يروي الشاعر اللبناني جوزيف عيساوي أن هناك من همس للرئيس اللبناني كميل شمعون حول ضرورة ترسيخ هوية وطنية للفن تشكل جزءا من الهوية الوطنية الحضارية للبنان. وتفيد الرواية أن شمعون اقتنع بفكرة أن الأغنية الإبداعية لها دور مهم في بث الروح في هوية الفن الوطنية. وهذا ما دفعه للعمل على ترسيخ فيروز والرحابنة مع وديع الصافي إضافة لصباح كمعتمدين لتمثيل الأغنية الإبداعية اللبنانية، وكتعبير عن الهوية الوطنية للفن. وهناك من يرى أن الرئيس شمعون وكثر من النخبة اللبنانية رأوا أن مصر عبد الناصر اعتمدت أم كلثوم وعبد الحليم حافظ كممثلين للأغنية الإبداعية المصرية المساهمة في بناء الهوية الوطنية المصرية. وربما أراد شمعون والنخبة اللبنانية أن تكون أغنية فيروز ووديع الصافي وصباح تعبيرا عن الهوية الفنية الوطنية اللبنانية مقابل الأغنية المصرية لأم كلثوم وعبد الحليم. وبذلك حضرت الهوية الفنية الوطنية اللبنانية على الساحة العربية كجزء أساسي من الهوية الحضارية الوطنية اللبنانية.
فيروز المعبرة عن الفن الرحباني، وبسبب انفتاح الرحابنة على إبداعات لبنانية عريقة مثل شعر سعيد عقل وطلال حيدر وجوزيف حرب والتفاعل معها. كما أن الفن الرحباني استوعب الحان فيلمون وهبي وزكي ناصيف ومحمد عبد الوهاب. وأولا وقبل كل هذا أو معه، كان لاستيعاب الرحابنة لفلسفات مشرقية عديدة إضافة للمسيحية السورية وللفكر القومي السوري، كل ذلك رسخ ونشر وطور وعمم فيروز والأغنية الرحبانية التي صدحت بها فيروز وجعلها هوية حضارية فنية ليس للبنان فقط بل امتدت لتعبر عن هوية بلاد الشام الحضارية الوطنية بشكل عميق. ما أراده شمعون هوية فنية للبنان وسعه إبداع الرحابنة وشركائهم ليعبر عن الهوية الفنية لبلاد الشام كروح عربية حضارية.
رغم قوة حضور أغنية صباح فخري الكلاسيكية في سوريا، ورغم تعبير هذه الأغنية عن جزء من الهوية الوطنية السورية، إلا أن حداثة الأغنية الفيروزية الرحبانية المسكونة بجذور سوريا عريقة والفواحة بحضارية تشع بمستقبل عصري أكثر تقدما وتطورا، كل ذلك جعل الأغنية الفيروزية الرحبانية تطغى على الساحة السورية، وتعوض عوزها لأغنية تعبر عن هويتها الفنية الوطنية العصرية والحديثة بتطلعها والأصلية بجذورها. ولا يحتاج المتابع لكثير جهد ليلمس مدى قوة حضور هذه الأغنية الفيروزية في الذائقة السورية. ويكفي أن نتذكر كيف كان الجمهور السوري يؤدي مسرحية ميس ريم غناءا وحوارا في آخر حفلة قدمتها فيروز في دار الأوبرا بدمشق. كان الجمهور يسبق فيروز و فرقتها في ترداد المسرحية وأغنياتها وحوارها. كان الجمهور يردد المسرحية وكأنها صلاة يحفظها عن ظهر قلب. وهل أقوى من هذا الارتباط العفوي بين الجمهور السوري والأغنية الفيروزية الرحبانية تعبيرا عن الهوية الوطنية الفنية السورية. هي هوية متعشقة بضمير الإنسان وروحه. من هنا قوة حضاريتها كهوية ابداعية للسوريين.
ربما من الإنصاف ذكر أن الدراما التلفزيونية السورية تشكل ملامح من هوية فنية وطنية سورية، خاصة في دراما تسعينات القرن الماضي، وبعض دراما السنوات العشر الأوائل من القرن الحادي والعشرين. لاسيما أن هذه الدراما كانت تعبر عن قضايا المجتمع وأفكار العصر وتطلعات الإنسان. لذلك وصفها منتج عربي كبير أنها (دراما صاحبة ضمير) وطني وإنساني. لكن بعدما دفعت فنية الدراما السورية لتستغل في إنتاج أعمال التسلية المرئية القائمة على الصراعات المفبركة ومعارك القبضايات الوهمية، وقصص الحب المتوهمة. وبعدما غزت أساليب الدراما السطحية المستوردة من أسخف أنواع الدراما التركية. وبعد ما استهلكت الدراما السورية في الأعمال المعربة عن التركية أو الأرجنتينية وغيرها، أو الغارقة في تقليد أعمال أجنبية. وبعد ما طغى أسلوب تكريس وخدمة البطل النجم في الدراما بدل خدمة الفكرة الدرامية المطروحة. بعد كل ذلك لم تعد هذه الدراما سورية كهوية فنية خالصة بل صارت هوية فنية مشوبة أو معكرة بهوية دراما تركية سطحية، أو أجنبية سخيفة، أو مصرية ساذجة. كل ذلك جرى بسبب الهوس التجاري الغبي في تلبية حاجات قنوات تجارية. أو خضوعا لشركات إنتاج أرادت استثمار الإبداع الدرامي سوري في أعمال التسلية السطحية الرائجة من دراما القتال والبطولات الفردية سواء في الحب أو الاجرام أو العواطف الزائفة والمصطنعة. ورغم كل ذلك ما زالت الدراما السورية بعناصرها الإبداعية الفنية الأصيلة قادرة على تشكيل هوية فنية وطنية سورية. خاصة إذا استعاد صناعها اهتمامهم بقضايا الإنسان السوري والعربي بدلا من استثمار النجوم لتصنيع بطولات تكرسهم كماركات إعلانية لتسويق السطحية والتفاهة.
الهوية الفنية الوطنية ضرورة ثقافية إبداعية حضارية لأي بلد. والأغنية الفيروزية الرحبانية شكلت جوهر ونبض الهوية الفنية الوطنية لا للبنان فقط بل لبلاد الشام عموما وخاصة لسوريا التي لابد أن تستعيد معنى وجوهر الدراما التلفزيونية بإبداع يساهم في ابتكار الهوية الفنية الوطنية السورية الأصيلة والأصلية والحاملة لكل امكانيات الحداثة والارتقاء. وهذا ما يجعل من البحث عن الهوية الفنية الحضارية الوطنية مهمة وطنية ملحة لتحصين الهوية الوطنية عبر تحديثها المستمر والارتقاء بها بشكل مستدام. لا بد من البحث عما يعبر عن جوهرنا الحضاري بالأغنية او الدراما او الرواية او ابتكار الحلول والأفكار بشكل يحترم بروحنا الوطنية الأصيلة والمتطلعة باستمرار للحداثة والارتقاء. لا بد من البحث ولا بد من العمل، وهذه مسؤولية النخب ان وجدت!
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



