
قال الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب إنّ نتنياهو طلب عقد اجتماعٍ معه في البيت الأبيض، مشيرًا إلى أنّ اللقاء قد يعقد في وقت مبكر من الأسبوع المقبل بعد عودته من قمة (الناتو). وأوضح ترامب في تصريحٍ لموقع (أكسيوس): “علاقتنا جيّدة جدًا. ونتنياهو يعرف مَنْ هو الزعيم”.
يرى الخبراء في كلٍّ من واشنطن وتل أبيب أنّ العلاقة الأمريكيّة الإسرائيليّة لا تتجّه نحو “نزاعِ إستراتيجيٍّ” يؤدي للقطيعة، بل نحو “علاقةٍ مشروطةٍ ومحسوبةٍ”، لافتين في الوقت عينه إلى أنّ إسرائيل تدرك أنّ الدعم الأمريكيّ لم يعد شيكًا على بياضٍ بالكامل، وواشنطن تدرك أنّ الضغط الزائد قد يدفع إسرائيل للتصرف بشكلٍ أحاديٍّ وأكثر خطورةً، في إشارةٍ واضحةٍ لاستخدام الأسلحة النوويّة، والنتيجة هي استمرار دوامة “التوتر التكتيكيّ المستدام” دون كسر الجرّة الإستراتيجيّة.
وطبقًا لهم، ما نراه الآن بين واشنطن وتل أبيب ليس “قطيعة إستراتيجية”، بل هو “فرض كوابح أمريكية خشنة”. إدارة ترامب تضع حدًا واضحًا لسياسة “الحرب المفتوحة” التي يفضلها نتنياهو، وتسعى لفرض رؤيتها القائمة على الدمج الاقتصاديّ والصفقات الكبرى في المنطقة، ممّا يضع الحكومة الإسرائيليّة في مأزقٍ حقيقيٍّ بين ضغوط واشنطن العنيفة والحسابات السياسيّة الداخليّة في الكيان.
كما أنّ مسألة تحول الخلاف التكتيكيّ إلى نزاعٍ إستراتيجيٍّ، يمس جوهر التحالف وأمن إسرائيل وجوديًا هي واحدة من أكثر القضايا نقاشًا في أروقة السياسة الدولية، وأشار الخبراء إلى أنّ العلاقات قد تشهد تآكلاً تدريجيًا أوْ إعادة تعريف، لكن من الصعب جدًا أنْ تتحول إلى نزاعٍ إستراتيجيٍّ كاملٍ، أيْ قطيعة أوْ عداء.
وهناك 3 ملفات أساسية قد تدفع باتجاه تحوّل النزاع إلى إستراتيجيٍّ: واشنطن تنظر إلى الشرق الأوسط من منظورٍ عالميٍّ (التنافس مع الصين، الموقف من روسيا، وتجنب الانجرار إلى حروبٍ إقليميّةٍ شاملةٍ ومكلفةٍ تستنزف اقتصادها. في المقابل، تتحرك إسرائيل بناءً على حسابات التهديد الوجوديّ الفوريّ والمحليّ، وإذا أصرت إسرائيل على مسارات تجبر واشنطن على التورط العسكريّ المباشر رغمًا عنها، فإنّ هذا يمس صلب الإستراتيجيّة الأمريكيّة العليا.
العامل الثاني، يكمن في الترتيبات السياسيّة لليوم التالي، الخلاف حول مستقبل قطاع غزة، وإدارة الضفة الغربية، وحلّ الدولتين. والثالث، الدعم الحديديّ لإسرائيل لم يعد محل إجماعٍ مطلقٍ داخل القواعد الشبابيّة للحزب الديمقراطيّ، وحتى بعض التيارات القوميّة في الحزب الجمهوري بدأت تتبنى مبدأ (أمريكا أولاً) وتتساءل عن جدوى التحمل اللامتناهي لأعباء حلفاءٍ خارجيين دون كوابحٍ.
ولكن يبقى السؤال: لماذا يصعب حدوث نزاعٍ إستراتيجيٍّ بينهما؟، فرغم التوترات وتصريحات الإدارة الأمريكيّة المتكررة التي تنتقد أحيانًا السلوك الميدانيّ أوْ غياب الخطط السياسيّة، تظل هناك (شبكة أمان) تمنع انهيار التحالف، تتمثّل في المأسسة العسكرية والاستخباراتية، فالتحالف ليس مجرد توافقٍ بين رئيسٍ أمريكيٍّ ورئيس وزراءٍ إسرائيليٍّ، بل هو بروتوكولات ممتدة وعميقة جدًا بين البنتاغون والأجهزة الأمنية الإسرائيليّة، والتعاون الاستخباراتيّ ومبيعات الأسلحة ومذكرات التفاهم العشرية (مثل الممتدة حتى 2028)، تمثل بنيةً تحتيّةً صلبةً يصعب تفكيكها.
ويؤكِّد الخبراء أنّ مراكز صنع القرار في واشنطن لا تزال ترى في إسرائيل “الأصل الإستراتيجيّ الأهّم” والحليف الأكثر موثوقيةً في منطقةٍ مضطربةٍ، وهو أمر يتجاوز الخلافات مع أيّ حكومةٍ يمينيّةٍ أوْ يساريّةٍ في تل أبيب.
كما أنّ التوترات الأخيرة لم تعد تدور خلف الكواليس، بل انعكست في تسريباتٍ وتقارير دبلوماسيّةٍ أظهرت غضبًا حادًا من البيت الأبيض تجاه السلوك الميدانيّ الإسرائيليّ، مثل التصعيد في الجبهات المجاورة، إذْ تعتبر واشنطن أنّ استمرار العمليات العسكرية الكثيفة والضربات المتتالية في لبنان يُهدِّد بشكلٍ مباشرٍ مسار المفاوضات الإستراتيجيّة والتفاهمات التي تسعى واشنطن لإبرامها مع أطرافٍ إقليميّةٍ لإنهاء الصراع.
بالإضافة إلى ذلك، نُقل عن ترامب في اتصالاته المباشرة استخدام لغةٍ شديدة الصرامة مع نتنياهو (مكالمات الشتائم) للضغط من أجل وقف تدمير البنية التحتية، مصحوبة بتذكيرٍ دائمٍ من الإدارة الأمريكيّة (ومن نائب الرئيس جي دي فانس) بأنّ الولايات المتحدة هي الحليف الأخير المتبقي لإسرائيل في الساحة الدوليّة، وبالتالي لا يمكن لإسرائيل التصرف بانفراديةٍ تامّةٍ دون مراعاة المصالح الأمريكيّة العليا.
والسؤال الذي يبقى مطروحًا: هل يتطور الخلاف التكتيكيّ بينهما إلى نزاعٍ إستراتيجيٍّ؟ وفي هذه القضية يؤكِّد الخبراء أنّه “رغم حدّة الخلاف وحالة الإحباط الشخصيّ المتبادل بين القائدين، فإنّ العلاقة تُعاد صياغتها كالتالي، تآكل الحصانة المطلقة، فلم يعد الدعم الأمريكيّ أوتوماتيكيًا ومضمونًا تحت أيّ ظرفٍ، وأثبتت إدارة ترامب أنّها مستعدة للضغط المباشر والعلنيّ على إسرائيل إذا تقاطعت العمليات الإسرائيليّة مع أهداف واشنطن الاقتصاديّة والسياسيّة”، طبقًا لأقوالها.
أمّا فيما يتعلّق ببقاء الهيكل الإستراتيجيّ، فإنّه حتى مع هذا الشرخ الواضح، يظلّ التعاون في ملفات الردع الأساسيّة ومبيعات السلاح قائمًا، لأنّ الأمن القوميّ الأمريكيّ لا يزال يرى في تفكيك القدرات البالستيّة والنوويّة لخصومه مصلحةً مشتركةً، والحديث هنا عن إيران.
وتأتي هذه التحليلات وسط تقارير عن تزايد تشكك ومخاوف المقربين من ترامب تجاه أداء نتنياهو في الأشهر التي تلت اجتماعهما في فبراير الماضي، ونقل موقع (إكسيوس) عن مسؤولٍ أمريكيٍّ قوله: “يعتقد العديد من أقرب مستشاري ترامب أنّ نتنياهو كان مخطئا في كلّ شيءٍ”.
وكان ترامب قد انتقد نتنياهو بشدةٍ الشهر الماضي خلال مكالمةٍ هاتفيّةٍ على خلفية التصعيد العسكريّ الإسرائيلي في لبنان، حيث وصفه بـ “المجنون” واتهمه بـ “الجحود”.
صحيفة رأي اليوم الألكترونية



