من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء صحافي في الشرق الأوسط (الحلقة الرابعة عشرة)
من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء
صحافي في الشرق الأوسط

تأليف: كلود صالحاني ترجمة: نضال بديع بغدادي
الحلقة الرابعة عشرة
(2/1)
الفصل الثامن
المختطفون
لقد كشفت لنا الطائرة الوجه الحقيقي للأرض.
ـ أنطوان دو سانت إكسبيري
واجه الصحفيون الذين يغطون الشرق الأوسط، في منتصف السبعينات، مع ظهور ظاهرة الإرهاب، زيادة في عدد الطائرات المختطفة يجب تغطيتها. حاول، عدد لا حصر له من حركات ” التحرير “، على أمل أن تحمل أضواء الـصفحات الأولـى أسبـابـهم الـمبهمـة أحـيـاناً، الـقيـام بـعـمـليات خـطـف فـي السـتينات والسبعينات والثمانينات.
سجلت حكومة الولايات المتحدة، منذ أول عملية اختطاف لطائرة أمريكية مدنية في عام 1961، سبعمائة وخمس وخمسون محاولة أخرى في السنوات الثلاث والعشرين اللاحقة. كانت عمليات الاختطاف تلك تنتهي في بعض الأحيان سلمياً بعد مفاوضات مكثفة أو عندما تمتثل الحكومات لمطالب المختطفين. بعض الحالات كانت تنتهي نهاية تراجيدية مع سفح دم الأبرياء.
كانت إحدى طائرات لوفتهانزا من طراز بوينغ 737، في إحدى صباحات شهر تشرين الأول 1977، في رحلة روتينية من جزيرة ماجوركا إلى فرانكفورت حاملة اثنين وتسعين شخصاً على متنها عندما تم اختطافها. انتزعت الأخبار على الفور انتباه العالم. احتجزت الطائرة في منتصف رحلتها وأجبرت على تغيير مسارها إلى مشيخة دبي الغنية بالنفط بعد توقفها للتزود بالوقود في روما وقبرص والبحرين. كان المخطتفون يطلبون تحرير متطرفين يساريين أتراك وألمان محتجزين في سجون ألمانيا.
قمت بالانضمام، كمراسل وكالة سيجما في الشرق الأوسط، إلى مجموعة من الصحفيين في مطار بيروت. قمنا جميعنا بشق طريقنا إلى طائرة من طائرات شركة الشرق الأوسط المتوجهة إلى دبي، مقتنعين أننا بالرغم من عدم امتلاك تأشيرات دخول، فإن عددنا الكبير سوف يساعدنا في التغلب على قوانين الهجرة الإماراتية الصارمة والتمكن من دخول البلد. قامت خطوط طيران الشرق الأوسط، برغبتها الدائمة لخدمة الصحافة الأجنبية، بصدم العديد من المسافرين الذين لديهم حجوزات مثبتة بإلغاء سفرهم كي يصطفوننا على متن طائراتهم.
وصلنا إلى دبي في وقت متأخر من المساء. تحولت السلطات إلى مساعدتنا بإمكانياتها القصوى، حيث ضمنت لنا تأشيرات دخول فورية وحُولت صالة في المطار مخصصة للشخصيات الهامة إلى مركز صحفي مؤقت. تم تأمين الطعام، وعصير الفواكه، والشاي، والقهوة على مدار الساعة. وفي أقل من ساعة بعد وصولنا، قام فنيو الاتصالات بتركيب عشرات الهواتف وأجهزة التلكس لاستخداماتنا، وبشكل مجاني تماماً.
وعند الصباح، أصبح لدينا مركز عمل صحفي كامل التجهيز. إن ما يتطلب العديد من السنوات لإنشائه في دول شرقي المتوسط الأخرى، يأخذ مجرد ساعات ويعود الشكر في ذلك إلى قوة البترودولار الهائلة، وإلى الاشراف الغربي، وإلى العمالة الآسيوية الزهيدة الثمن.
وصل في صبيحة اليوم التالي إلى مطار دبي من لندن مراسل صحفي بريطاني ومصور. كان المصور يحمل تشكيلة من العدسات والحوامل ثلاثية القوائم في غمد جلدية سوداء. تجنب البريطانيان، حيث لم يكونا على علم أن أكثر من مائة مراسل قد سمح لهم للتو بدخول البلاد، الإشارة إلى أنهما صحفيان. ولكونهما بريطانيين لم يكونا بحاجة إلى تأشيرة دخول وخططا أن يتحركا كسائحين، وهو أمر نادر الحدوث في هذا الجزء من الجزيرة العربية.
حالما أبرزا جواز سفريهما إلى ضابط الهجرة، توجه اليهما بالسؤال المعتاد: ” وماذا جلبتما معكما إلى الإمارات العربية المتحدة؟ ” أجاب البريطانيان: ” الصيد. أتينا إلى هنا كي نصطاد. ”
طلب ضابط الهجرة إليهما بأدب، ودون أي تعليق، بأن يتبعاه، وقادهما إلى صالة الشخصيات الهامة حيث أقيم المركز الصحفي المؤقت.

ظهرت هذه الصورة التي التقطها الكاتب لطائرة لوفتهانزا المختطفة في دبي على غلاف مجلة تايم.
أعلن الضابط قائلاً: ” دعوني أقدم لكم زملائكم الصيادين.”، فاتحاً الباب على مصراعيه وكاشفاً عدداً لا حصر له من الصحفيين المنكبين على أجهزة التلكس ويصرخون عبر سماعات الهاتف في مكالماتهم البعيدة.
كانت الطائرة المختطفة قد توقفت عند حافة المدرج. ضربت الشمس الحارقة جسم الطائرة، جاعلة الحياة غير محمولة بالنسبة لأولئك الواقعين في الفخ داخل الطائرة. على الرغم من أن الوقت كان نهاية شهر تشرين الأول، فإن درجات الحرارة أثناء النهار ظلت في أقصاها.
دبي أرض مسطحة بشكل مطلق، وتتألف المنطقة المحيطة بالمطار من كثبان رملية قاحلة. كان بناءً غير مُنجز بعد ويقدم موقعاً تفصيلياً تاماً. قضيت اليومين والليلتين التاليتين داخل هذا البناء بينما كانت المفاوضات تجري في الخارج ما بين الطائرة و برج المراقبة. تأكد قراصنة الجو، لعلمهم بوجود وسائل الإعلام، أننا نمتلك فرصاً وافرة للتصوير. قام الخاطفون المسلحون باستعراض أنفسهم باستمرار عند باب الطائرة، حتى أن أحدهم لبس قبعة كابتن الطائرة بينما كان يمسك بندقية موجهة إلى رأس قائد الطائرة.
كانت الشمس قد بدأت بالشروق فوق الصحراء وبدت ككرة كبيرة من النار وهي ترتقي ببطء فوق الكثبان الناعمة بيضاء اللون، مبددة شيئاً فشيئاً سديم الصباح المبكر. قضيت لتوي ليلتي الثانية دون نوم فوق سطح البناء، محافظاً على التغطية مع عدسات بعيدة المدى مركزة باتجاه الطائرة المختطفة. تجرأت مجموعة من العمال الباكستانيين وهم في طريقهم إلى العمل بالصعود إلى السطح لإلقاء نظرة على الطائرة. كانت سبل المتعة بالنسبة للعمال المهاجرين محدودة في الإمارات. طلب أحد الباكستانيين، المبتعدين عن المجموعة، السماح له بالنظر عبر آلة تصويري. بعد إلقاء نظرة سريعة عبر عدسات التصوير، استدار باتجاهي وقال بلهجته الإيقاعية: ” هذه الآلة ليست بآلة تصوير جيدة. لا تستطيع رؤية داخل الطائرة. ”
* * *
انهارت المفاوضات في اليوم الثالث واقلعت الطائرة إلى عدن، فيما كان اليمن الجنوبي حينها. اتخذت قراري باللحاق بالطائرة الألمانية، والتحق معي ثلاثين صحفياً آخر، وركبنا طائرة بوينغ 707 من طائرات شركة الطيران الكويتية. كنت قد قضيت حتى ذلك الحين أربع ليال متواصلة دون نوم.
قتل الخاطفون في عدن قائد الطائرة، ورموا بجثته فوق الاسفلت، وأجبروا مساعد ربان الطائرة على الإقلاع باتجاه مقديشو، في الصومال.
أصبح من الصعب الإقرار فيما إذا كانت الطائرة سوف تستمر بالتجوال حول مطارات الشرق الأوسط، أو الانتقال إلى أوروبا، أو حتى العودة إلى الخليج. قرر بعضنا متابعتها، أما الآخرون فقد ملّوا المطاردة. وبالمصادفة فقد كان هناك في الصومال مراسل من وكالة سيجما في باريس يقوم بتغطية احتفالات الصومال باستقلالها. لهذا فقد أخترت أن أتوجه إلى أبو ظبي حيث كانت أختي شيرلي تقيم هناك، وأنتظر لربما عادت الطائرة إلى المنطقة.
اتصلت بشيرلي هاتفياً وطلبت منها ” استضافتي “. تتطلب القوانين تأشيرة الدخول والهجرة في الإمارات العربية المتحدة، مثلها في ذلك مثل دول الخليج العربي، أن يكون لديك تأشيرة دخول صالحة على جواز سفرك، أو أن يكون لك مضيف ينتظرك في المطار، على أن يكون هذا المضيف مقيماً بشكل شرعي في البلد ويجب أن يوجد شخصياً في المطار، ليتيح لك الدخول إلى البلد. كان دخولنا السابق إلى الإمارات أمراً استثنائياً نادر الحدوث.
قضيت ليلتي الخامسة دون نوم على متن الطائرة المتجهة إلى أبو ظبي. عند هذا الحد لم أكن استطيع الوقوف إلا بصعوبة. كان الوقت قد قارب منتصف الليل وكنا على بعد عشر دقائق من أبو ظبي. تمكنت من رؤية ألسنة اللهب المتصاعدة من مصافي النفط المشتعلة في الليل. ظهرت في الأسفل أضواء المدينة، وبدأت أفكر كم هو جميل أن يزحف المرء إلى فراش ويخلد إلى ما يحتاجه من النوم.
غفوت لما طننت أنه مجرد خمس دقائق. صحوت لأجد صينية من الطعام أمامي. وبما أنني كنت قد تجاوزت العديد من وجبات الطعام خلال الأيام الخمسة الأخيرة، فقد كان رد فعلي الأول هو أن أزدرد الطعام كله. كنت ميتاً من الجوع، حتى أن طعام خطوط الطيران المعلب في علب بلاستيكية بدا لذيذاً. ولكن مع اللقيمات الأولى أحسـست بشيء من الرعب. فإذا ما كنا على بعد عشر دقائق فقط من أبو ظبي وقد غفوت لمدة خمس دقائق، حسب ما طننت، فلماذا يقدمون الطعام قبل خمس دقائق من الهبوط؟ نظرت إلى ساعتي. كانت الساعة الثالثة والنصف صباحاً!
استدرت نحو المسافر الذي يجلس إلى جانبي، وكان رجلاً صينياً طويل القامة يسافر مع فريق كرة سلة من تايوان، وسألته إذا ما كنا قد هبطنا في أبو ظبي. لم يكن الرجل يتحدث الكثير من الإنكليزية.
أجاب رفيقي الصيني مبتسماً: ” آه. نعم ” وأشار بيديه كطفل يقلد الطائرة ” نزلت الطائرة ” ثم تابع ” وصعدت الطائرة “.
اكتشقت أنني قد فقدت محطتي! دققت جرس المضيفة وسألت إلى أين تتجه الطائرة.
أجابتني: ” كراتشي “.
كدت أن يغمى علي. خمس ليال دون نوم، وخمسة أيام دون حمام، وأنا الآن أتجه إلى باكستان.
هتفت قائلة: ” أوه، أنت هو ذاك، علمنا أن هناك شخصاً! إضافياً على متن الطائرة، أيقظنا عدداً من المسافرين. وحسمنا الأمر وأقلعنا “.
كان قائد الطائرة قد استبدل وأكد لي بسرعة أن الطائرة سوف تعود إلى أبو ظبي بعد توقف قصير في كراتشي. وأضاف أن بإمكاني العودة طائراً دون أجرة إضافية.
قال القبطان ملوحاً بذراعه بالهواء: ” ليست هناك من مشكلة. ” أعرف أنني متورط في مشكلة. فمواهبي وتجربتي الماضية علمتني أن هذه هي النقطة التي تبدأ فيها المشاكل عادة عندما يخبرك أحدهم ” ليست هناك من مشكلة”.
كانت ورطتي الآن في دخول أبو ظبي دون وجود مضيفي. كانت أختي تتوقع وصولي في منتصف الليل. لابد أنها قد عادت إلى منزلها عندما لم أظهر.
واجهت، عند هبوطي، ضابط هجرة أصابه التشوش.
سأل: ” من أين أتيت لتوك؟ ”
أجبت: ” من كراتشي “.
” لكن بطاقتك تشير إلى المقطع من الكويت إلى أبو ظبي، وهي الطائرة التي وصلت ليلة البارحة “.
أجبت: ” هذا صحيح. أنت ترى بأنني صحفي. أتيت من بيروت إلى دبي لتغطية طائرة اللوفتهانزا المختطفة. عندما أقلعت الطائرة باتجاه عدن ذهبت إلى الكويت وعندها …. ”
سمح لي ضابط الهجرة، وقد أصابه الارتباك، بأن أجري اتصالاً هاتفياً. أكدت لأختي غير المصدقة أنني قد وصلت فعلاً إلى أبو ظبي. توسلت لها: ” أرجوك، تعالي وخذيني قبل أن تقلع الطائرة إلى الكويت ثانية. ”
يتطلب القانون أنه إذا لم تدخل البلد بشكل شرعي إلى البلد، فإنه عليك أن تغادر على متن نفس الطائرة التي أتت بك. هذا يعني أنني كنت على وشك أن أطير إلى الكويت.
وبما أنه ليست لدي تأشيرة دخول إلى الكويت أيضاً، فإنهم سوف يعيدونني إلى أبو ظبي، حيث سأُعاد إلى الكويت. كانت لدي تلك الرؤية المرعبة من الطرد ذهاباً وعودة بين إمارات الخليج خلال الشهور القليلة القادمة.
أخذت حماماً، في منزل شيرلي، وتناولت قسطاً آخر من الراحة التي كنت بحاجة ماسة لها. عندما استيقظت أخيراً من نوم عميق لمدة يوم ونصف اليوم، وجدت أن مجلة ( التايم ) قد استخدمت إحدى صوري على غلافها لتلخص قصة الاختطاف. عدت إلى منزل أختي، بعد أن تناولت نسخة من كشك لبيع الصحف، مبتهجاً بفخر وأريت أختي ثمرة عمل اسبوع مجهد.
قالت شيرلي: ” صفقة رابحة. الطائرة لم تكن تتحرك وكانت تلمع وتشع تحت الشمس. لا أدري كيف كان يمكن لك أن تضيع مثل هذه اللقطة. ”
كان الاختطاف قد انتهى أخيراً في مقاديشو. حدد الخاطفون موعداً نهائياً، هددوا بعده بقتل رهائنهم. انقضت على الطائرة فرقة كوماندوس ألمانية غربية ، قبل انتهاء المدة المحددة بتسعين دقيقة. قتلت النخبة من مجموعات الجنود أربعاً من الإرهابيين الخمسة وحررت جميع الرهائن. جُرحت الإرهابية الخامسة, وكانت امرأة، واعُتقلت. استغرقت عملية الانقاذ بمجملها خمس دقائق لا أكثر.
بعد أربع سنوات من قصة اللوفتهانزا، ركزت عملية اختطاف أخرى انتباه العالم على الشرق الأوسط. كان قراصنة جوٍ باكستانيون يطلبون تحرير العديد من أقاربهم، بمن فيهم السيدة نصرة بوتو، أرملة ذو الفقار علي بوتو، رئيس الوزراء الباكستان الأسبق، الذي شُنق في نيسان 1979 على يد الجنرال محمد ضياء الحق. كان المنشقون قد زُجوا في السجون خلال الإضطرابات السياسية الجارية حينها في كراتشي. ادعى السيد مرتضى بوتو، أبن علي بوتو، أن الخاطفين كانوا أعضاء في منظمته التي التزمت بالعنف في صراعها لطرد الجنرال ضياء. كان بوتو الشاب ينشد أيضاً الانتقام لإعدام والده.
(يتبع)
الحلقة الخامسة عشرة: الفصل الثامن (المختطفون 2/2)



