كتاب في حلقات

من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء صحافي في الشرق الأوسط (الحلقة الثالثة)

كلود صالحاني

من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء

صحافي في الشرق الأوسط

 

 تأليف: كلود صالحاني                                     ترجمة: نضال بديع بغدادي

 

 الحلقة الثالثة

  الفصل الثاني

                                        تجار الأحلام

 

تخلص باخوس من رجال أكثر مما تخلص منه نتبون.

                                                                              ـ جوزيف غاريبالدي .

 

وقعتُ، قبل بضعة أسابيع من بدء حرب اكتوبر، على قصة قصيرة في صحيفة النهار تعلن عن اعتقال شابين أوروبيين بتهم تهريب المخدرات. كانت المادة بالكاد بطول مقطع، لكنني غالباً ما أجد أن أفكار القصة الجيدة تنشأ من الأنباء المختبئة في داخل صفحات الجرائد والمجلات، فيما لو أعيد بحث وتطوير المواضيع بشكل مناسب.

قالت القصة في الصحيفة البيروتية أن الشابين اعتقلا في مطار بيروت الدولي بينما كانا يحاولان مغادرة البلد بصحبة كيلو غرامين من الحشيش مخفيين في حقيبتهما. تظهر قصص قصيرة مماثلة، مصحوبة أحياناً بصور بالأبيض والأسود للتاجر سيء الحظ، كل بضعة أشهر في العديد من الصحف البيروتية. حرضتني المادة الصحفية أن ألقي بنظرة أقرب على الصادرات اللبنانية الرئيسة.

كانت تجارة الحشيش غير الشرعية، على الدوام، عملاً مربحاً إلى حد بعيد في لبنان. يجري ضخ الملايين من الدولارات سنوياً في الاقتصاد اللبناني من مبيعات المخدرات، وانتقل مئات البشر عن طريق التجارة غير الشرعية، من فلاحين فقراء يرعون نباتات القنبّ التي يصنع منها الحشيش إلى سادة يملكون الملايين من تجارة المخدرات ويوزعون المنتوج في أوروبا والولايات المتحدة. يأتي قسم مهم من عائدات لبنان من تصدير الحشيش.

ينمو الحشيش بشكل رئيسي بمنطقة الهرمل، أفقر المناطق اللبنانية لسخرية القدر، وفي أجزاء من وادي البقاع الخصب حول مدينة بعلبك الأثرية، التي تقع إلى الشرق من بيروت.

بعلبك هي من دون أدنى شك من أكثر الأماكن روعة فوق سطح الأرض. تتنفس بعلبك، ومثلها في ذلك مثل فلورنسة وأثينا أو آرليس، قروناً من التاريخ وفن العمارة والثقافة. كانت بعلبك، في الأزمنة القديمة معبراً رئيسياً بين روما والشرق ( LEVANT). تمر القوافل من الجزيرة العربية عبرها، ويحمل التجار التوابل المجلوبة وبضائع أخرى لبيعها في الأسواق الأوروبية. تم إنشاء المعابد العظيمة قبل ولادة السيد المسيح من قبل الرومان القدماء، وذلك على شرف آلهتهم باخوس وجوبيتير، التي ظلت إلى يومنا هذا سليمة إلى حد كبير، ولم تصب بأذى قرون مكشوفة للبشر ولعناصر الطبيعة. كان الآلاف من السياح، قبل الحرب الأهلية، يزحفون إلى بعلبك كل عام ليبدوا أعجابهم بهذا الأثر الفريد للماضي . كانت المدينة تحتضن مهرجاناً صيفياً سنوياً، وهو مهرجان بعلبك الدولي، الذي يستقطب فنانين من أمثال موريس بيجارت، وآلفين آلي، وجون بايز، وهربرت فون كاراجان، وإيلا فينز جيرالد على سبيل المثال لا الحصر.

كان الناس الذين يزرعون ويتعهدون الحشيش يشكلون قانوناً بأنفسهم. إذ لم يكونوا يخشون أحداً بسبب تنظيمهم لأنفسهم على شكل عصابات المافيا. وحتى الجيش اللبناني بقي في منأى عنهم. بُنيت المنازل في الهرمل بشكل خاص مع ممرات ضيقة تقطعها جدران أسمنتية سميكة، تشبه في شكلها واجهة القلاع في القرون الوسطى. هذا ما سمح لتجار الحشيش من الدفاع عن أنفسهم في حالة الهجوم من الشرطة أو الدرك أو الجيش أو العصابات المنافسة.

تقوم الحكومة اللبنانية، بضغط من الرأي العام الدولي وبشكل خاص الولايات المتحدة، باستعراض للقوة كل بضعة سنوات. كانت تأمر وحدات خاصة من الدرك والكوماندوس الحربي معززة بالدبابات والطائرات المروحية ومصفحات الجند بدخول الهرمل. كان الجنود, في أكثر الحملات شيوعاً، يلقون الحجز على بضعة أطنان من الحشيش. تلقي فرق مكافحة المخدرات أحياناً القبض على واحد أو أثنين من المهربين الغربيين عادة وهما يحاولان مغادرة مطار بيروت مصطحبين كيلو غراماً أو كيلو غرامين مخفيين في حقائبهما. أنها مجرد نقطة في ماء محيط، ولا تشبه حرب المخدرات في أيامنا هذه.

مأسوراً بكل مالكي هذه الزراعة الأقوياء وبتجارتهم غير الشرعية، قررت أن أقوم ببحث قصصي عنهم وعن عملياتهم غير الشرعية. كانت بعلبك مكاناً جيداً للبدء بذلك.

كان هذا في أوائل السبعينات، عندما كانت مجموعة من الهبيين ومن المتعاملين الغربيين التافهين يعبرون لبنان باحثين عن ” ليالي لبنان الحمراء ” وعن صفقة سريعة.

يمكن للحشيش الذي يتم شراؤه في بعلبك أن يعاد بيعه بسهولة بعشرة أضعاف ثمنه في شوارع أوروبا والولايات المتحدة. حملت آلة تصوير فردية مع أفلام 35 مم، وانتهى بي صديق لي في ضواحي بعلبك، حيث أخذت بالتنقل متطفلاً منافساً عشرات الهبيين الغربيين. بعد بضعة دقائق توقفت سيارة وعرض علي سائقها أن يقلنّي بسيارته. سألني السائق بالانكليزية:

“مرحباً يا صديقي. هل تريد أن تذهب معي إلى منزلي لتناول الشاي وتدخين بعض الحشيش؟ ” ذهبنا إلى  منزله الذي يبعد بضع دقائق خارج بعلبك. كان منزلاً متواضعاً يتألف من طابق واحد مع شرفة كبيرة تطل على حقول القنب التي تنتشر على مدّ النظر. كان المنزل نفسه مبنياً من الأسمنت ولم يكن مطلياً بالدهان، مع قطع معدنية صغيرة ما زالت ناتئة من السقف. عرفني مضيفي محمد على أخيه وهو رجل يكبره في السن يلبس كوفية بيضاء تخفي بشكل جزئي وجهه الملفوح بأشعة الشمس. كان الرجل الكبير في السن يمتلك شارباً طويلاً أبيض اللون مما أعطاه هيئة الحكيم. قدمت لنا زوجة محمد الكندية الشاي. أتت إلى لبنان منذ عدة سنوات باحثة عن الحشيش زهيد الثمن، وقابلت محمداً ووقعت في حبه وتزوجت منه . ركضت ابنتهما الشقراء فائقة الجمال، ذات العينين الزرقاوين والتي تبلغ من العمر ثلاث سنوات حول المنزل حاملة صورة بإطار كبير لعمها الميت حديثاً والذي قتلته عصابة منافسة.

أحضر محمد الحشيش المصمغ والذي أُخبرت بأنه من النوع نادر الوجود في الأسواق. يتألف هذا الحشيش من مادة لزجة بنية غامقة قريبة من السواد تشبه عصير قصب السكر لكنها أكثر كثافة. إنها أشبه ما تكون بالقطران. شرح محمد بأن المصمغ نادراً ما يصدر ويجري عادة الاحتفاظ به من قبل الذين يرعون نبات القنّب. كان يتم الحصول على المصمغ بعد أن يتم تمييع القنب وتشكيله على شكل كتل بوزن نصف كيلو غرام. يتم جمع الباقي لانتاج أقوى أنواع الحشيش.

جرف محمد المصمّغ من عبوة صغيرة مستخدماً عود ثقاب ووضعه برفق في قلب سيجارة أشعلها ومررها علينا. بما أنه كان علي أن أتظاهر بأنني سعيد في بحثي عن النرفانا (*)  فقد كان من الصعب علي أن أرفض دون أن أكشف غرضي. قبلت السيجارة وأخذت نفحة. ظننت لوهلة أنني استنشقت إصبعاً من الديناميت وأن رئتي على وشك الانهيار. كان ذلك يشبه تدخين علبة سجائر كاملة دفعة واحدة.

قدم لنا المزيد من الشاي وتبع ذلك سجائر من الحشيش المصمّغ. استمرينا بهذا الطقس لعدة ساعات متأخرة من الليل. بدأ رأسي مع السيجارة الرابعة، أو ربما كانت الخامسة، يشعر بالخفة وكأنه كان على وشك أن ينفصل عن جسدي. بدأت أضحك على كل شيء يقوله محمد. كل شيء كان مضحكاً ولم يبد أي شيء في العالم جدياً على الإطلاق. أحضرت زوجة محمد لنا طبقاً ضخماً مغطى بتشكيلة من الحلويات العربية التي التهمناها خلال دقائق لكأن الواحد منا لم يتناول طعاماً منذ شهر. شرح محمد فيما بين الضحكات وبين القهقهات، عملية تحويل أوراق القنبّ إلى حشيش. وبما أنني لم أكن قادراً على إخراج دفتر ملاحظاتي كي أدون موجزاً عما كان يقوله، فقد حاولت أن أسجل ملاحظات عقلية عن المحادثة ولكن ليس كما يمكن أن أسجله فيما لو كنت قادراً على إمساك قلم في تلك اللحظة، أو كنت قادراً على التفكير.

لم يعد يبدو أي شيء ذا شأن. شعرت بالهدوء والارتياح. أخذت بعض الصور, لكنني فقدت الطاقة على حمل آلة التصوير. أدار محمد المذياع. ثار صوت فيروز, وهي مغنية لبنانية مشهورة، في رأسي، وأخذني ليسبح بي عالياً معها فوق الجبال اللبنانية. كنت طائرة تطير فوق سهل البقاع، وفوق أشجار الأرز المغطاة بالثلوج مدفوعاً بصوت فيروز العذب وبصحبة الموسيقا العربية.

نقلني محمد أخيراً عائداً إلى فندق تدمر الذي كان على مرمى حجر من المعابد الرومانية وعدني أن يعود ليأخذني في العاشرة من صباح اليوم التالي.

كنت أشعر بجوع شديد. طلبت وأنا جالس في حديقة مطعم الفندق في الواحدة صباحاً طعاماً يكفي لإطعام نصف سكان بعلبك. ارتسمت ابتسامة متواطئة على وجه النادل وهو يأخذ طلبي. كنت واثقاً أنه يعرف بأنني تناولت حشيشاً. حاولت وشعور الذنب يتملكني، أن أقدم اعتذاراً واهياً بالقول أنني لم آكل طيلة اليوم.

أجاب النادل: ” لا عليك يا سيدي. أنه جيد جداً لفتح الشهية وأفضل للعقل. ” فجأة أخذت كلمات ” تغذّي رأسك ” من أغنية ” الأرنب الأبيض ” لجيفرسون إيربلين، تأخذ معنى أكبر.

أخذت، وأنا جالس في شرفة الفندق ألتهم الحمص مع الخبز العربي الطازج وآكل السلطة المحلية مع الدجاج والثوم، بتأمل الآثار الرومانية المهيبة عبر الشارع. كانت تنبعث موسيقا عربية من مكان ما في البعيد خلال الليل، وتطفو فوق بعلبك كغيمة. كنت سعيداً. بدا العالم لي في تلك الليلة عالماً ينعم بالسلام. وكنت أنا كذلك.

لم أعاني من الصداع في صباح اليوم التالي كما توقعت، وهو أمر غريب للغاية. وصل محمد ليقلني إلى الهرمل. أراد أن يعرفني على أبناء عمه الذين طلبوا اللجوء هرباً من القانون في أبعد المناطق اللبنانية .

أخبرني محمد: ” لا يستطيعون المجيء إلى بعلبك. ستلقي الشرطة القبض عليهم إن أتوا. قتل حسن ثلاثة رجال في معركة بالأسلحة النارية. وقتل علي رجل شرطة. وهربوا إلى الهرمل. لا الشرطة ولا الجيش ولا الجندرمة تذهب إلى هناك. نحن الجيش ونحن الشرطة في الهرمل. ”

وصلنا الهرمل بعد ساعة مسير بالسيارة عبر وادي بعلبك وبعض أجمل المناطق في لبنان. كان الوادي في الواقع عبارة عن أرض منبسطة مطوقة بالثلج الذي يغطي قمم سلسلة جبال لبنان من جانب والسلسلة غير اللبنانية من الجانب آخر. معظم نتاج الطعام اللبناني وانتاج الألبان يأتي من البقاع.

تلقى محمد ترحيباً حاراً من أبناء عمه. أنهم يبدون فعلاً مثل المجرمين لكنهم لطفاء كالحمل. كان الأثنان مسرورين لرؤية محمد وقبلوا بي كأنني كنت قريباً لهم منذ زمن بعيد. قدموا لنا غذاء من الحمص والسلطة ولحم الضأن. شربنا عرقاً وهو الشراب اللبناني التقليدي الذي يشبه إلى حد كبير شراب البرنود أو الباستيس. حضر علي سيجارة أشعلها ومررها على الآخرين. بعد أن قمنا بتدخين سيجارتي حشيش إضافيتين، تبرع علي بأن يسمح لي بإطلاق الرصاص من بندقيته الكلاشينكوف ( AK 47 ) الآلية بينما كان محمد وحسن يبحثان أموراً شخصية.

تجولنا عبر حقل قنب حتى وصلنا إلى بقعة فارغة. وضع علي بعض الأهداف وقدم لي البندقية. هدفّت ثم قمت بالضغط بشكل لطيف على الزناد كما حذّر علي. فوجئت بالرجّة التي تلقيتها. تراجع الكلاشينكوف لكأن بغلاً قد قام برفسي في كتفي. ومن الطبيعي أن أحيد عن الهدف بأكثر من عشرة أقدام. قهقه علي ضاحكاً. قال ” أنت لست معتاداً على الكلاشينكوف. انتظر سأريك”.

وضع السلاح في الوضعية الآلية وأطلق النار فأصاب كل الأهداف. حاولت ثانية. كنت هذه المرة أقرب ولم أحد عن الهدف سوى أربعة أقدام. استطعت بعد عدة أمشاط ذخيرة وبتدريب من علي أن أصيب زجاجة. كان علي مبتهجاً.

” أنت في وضع جيد الآن مع الكلاشينكوف. هل تريد شراء واحد منه. ثلاثمائة دولار فقط. أعطيك كلاشينكوف صينياً جيداً مع عقب خشبي. ”

تجنبت العرض بشكل مهذب مدعياً أنه سوف يكون من الصعب أن آخذه معي وأن أمر به عبر الجمارك.

قال علي: ” ليست هناك من مشكلة. نحن سنقوم بترتيب الأمور في جمارك مطار بيروت. أبن عمي يعمل في المطار. ”

عدنا إلى المنزل مع انتهاء محمد وحسن من أعمالهما. أحضروا المزيد من الحشيش المصمغ وقمنا بتدخين بعض السجائر الإضافية. أمضى علي وقتاً ممتعاً وهو يخبر أبناء عمه عن رمايتي التي وجدها أمراً مرحاً وهو أن شاباً في عمري لا يستطيع إطلاق النار بشكل مستقيم.

قام محمد، قبل أن أتوجه عائداً إلى بيروت، بإملاء سيجارة فارغة بالحشيش المصمغ وقدمها لي قائلاً: ” هذه لك دون مقابل” وعندما عرضت أن أدفع ثمنها، أجابني: ” إنني لا أعقد إلا صفقات كبيرة. إذا أردت شراء ثلاثمائة كيلو أو خمسمائة كيلو، فأنني أبيع عندها. أما هذه فلا شيء. ”

ما قدمه لي يمكن أن يجلب أكثر من ألف دولار في شوارع نيويورك أو باريس. نقلني محمد بسيارته إلى فندق تدمر حيث نمت حتى تخلصت من آثار الحشيش المتبقية قبل أن أستقل سيارة أجرة جماعية أو سيارة تاكسي عائداً إلى بيروت.

تأملت، وأنا ما زلت أشعر بالدوار جزئياً، الأيام الثلاثة التي قضيتها في بعلبك مع تجار الأحلام هؤلاء بينما كانت سيارة الأجرة تتغلب على الطرق الجبلية الضيقة كثيرة المنعطفات عائدة إلى بيروت. أغلقت عيني وانهمكت في الموسيقا التي تنبعث عالية من مذياع السيارة. وضع السائق شريطاً لفيروز التي غلّف صوتها الساحر السيارة. كانت الدربكة, وهي آلة موسيقية عربية تشبه الرق، تضرب بثبات في رأسي، مصحوبة بالناي, وهي آلة موسيقية عربية حزينة من نوع الفلوت، بينما تصرّح فيروز بحبها الخالد لي.

(*) النرفانا: السعادة القصوى التي يمكن للإنسان الوصول إليها عند البوذيين.

(يتبع)

الحلقة الرابعة: الفصل الثالث (قبرص)

 

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى