من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء
صحافي في الشرق الأوسط

تأليف: كلود صالحاني ترجمة: نضال بديع بغدادي
الحلقة الثانية
الفصل الأول
الحرب في سورية
إنني أمقت الحرب. إنها تفسد الجيوش. دوق قنسطنتين روسيا العظيم.
انتشرت أخبار الحرب كالنار في الهشيم! ” استعاد السوريون مرتفعات الجولان وعبر الجيش المصري لتوه قناة السويس مخترقاً حاجز بارليف ” هذا ما أعلنه نادل في حانة الحدودة (HORSESHOE). تدافع نصف زبائن المقهى الدائمين إلى الهواتف ليتصلوا برؤساء تحرير صحفهم.
أشعلت تقارير الهجوم المفاجئ للعرب والنصر الأول ضد اسرائيل بيروت عصر ذلك السبت. كان العالم مأخوذاً بالدهشة بينما انطلقت فرق الجنود المصريين والسوريين في هجوم غير مسبوق ضد اسرائيل في السادس من تشرين الأول عام 1973. كان الشرق الأوسط مدفوعاً إلى الحرب الرابعة بين العرب واسرائيل كما هي الحال في عقود كثيرة.
بعد عمل استمر ثلاث سنوات مع سام، تركته لألتحق بوكالة سيجما (SYGMA) ، وكانت وكالة تصوير فرنسية مؤسـسة حديثاً. قدمت سيجما إمكانية نشر الصور في أكثر المجلات أهمية في العالم وكان الأجر أكثر سخاءً. حصلت على نصف قيمة أي شيء قامت الوكالة ببيعه من أعمالي. كما قامت سيجما بتسديد نصف تكاليفي أيضاً. كان ذلك قفزة هائلة إلى الأمام بالنسبة لراتب الخمسين دولار في الشهر. حصلت على ميزة إضافية أخرى كانت عبارة عن مهمات من مجلات كبيرة مثل التايم ونيوزويك التي دفعت مبلغ 350 دولاراً في اليوم إضافة إلى التكاليف. منحتني سيجما كمؤسـسة عالمية لبيع مواد النشر فرصة لنشر الصور حول العالم وتحقيق مستوى معيشي جيد من وراء ذلك. من الطبيعي أنه كلما عملت أكثر وكان عملك أفضل وكان دخلك أكثر.
أوكل المحرر لي مهمة تغطية الحرب من الجبهة السورية. توجهت إلى دمشق خلال ساعة واحدة. كانت الطريق التي تربط بيروت بالعاصمة السورية مكتظة بمئات الشاحنات العسكرية تحمل فدائيين فلسطينيين مسلحين باتجاه الخطوط الأمامية للجبهة. عاد ذلك الإحساس بجفاف الفم وتعرق اليدين.
كان معظم الفدائيين في العشرينات من أعمارهم. كانوا يرتدون الكوفيات التقليدية ويحملون البنادق السوفيتية الصنع من نوع AK – 47 . لوحوا بسعادة ورفعوا شارة النصر العالمية ” V “. كانت تلك هي الحرب التي كانوا ينتظرونها. أطلقت الجيوش العربية أخيراً الطلقة الأولى بعد أعوام من الخطابة. اعتقد المقاتلون الشبان المبتهجون أنهم كانوا على وشك المساعدة في تحرير ” أرضهم المحتلة “. وبما أنهم لم يختبروا المعركة، لم يستطيعوا أن يلاحظوا أنهم وببساطة كانوا وقوداً لمدافعها، وبطريقهم إلى مقتلهم. كانوا بيادق فوق رقعة شطرنج كبيرة مخدوعين بالسياسيين الذين لن يخسروا نوم ليلة من أجل قدرهم.
بدأ الحقد بين اليهود والعرب قبل وقت طويل من تأسيس دولة اسرائيل. فقد ازداد التباعد بين الجانبين مع تزايد هرب الآلاف من اليهود الأوروبيين من معسكرات الموت والاضطهاد في أوروبا ليستوطنوا في فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني وباستمرار وصول اللاجئين اليهود عن طريق البحر، تزايد تكرار الصدامات مع العرب الفلسطينيين وفشلت محاولة بريطانيا تجنب اليهود.
أعلنت اسرائيل استقلالها بتاريخ 14 أيار عام 1948 مباشرة بعد تصويت الجمعية العمومية للأمم المتحدة على تقسيم فلسطين إلى دولتين منفصلتين واحدة عربية وأخرى يهودية. وفور تصويت الأمم المتحدة، قامت الدول العربية المجاورة لاسرائيل بهجوم. فقد قامت كل من مصر وسورية والأردن ولبنان والعراق والمملكة العربية السعودية بإطلاق قواتها ضد الاسرائيليين الذين يفوقونهم عدداً بشكل كبير.
وعلى الرغم من أن العرب قد ” أقسموا على رمي اليهود في البحر “، إلا أن جيوشهم كانت مجهزة بشكل سيء ومشتتة بشكل رهيب ودون قيادة مركزية. أما اسرائيل من جانب آخر فقد كانت تقاتل من أجل وجودها. لم يكن لدى اليهود، الذين هرب العديد منهم من معسكرات الموت النازية في أوروبا، مكان للهرب. أبدت الهجانة، وهي جيش اسرائيل حديث التشكيل، مقاومة هائلة. نجح الاسرائيليون في صد العرب وحتى في احتلال أرض إضافية أكثر مما كانت الأمم المتحدة قد خصصته لها مبدئياً. انطلق آلاف الفلسطينيين على طريق المنفى. كان العديد منهم مدفوعين بالخوف، بينما شجعت الآخرين الدعاية العربية القائلة: ” غادروا وبذلك تتمكن الجيوش العربية المهاجمة من القتال دون خوف من إيذاء إخواننا العرب “. وُعِدَ الفلسطينيون بنصر سريع. آمن العديد بأنهم سوف يعودون خلال أيام. وقضى التاريخ بغير ذلك. كانت اسرائيل قد ولدت، وكان الفلسطينيون قد أبعدوا إلى المنفى.
في الحرب الثانية، أطلقت اسرائيل وبريطانيا وفرنسة حملة في عام 1956 ضد مصر بعدما أمم جمال عبد الناصر قناة السويس, استولى الحلفاء على الممر المائي لكنهم أجبروا على الانسحاب تحت ضغط شديد من الولايات المتحدة.
أتت الحرب العربية ـ الاسرائيلية الثالثة في حزيران 1967، بعدما قام ناصر، الذي كان ما زال يشعر بالغضب من قضية السويس، بحظر مرور كل السفن الاسرائيلية عبر مضائق تيران الاستراتيجية. خنقت هذه الخطوة ميناء إيلات الاسرائيلي الواقع على خليج العقبة. أطلقت اسرائيل ضربة وقائية ضد مصر وسورية والأردن. وخلال ستة أيام من العقاب الشديد، ضاعفت اسرائيل من مساحة أراضيها باستيلائها على قطاع غزة وكامل شبه جزيرة سيناء من مصر. ثم استولى الاسرائيليون بعدئذ على الضفة الغربية من الأردن بما فيها القدس الشرقية، وبقتال التحامي عنيف استولوا أيضاً على مرتفعات الجولان الاستراتيجية من سورية.
ليس هناك أي شيء سهل في الشرق الأوسط، فحتى اسم صراع عام 1973 كان موضع خلاف. لقد عرف هذا الصراع في العالم العربي كحرب رمضان ذلك لأن الحرب اندلعت خلال ذلك الشهر المقدس لدى المسلمين، أو بحرب تشرين ( حرب اكتوبر). بينما يشير إليه الاسرائيليون بحرب يوم الغفران.
كان يعود سبب تفاجئ اسرائيل على حين غرة في الحقيقة إلى أن الهجوم انطلق في يوم عطلة اليهود الدينية وهو يوم الغفران. يعتبر يوم الغفران أكثر الأيام أهمية في التقويم اليهودي, تتوقف في هذا اليوم الحكومة الاسرائيلية تماماً. وتلغى حركة النقل. تغلق كافة المطاعم ودور السينما. حتى السيارات الخاصة لا تستعمل، بل يقوم الناس بالمشي من وإلى المعابد بغية قضاء حاجاتهم الخاصة. وفي السادس من تشرين الأول عام 1973 عاد آلاف العسكريين من الجبهة الأمامية إلى بيوتهم في إجازات للاحتفال بالصوم مع عائلاتهم.
كان العشرات من الصحفيين الذين يمثلون الصحافة الدولية ينتظرون عندما وصلت إلى الحدود اللبنانية ـ السورية. كان الموظفون السوريون يحتجزون أي شخص لعدة ساعات. كان على كل تأشيرة دخول أن تصدر من خلال وزير الإعلام في دمشق. كانت عملية بطيئة ومؤلمة. أراد السوريون الحذرون دائماً أن يتأكدوا من عدم تسلل أي جواسيس اسرائيليين متنكرين كصحفيين. كان ضباط المخابرات السورية عند الحدود ودودين وقدموا لنا الشاي الساخن والملجأ في أكواخهم بعيداً عن رياح تشرين الأول القارصة.
بلغت الساعة العاشرة ليلاً عندما سمح لنا بمتابعة المسير. كانت سورية كلها معتمة. أطفئت أنوار الشوارع. واسدلت ستائر سميكة تمنع الضوء فوق نوافذ المنازل، بينما طليت أضواء المصانع ومصابيح السيارات باللون الأزرق. وبما أننا لم نكن مجهزين لمثل هذه الحالة، فقد أمرنا أنا وزملائي بأن نقود السيارة وأنوارها مطفأة وذلك لتجنب طائرات العدو وعدم كشف الطريق. تحولت هذه الرحلة إلى دمشق بالنسبة لي إلى أن تكون الجزء الأكثر خطورة ورعباً في الحرب كاملة.
كان الطريق من نقطة حدود الجديدة إلى العاصمة السورية، مكتظاً بالجرارات والآليات العسكرية وعربات الحمير، وسيارات معدنية بدت وكأنها هاربة من ساحة خردوات. لا يمكن أن يسمح لمثل هذه السيارات بالسير على الطرقات في البلدان الغربية. كان
كان الليل مظلماً جاعلاً رؤية الطريق أو ما يسير عليه شبه مستحيلة. كانت تظهر عربة حمار فجأة على الطريق كل بضعة أميال تسير مباشرة باتجاهنا. لقد كان الوصول إلى دمشق دون مصاعب عبارة عن معجزة.
عانت دمشق في أوائل السبعينات من نقص في الفنادق الجيدة، وكان فندق أمية الكبير هو المكان الوحيد الذي يمكن الإقامة فيه. كان فندق أمية عبارة عن بناء من الأسمنت رمادي اللون متسخ الجدران، يبدو وكأنه ينتمي إلى نمط الأبنية البلغارية حين كانت بلغارية تدور في الفلك السوفيتي. ربما كان قد صممه وبناه البلغار بشكل أو بأخر. كانت سورية في السبعينات تعيش حالة حب عميق مع الكتلة الشيوعية. تسكن الفنادق مجموعة من التقنيين سوفيت وشرق أوروبيين ومستشارين وخبراء زراعيين يرتدون بذلات البوليستر المجعد رمادي اللون والمخاط بشكل رديء، تضفي على المكان منظراً أكثر كآبة. لفندق أمية بهجة موكب جنائزي يعتقد داخل سجن اتحادي. وبسبب التعتيم المفروض في الخارج فقد تم الإبقاء على الأضواء الخافتة وأسدلت ستائر سميكة فوق كل النوافذ. ومع ذلك، يبقى هذا أفضل ما بإمكان دمشق أن تقدمه.
اعتكفت في غرفتي بسبب إحساسي بالإرهاق من تلك الرحلة المدمرة للأعصاب من الحدود .. وما إن خلعت ملابسي وتسلقت سريري حتى أخذت الصفارات تمزق سكون الليل منذرة بغارة جوية. ربما كان مفهوم صفارات هو أن توقظ الموتى. بدا الصوت الصادر عنها وكأنه قد صمم ليصيبك بالرعب ويمنعك من التفكير بشكل واضح، ويستمر صوتها زمناً في رأسك بعد أن تتوقف. قفزت مرتدياً ملابسي ومنتزعاً حقيبة آلة تصويري وبدأت الجري باتجاه قاعة الاستقبال الأرضية، وهو ما كان ردة فعل طبيعي. ولكن ما كان مدعاة لدهشتي هو أنني رأيت زملائي يجرون صاعدين باتجاه سطح البناء بينما كنت أتدفع نحو أسفل السلالم.
ترددت للوهلة الأولى، لكنني تبعت الجميع كالاموس* المتجهة نحو البحر. كان السطح ممتلئاً بالمصورين والمراسلين وهم يوجهون عدساتهم وآلات تسجيلهم باتجاه السماء المظلمة، منتظرين الطائرات الاسرائيلية لتقصف دمشق! بدا الأمر وكأنه طقس وثني. لابد أنهم أصيبوا جميعاً بالجنون! لابد أنني مجنون! وعاد فجأة الإحساس بجفاف الفم وتعرق اليدين.
بدأت في مكان ما في البعيد المضادات الأرضية السورية بإطلاق قذائفها في السماء المظلمة غير المتناهية. حل عزف منفرد من الانفجارات المندفعة عبر قلب المدينة محل العويل الطويل لصافرات الإنذار. استيقظت دمشق كلها لتطرد متطفلي الليل توجّه كل سلاح في المدينة نحو السماء وكان هناك العديد منهم. اشترك آلاف من الشباب والنساء الذين شكلوا الحرس الوطني السوري في توزيع ملايين القذائف باتجاه العدو غير المرئي. كل سلاح في المدينة، من مضادات الطائرات إلى أسلحة الكلاشينكوف الروسية الصنع إلى المسدسات البسيطة، تم توجيهها إلى السماء وانطلقت بشكل متواتر. كان يمكن سماع انفجارات أعلى صوتاً بينما كانت مبارزة المدافع مستمرة في مرتفعات الجولان، على بعد ثلاثة وخمسين ميلاً من دمشق وقذائف المدفعية تتطاير. لكن معظم الجلبة في المدينة كان ناجماً عن الأسلحة الفردية، وبسبب كثافته أصيب العشرات من الناس، معظمهم من كبار السن، بأزمات قلبية وبعضهم توفي في تلك الليلة. ظن العديد من السكان أن الجيش الاسرائيلي قد دخل دمشق وأن القتال من منزل إلى منزل قد بدأ. كان هناك رعب قريب في داخل الفندق، مثلما هو الحال في أي منزل، إذ أنه لم يكن هناك أحد يعلم بالضبط ما كان يحدث أو لماذا كان إطلاق النار في الشوارع بهذه الكثافة. هذا ما حثّ إذاعة دمشق على إصدار بلاغ رسمي شديد اللهجة يطلب من الحرس الوطني الامتناع عن إطلاق النار. أصبحت تلك الليلة تعرف بليلة الرعب.
هدأت دمشق في الصباح، وحاول سكان المدينة مزاولة أعمالهم اليومية الروتينية، تقطع عليهم ذلك كل بضعة ساعات الطائرات الاسرائيلية محلقة فوق المدينة. قررت القيام بزيارة القسم الصحفي الخارجي في وزارة الإعلام السورية تنفيذاً لأمر، كان ذلك ضرورياً لكافة المراسلين الأجانب الذين يزورون دمشق. بعد انتظار طويل، حصلت على إذن مرور صحفي كانت قيمته الحقيقية الوحيدة هي السماح لي بالوصول إلى قسم الصحافة الأجنبية في الوزارة. أمرني موظفو السفارة بحذر ألا أصور المواقع ” الاستراتيجية ” يعني ذلك في سورية، كافة شوارع دمشق، وكافة التجهيزات العسكرية بما فيها سيارات الجيب, والشاحنات، والدبابات، والأسلحة الفردية، و ” الأبنية الاستراتيجية ” التي تحوي الوزارات الحكومية، والمصانع، والمصارف، والمواقع الأمنية العسكرية أو المدنية، والنوادي العسكرية، والثكنات، وكل الشخصيات الأمنية والعسكرية، حتى أولئك الذين لا يرتدون الزي العسكري الرسمي منهم.
بما أن كل شيء وكل شخص في سورية يقع ضمن أحدّ تلك التصنيفات على الأقل، لذلك فإن هناك القليل مما تبقى للصحافة الأجنبية فيما عدا الصعود إلى السطح ومراقبة السوريين والاسرائيليين يلتحمون في معارك جوية. شنت اسرائيل في بدايات الحرب العديد من الغارات الجوية على دمشق، وتم اسقاط العديد من طائرات الفانتوم الاسرائيلية. كانت تلك هي المتعة الحقيقية الوحيدة لمجموعة من الصحفيين المحبطين الذين حبسوا داخل فندق أمية.
شاهدت، خلال واحدة من تلك الغارات عصراً، في زاوية رؤية مناسبة من السطح، صاروخ أرض جو سام يضرب طائرة فانتوم اسرائيلية. قفز الطيار قبل أن تحترق الطائرة وتتمزق إلى مليون قطعة بثوان معدودات. ثم هبط ببطء باتجاه المدينة، محمولاً بمظلته الحريرية وفي الأسفل، وهذا ما رآه بوضوح لا شك فيه، تسابق الآلاف من السوريين حاملين العصي والمسدسات والأسلحة الآلية عبر الشوارع محاولين الوصول إلى المكان الذي سيهبط الطيار فيه.
بدت الجموع، من سطح فندق أمية، كرخام تدفق من حقيبة بلاستيكية. مئات ومئات من الرجال الصارخين انطلقوا عبر الشوارع، محاولين تقدير كيف ستوجه الريح الطيار سيء الحظ. اندفعوا أسفل جادة يصرخون ويلوحون بالعصي والأسلحة فوق رؤوسهم ثم انعطفوا عائدين وكأن مغناطيساً هائلاً غير مرئي قد سحبهم، ليختفوا في شوارع جانبية، وكان كل واحد منهم يحاول الوصول إلى الطيار أولاً.
رغم أن الطيار الاسرائيلي قد قام للتو بقصف دمشق إلا أنه لا يمكن للمرء إلا أن يشفق بعض الشيء عليه. حاولت تخيل أية أفكار كانت تمر في ذهنه تلك اللحظة. حينما كانت الريح تهب والطيار يبتعد، كان الجمع الذاهل يتبعه بمطاردة ساخنة. انطلقت سيارات الجيب العسكرية عبر الشوارع عازمة على الوصول إلى الطيار قبل أن يصل إليه الجمع الجامح. وأخيراً، عندما هبط على بعد عدة أبنية من الفندق، كانت الشرطة العسكرية السورية مضطرة إلى تفريق الجموع وحتى إلى إطلاق العيارات النارية في الهواء لتأمين الحماية للطيار من غضب الناس. بدا الجمع الغاضب عازماً على إعدامه من غير محاكمة.
تم التصديق أخيراً على طلبي لزيارة الجبهة بعد مرور اسبوعين طويلين ومحبطين من التسكع الممل حول فندق أمية, وشرب فنجان بعد فنجان القهوة التركية اللذيذة. انطلقت إلى مرتفعات الجولان مزوداً بمرافقة عسكرية.
غادرنا دمشق في قافلة مؤلفة من سيارتي جيب روسيتي الصنع يغطيها قماش كتاني. حذرني مرافقي الذي كان عقيداً في المخابرات العسكرية، ألا أصور أي شيء على طول الطريق.
حذر قائلاً ” لا نريد للاسرائيليين أن يعرفوا أين تكمن دباباتنا ورجالنا. فهذه حرب. ”
وصلنا إلى نقطة متقدمة في مكان ما من مرتفعات الجولان بعد مشوار طويل قطعنا معظمه على طرق طينية وسخة وغير ممهدة. لم تكن لدي في البداية أي فكرة أين كنت غير أنني ” في مكان ما على الجبهة “. كان أمر المنطقة، وهو عقيد في الجيش السوري تبدو عليه أمارات الذكاء، مسروراً باستقبال زوار ورحب بي كواحد من أصل ملكي. قدم لي السجائر الأمريكية والبسكويت اللبناني والماء. كل شيء كان هادئاً على الجبهة. وكما هي الحال غالباً في الحروب، يمل الجنود ببساطة القتال، ويتلو ذلك وقف إطلاق للنار وحياة اعتيادية قصيرة. كان البرد قارصاً، لكن الشمس لمعت أشعتها على نحو ساطع فوق هضبة الجولان كاشفة موقعاً اسرائيلياً متقدماً.
تجولت حولنا ببطء مجموعات من الجنود السوريين، يرتدي بعضهم غطاء الرأس العربي التقليدي مربوطاً حول أعناقهم كحماية إضافية من الريح، ينظفون أسلحتهم، أو يأكلون، أو يدخنون السجائر. وظل آخرون مختبئين في داخل حفر المناوشة، محاولين الحفاظ على دفئهم. كان لجميعهم نظرة زجاجية بعيدة في عيونهم. كانت تلك نظرة الجنود الذين غالباً ما تولد لديهم نتيجة القتال.
دخلنا غرفة العقيد، وهي عبارة عن غرفة محصنة مدفونة على عمق عدة أقدام تحت الأرض ومحمية بدعامات من أكياس الرمل وأكوام من التراب. عُلقت خرائط عسكرية كبيرة ومفصّلة عن القطاع فوق الجدران، وكانت هناك طاولة تعج بهواتف ميدانية تعمل يدوياً. وزينت الغرفة المعتمة صورة للرئيس حافظ الأسد.
قال العقيد، وهو رجل مرح في أوائل الأربعينات من عمره، بعد أن استقر بنا الحال في مركزه وبعدما تبادلنا التحيات الاعتيادية: ” من المخجل حقاً أن تصل متأخراً جداً “.
سألته: ” ما الذي تعنيه بمتأخر جداً “.
” حسناً، لقد انتهينا لتونا من تبادل للقصف المدفعي مع العدو, إنه لأمر مخجل، خاصة وأنك قطعت كل هذه المسافة قادماً من دمشق “.
صحت لمرافقي من المخابرات العسكرية قائلاً: ” كلا، من بيروت “.
تساءل العقيد المرح باندهاش: ” من بيروت! حسناً، لن ندعك تقطع كل هذه المسافة للاشيء. ” لم أعرف بالضبط ما الذي كان صديقي العقيد يخطط له، ولكن كان لدي شعور أنني بشكل ما سأعّوض عن ذلك.
نشر الضابط السوري خارطة وأشار إلى موقعنا وأقرب موقع اسرائيلي، ثم التقط هاتفاً ميدانياً وحرك ساعده صارخاً من خلال الهاتف:
” ابدأو إطلاق النار من البطاريات المدفعية رقم ثلاثة وأربعة وخمسة على الإحداثيات التالية ” وشارحاً المواقع المناسبة استناداً إلى الخارطة. بعد ذلك استدار إلى بابتسامة كبيرة قائلاً: ” سترى خلال دقائق معدودة. تعال إلى هنا وأنظر إلى خارج الغرفة المحصنة “.
وفي أقل من ثلاثين ثانية، انفجرت عدة قذائف فوق المواقع الاسرائيلية المرئية بشكل ضعيف في الأفق. لم تكن هناك بالطبع صور كي تلتقط. كانت هناك مجرد بضعة بقع من الدخان على بعد عدة أميال.
حالما بدأ قصفنا المدفعي، قام الاسرائيليون بالرد بالمثل. وووم .. بلام .. ووم .. بلام .. ووم .. بلام! وجولة بعد جولة أخذت القذائف تنفجر باتجاهنا مثيرة تراباً متطايراً في كافة الأتجاهات وراح الجنود يزحفون لحماية خنادقهم. استمر تبادل القصف المدفعي لعدة ساعات، بقينا خلالها مثبتين في الغرفة المحصنة لم نتجرأ حتى بالنظر من خلال الفتحة الصغيرة. كان من المستحيل التقاط الصور عندما تسقط القذائف قريبة جداً. ثم فجأة ، وكأن هناك اتفاقاً سرياً مسبقاً، توقف وابل المدفعية فجأة كما بدأ.
بعد جولة سريعة على مواقع الجبهة الأمامية، شكرت العقيد على لطفه وتوجهت عائداً إلى دمشق. قررت أن أنتزع بعض اللقطات للجنود في خنادقهم قبل أن يصرّ مرافقي من المخابرات العسكرية على المغادرة.
انتشرت إشاعة في دمشق أن عيدي أمين دادا، الدكتاتور الأوغندي، قد وصل إلى سورية. انقلب أمين، الذي كان معروفاً بعلاقاته الوثيقة مع اسرائيل في الماضي، حتى إنه حصل على رتبته كمظلي خلال تدريبه الذي تلقاه مع الجيش الاسرائيلي، على حلفاء الأمس بدعمه للعرب.
لم يكن لدى وزارة الإعلام السورية، كما جرت العادة، أي معلومات للنشر، وقد أخبرتنا ما كنا قد علمنا به للتو، أو ربما لا ضرورة أن تعرفه. أعلنت الوزارة في وقت متأخر من ذلك المساء أن ” حدثاً مهماً ” سوف يجري في العاشرة من الصباح التالي في الفندق. نصحنا بألا نفوت هذا الحدث.
وفي صباح اليوم التالي، وقبل ساعة واحدة من ” الحدث المهم “، تجمعت الصحافة المتشوقة في الصالة الأكبر في الفندق وانتظرت. تم ترتيب المقاعد في مواجهة طاولة كبيرة حيث كان سيظهر محدثنّا المجهول.
وصل فجأة عيدي أمين مصحوباً بحرسه الشخصي وبمجموعة من رجال الأمن السورين. شرح أمين معاينته للخطوط الأمامية وقال بأنه نصح الرئيس الأسد بعملية عسكرية مناسبة لاستعادة مرتفعات الجولان. كما أنه روى زيارته إلى مشفى عسكري سوري حيث أجرى مقابلة مع طيار اسرائيلي أسير.
قال الرئيس أمين بصوت عميق: ” سألته فيما بعد إذا كان قد أرسل لتقصف السكان المدنيين. أجاب الطيار ( كلا ). أخبرته بأنه كااااذذب** “. تابع أمين مشيراً بإصبع كبير ” تعلمون بأنني كنت قد تدربت على يد الاسرائيليين. أعرف كيف يفكرون.
أجاب أمين، وقد حضّه سؤال لصحفي سوري عن أفكاره حول الحرب، بشكل بطيء مشدداً على مخارج كل حرف:
” في أوغندا، عندما كانت هناك الثورة، قاتل كل إنسان. الأسود قاتلت، والنمور قاتلت، والفيلة قاتلت للتغلب على العدو. والآن، هنا، في الجولان، يجب أن يكون الأمر كذلك. يجب على الأفاعي والصخور والأحجار أن تنهض وتقاتل لترمي بالصهاينة في البحر. وقد نصحت غولدا مائير أن تحزم سراويلها وتجري عائدة إلى واشنطن. ”
عند تلك اللحظة تلقى عيدي أمين سؤالاً من فيليب شورت من هيئة الإرسال البريطانية.
سأله أمين: ” من أين أنت؟ ”
أجاب شورت: ” أنا بريطاني “.
صرخ أمين ورددت صدى صوته الجدران بينما كان يلوح بإصبع مهدد نحو شورت:
” أ أ أ نـ نـ ت أ أ نـ نـ ت ! أ أ نـ نـ ت من سلمت فلسطين إلى اليهود ” فأجاب رجل هيئة الإذاعة البريطانية على ذلك ” ولكن يا سيدي، لم أكن حتى قد ولدت يومها “.
توقف الصراع بعد مضي ثمانية عشر يوماً على بدايته. تراجع المد عندما قامت فرق اسرائيلية بقيادة الجنرال آرييل شارون بعبور قناة السويس وتطويق الجيش المصري الثالث على بعد قرابة 101 كيلومتر من القاهرة. ركزت اسرائيل عندها جهدها العسكري على الجبهة السورية مستعيدة اليد العليا ومسيطرة على مسرح الجولان الاستراتيجي. أصبحت دمشق الآن في متناول اليد. أثمر أخيراً الضغط السوفيتي والأمريكي، بشكل خاص الجهود الديبلوماسية القوية التي بذلها وزير الخارجية هنري كيسنجر، وقبل الطرفان اتفاقات فصل القوات. استعادت مصر، بموجب الاتفاقيات، جرءاً من سيناء واستعادت سورية السيطرة على مدينة القنيطرة المدمرة. وكان على الأمم المتحدة حماية وقف إطلاق النار.
كانت حرب اكتوبر الحرب الأكثر كلفة في العتاد الحربي منذ الحرب العالمية الثانية. لقد فقد العرب حوالي ألفي دبابة وخمسمائة طائرة تقريباً. وخسر الاسرائيليون 804 دبابات و 114 طائرة. تجاوزت الكلفة المالية العشرين مليار دولار.
ادعى الطرفان تحقيق النصر. ففي مصر كما في سوريا أعيدت تسمية الجسور والشوارع بعد الحرب واعتبر يوم السادس من اكتوبر عطلة قومية. لقد ربح الطرفان إلى حد ما كما أنهما خسرا إلى درجة معينة.
حطمت حرب اكتوبر، بالنسبة للعرب، عقوداً من القناعة بأن اسرائيل لا تُهزم. إذ غالباً ما نُظر إلى اسرائيل، في العالم العربي، على أنها جبارة لا تُخرق ومن الصعب أن تخسر حرباً. كان يُعتقد أن المخابرات الاسرائيلية معصومة عن الخطأ. كان الموساد يُعتبر أنه مخترق للدوائر الحكومية والعسكرية العليا في سورية ومصر، وكان يُظن بأن العرب لا يمكن لهم أن يطلقوا هجوماً بهذا الحجم دون أن ينتبه الاسرائيليون إلى ذلك.
ومع ذلك، وللمرة الأولى منذ تأسيس دولة اسرائيل، نجحت مصر وسورية في التخطيط، والتحضير، وإنجاز هجوم رئيسي. حشد الطرفان عدداً ضخماً من الرجال والعتاد قرب الحدود دون أن ينكشفا.
كان عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، الذي اعتُقد أنه أمر لا سبيل إلى تحقيقه، نصراً رئيسياً للجيش المصري ودافعاً معنوياً رائعاً للشعب المصري. وراحت الصور الحية لفرق الجنود المصريين وهم يعبرون المعبر المائي ويهاجمون المواقع الاسرائيلية الحصينة على الضفة الشرقية للقناة، تعرض مراراً وتكراراً في دور السينما والمحطات التلفزيونية في كل العالم العربي.
كانت المرحلة الأولى من الحرب، بالنسبة للسوريين أيضاً، ناجحة. استعادت نخبة من المقاتلين السوريين بقتال ضار أجزاء من الجولان ومحت بشكل مؤقت مرارة هزيمة عام 1967. وحتى عندما قصفت الطائرات الاسرائيلية العاصمة السورية، ظل الجو في دمشق جواً بهيجاً ومتحدياً.
انقلب المزاج في اسرائيل وأخذ الناس يرتابون بقادتهم. تعرضت رئيسة الوزراء غولدا مائير ووزير دفاعها موشي دايان، بطل عام 1967، إلى نقد حاد من الشعب. كيف استطاع العرب تحضير وإطلاق مثل هذا الهجوم دون أن تعلم به اسرائيل ( والولايات المتحدة )؟ لم يكن الجيش الاسرائيلي جاهزاً إلى حد كبير بينما كان عدد كبير من فرق الجنود في إجازات لقضاء العطل. لم يتم حصر الإشارات والرسائل أو أسيء فهمها. وأدرك البلد وشعبه أنه لم يكن معصوماً.
ولكن كان هناك نصراً أيضاً. فقد خطط الجنرال شارون لحصار جيش مصري بأكمله، وعاد الاسرائيليون لاحتلال الجولان ولو بثمن باهظ من الأرواح البشرية. وأصبحت القاهرة ودمشق على مرمى الجيش الاسرائيلي.
لعبت تلك العناصر من النصر والهزيمة الحلوة والمرة إلى حد كبير دوراً في تمهيد الطريق نحو السلام. كانت طريق السلام ما زالت طويلة وشاقة، مليئة بعدد وافر من المطبات، لكن الجانبيين أخذا يدركان أنه لا يمكن أن يكون هناك نصر حاسم في صراع الشرق الأوسط. لم يكن هناك بديل عن التفاوض. لقد أدرك العرب أنه لا يمكن هزيمة اسرائيل، وأدركت اسرائيل أن ذلك ممكن.
(*) اللاموس: ضرب من القوارض قصير الذيل.
(** ) وردت في النص الأصلي ممدودة هكذا: ( LIYYYAAAR ) .
* * *
(يتبع)
الحلقة الثالثة: الفصل الثاني (تجار الأحلام)



