يمكن القول: إنّ الحاجة إلى الوعي تشتدّ في أزمنة الحروب والكوارث، حيث يتحوّل من مجرّد قيمة معرفيّة إلى ضرورة وجودية ترتبط بالبقاء، بل إلى ما يشبه السلاح الذي يحمي المجتمعات من الانكسار النفسي والتضليل. ولا تقتصر الخسائر في مثل هذه الظروف على الجانب المادي، بل تمتد إلى مستويات معنوية أشد إيلاماً، وهنا تبرز أهمية هذا الوعي في إعادة توجيه الألم نحو أفق من التعافي والنهوض.
وهنا يغدو التمسك بالهوية الوطنية والذاكرة الجماعية ضرورة ملحّة في مواجهة محاولات الطمس والتشويه، غير أن هذا المستوى من الإدراك لا يتشكل تلقائيًا ولا مصادفة، وإنّما يرتبط بطبيعة الأسس التي يُبنى عليها. فالمعرفة على أهميتها لا تكفي بذاتها، ما لم تتحول إلى قدرة نقدية تمكّن الفرد من قراءة الواقع وتحدّياته بوعي ومنهجية، والتمييز بين الحقيقة والدعاية، بين الواقع والافتراض، وبين المعلومة والتكرار الأعمى، وهو ما أشار إليه المفكر المغربي محمد عابد الجابري.
أما غياب ذلك فإنه يجعل المواطنين أدوات تخدم العدو في تحقيق أهدافه، وبخاصّة في زمن الذكاء الاصطناعي والاشتغال على الخوارزميات والتحليل الاستباقي الاستشرافي وإدارة البيانات ببراعة لا مثيل لها، وهنا تظهر الحاجة بشكلٍ أكبر إلى الوعي بعيدًا عن الخوف الذي يمكن أن يسيطر على الإنسان ويتمكن من عقله وقلبه إلى درجة أن تقييده عن أي فعل أحيانًا وخاصة مع تدافع وتزاحم الخسائر والضربات التي تصيب بلده وشعبه، وإذا كان من الطبيعي أن يصاب الإنسان بالخوف في هكذا لحظات، فمن غير الطبيعي أن يتحكم هذا الخوف من صاحبه ويؤدي إلى غياب الإدراك، بدلاً من أن يكون دافعًا له يجنّب الإنسان الشلل الفكريّ والتردّي الأخلاقي. ولعل هذا يتقاطع بشكل أو بآخر مع مفهوم “الاستحمار” الذي تحدث عنه علي شريعتي، حيث قسمه إلى قسمين أساسيين: الاستحمار المباشر: والذي يقوم وفق رؤيته على تجميد الأذهان، والجهل والضلال والانحراف. والاستحمار غير المباشر، وهو عبارة عن إلهاء الأذهان بالحقوق الجزئية لتنشغل عن المطالبة أو التفكير بالحقوق الأساسية الكبرى، وأول خطوات الاستحمار تتمثل في الاستنزاف وتعني استنزاف الوعي، أو سلبه، ليسلب الإنسان كإنسان، ولايبقى بعدها ذو خطر، أو فائدة، سواء كان مواطناً عادياً، أم عالماً أم مثقفاً أم فيلسوفاً.
صحيح أن الأزمات والحروب يمكن أن تؤثر كثيرًا في الناس ويصيبهم بالحزن والألم والانكسار، إلا أن إدراكهم بذواتهم وأدوارهم في مجتمعاتهم هو الذي يمنع النفوس من الدمار، بل إنه يجعل من الحزن فرصة للنمو والتحول الإيجابي والنمو حتى من بين الأنقاض والخراب، ولعل هذا ما أكد عليه العظماء من المفكرين والأدباء والفلاسفة، ومنهم جلال الدين الرومي حين قال: “إن كان قلبك قد أصابه الحزن، فلا تبك، ابحث عن نفسك في ذلك الحزن، ستجد أن الكنوز التي تحتاجها قد رُميت في داخلك” وهذا يتقاطع تمامًا مع مقولته الخالدة “حيث يوجد الخراب، هناك أمل في كنز”.
ولعل التأمل في التجربة اليابانية يكشف أن النهوض بعد الكوارث لا يكمن في التقدم التكنولوجي وحده، قدر ما يرتكز أيضًا على بنية وعيٍ جمعيٍّ يعيد تنظيم العلاقة بين الإنسان وقيمه ومجتمعه. فبعد الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك ما حدث في هيروشيما وناغازاكي، لم يكن التعافي مرتكزاً على الاستجابة للتكنولوجيا فحسب ، بل كان مسارًا طويلًا من إعادة بناء الإنسان ذاته.
وقد تجلّى ذلك في التركيز على التربية الأخلاقية في المدارس، لتعزيز الانضباط، وترسيخ حسّ المسؤولية الفردية داخل المجتمع. كما أن العزلة اليابانية الطوعية التي حدثت بعد الفاجعة ساهمت بعد وقتٍ قصير في جعل الانفتاح على العالم مدروساً، يستوعب المعرفة والتكنولوجيا مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية، بعيداً عن الذوبان في الثقافات الأخرى.
وهنا يمكن فهم استدعاء فلسفة “البوشيدو” كتعبيرٍ عن منظومة قيم تؤكد على الشرف والانضباط والالتزام، وهي تعني “طريق المحارب” وهو طريق الوعي والحكمة، وتمثّل ميثاقاً أخلاقيّاً وروحيّاً يابانيّاً، شكّل أسلوب حياة محاربي الساموراي، وهو يقوم على مبادئ الولاء المطلق، الشرف، الشجاعة، الرحمة، والنزاهة. وقد تمّ تطويره في فترة إيدو (1603-1867) متأثراً بالزن البوذي والكونفوشيوسية، ويهدف إلى إعداد المحارب لمواجهة الموت بكرامة والالتزام بفضائل أخلاقية صارمة.
فكان مثالًا على دور القيم في تشكيل وعيٍ قادر على تحويل الهزيمة إلى طريقٍ للنهوض.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة


