي القوات التي أرسلتها لمساعدة الفدائيين الفلسطينيين. وبذلك تركت المقاومة الفلسطينية لتواجه وحيدة غضب الجيش الأردني.

تم إيقافنا عند نقطة تفتيش بعد بضعة أميال من إربد. أخبرتنا مجموعات من الجنود الأردنيين العصبيين والذين يتحدثون بسعادة طلقة أنه ” من أجل سلامتنا “، لا يمكننا التقدم لأبعد من هذه النقطة. إنه لأمر مدهش كيف يهتم العسكريون في العالم الثالث بـ ” سلامتك “.

توقعت من مرافقيّ أن يعترضا بشدة مطالبين ” بحرية الصحافة “، وبحقنا في أن نؤدي عملنا كصحفيين. لكنهما قبلا بسرور ولم ينتظرا أن يطلب منهما ذلك ثانية، مما كان مدعاة لدهشتي الكبيرة ( ولسروري الصامت ). قفلنا عائدين باتجاه دمشق.

لقد فشلت في الانتباه إلى أن مرافقيّ كانا خائفين مثلي تماماً. كانا يرتديان أيضاً قناعاً، غير راغبين في أن يبدو عليهما الخوف أمام رجل شاب مثلي. ما كان يريدان حقاً أن يفعلاه هو أن يضعا قدماً في الأردن ولو لبضعة دقائق، محافظين بذلك على شرعية تاريخهما الشخصي. لم يكونا من أولئك المراسلين الأجانب الشجعان الذين ظننت في البداية أنهما منهم. وكذلك لم أكن أنا … لكنني مع ذلك فقد شاهدت حربي الأولى.

قمت بتغطية العديد من الحروب في العشرين عاماً الإضافية التالية. لم يفارقني خوفي من الحرب على الإطلاق، وكذلك لم يفعل شوقي لتغطية القصة، حتى عندما كان من المحتمل، في بعض الأحيان، أن أدفع حياتي ثمناً، وعندما يجب أن يعرف رجل ناضج بشكل أفضل. كذلك لم أضيع على الإطلاق، لافتتاني بالشرق الأوسط، القطعة الحقيقية الأكثر شحناً من الناحيتين السياسية والاستراتيجية.

جذوري تكمن في الشرق الأوسط. لقد ولدت في القاهرة ونشأت في مصر ولبنان حيث تطورت مشاعري بعمق. تربيت في ظل أم بولونية تتحدث الفرنسية من بقايا الفترة الاستعمارية. يعود أصل عائلة والدي إلى لبنان وقد استقرت في مصر. وكما هو الحال في العديد من عائلات الطبقة الغنية والمتوسطة في المنطقة، فقد كانت الفرنسية هي لغة الحديث في المنزل وظلت اللغة العربية لغة أجنبية بالنسبة لي حتى بدأت عملي كصحفي.

أحد عناصر الميليشيات المسيحية يرقد ميتاً على طول “شارع دمشق”، على الخط الأخضر الذي يفصل شرق بيروت عن غربها.

نشأت لأحب الشرق الأوسط، ودفئه، وشمسه الساطعة، وطعامه وتنوعه الثقافي. لقد كان أمراً مألوفاً في بيروت أن تجد اليونانيين والإيطاليين واللبنانيين والمصريين واليوغسلاف والمسيحيين والإسلام واليهود جميعهم يعيشون في نفس البناء. ولكن بمجرد أن بدأت باكتشاف لبنان، بدأت الحرب التي مزقت البلد أجزاءً.

رأيت الكثير من خلال عدستي منذ اليوم الأول الذي أعطاني فيه سام مازمزيان عملي الأول الحقيقي: أكثر الأعمال وحشية، وأكثر المعاناة رعباً، وأكثر الأفعال غير المحتملة والمحركة للمشاعر من الحب والشهامة. استقبلت بحفاوة من الملوك، ورؤساء الوزارة، ووزراء الخارجية. تعرضت لإطلاق النار والخطف، وللسلب والنهب المسلح. وفوق ذلك حاول، في العديد من المناسبات، بعض المسلحين بالبنادق وأجهزة إطلاق الصواريخ من ذوي الوجوه الطفولية أن يخيفوني وأن يجعلوني غير قادر على الكلام بكثير من النجاح. يسأل بشكل حاسم تقريباً ” ما الذي تظن أنك تفعله هنا بحق الجحيم؟ ”

 

عامل إنقاذ يحمل فتاة لبنانية مصابة بعد انفجار قنبلة في مبنى يضم السفارة الليبية ووكالة الأنباء الليبية. لقي العشرات حتفهم في الانفجار، بينما ظل آخرون محاصرين بسبب الحريق الذي أعقبه.

رغم ذلك لم يكن بمقدوري الإجابة على السؤال ببساطة أو سهولة، إذ أنني لم أندم على ما فعلت أيا كان ما فعلته، وظللت على يقين من شيء واحد على الأقل وهو أنه مهما كانت التطورات التقنية كبيرة في الصحافة، ومهما كانت تغطية بعض الأخبار تبدو باضطراد متزايد سطحية وغبية، يظل هناك في التاريخ الشريف للحرب ـ في صفحات تلك النسخة البالية من Paris Match الموجودة الآن في درج مكتبي في منزلي بضواحي واشنطن ـ نبل الهدف الذي سعيت دائماً لنيل شرفه. إنه: تذكير المشاهدين وواضعي الشعارات بحقيقة الحرب وبالوجوه الشخصية التي تجعل الجسد على وشك النطق، وذلك بأسلوب صغير بعض الشيء من أجل أولئك الذين لا صوت لهم.

(يتبع)

الحلقة الثانية: الفصل الأول (الحرب في سورية)

 

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى