من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء
صحافي في الشرق الأوسط

تأليف: كلود صالحاني ترجمة: نضال بديع بغدادي
الحلقة الرابعة
الفصل الثالث
قبرص
إله الحرب يكره أولئك الذين يترددون.
ـ يروبيديس
ضربت حرب أخرى منطقة الشرق الأوسط المضطربة، مباشرة بعد توصل كل من سورية واسرائيل إلى اتفاق لفصل القوات، وهذه المرة في جزيرة قبرص المتوسطية الصغيرة. قام مجلس من الضباط العسكريين القبارصة اليونانيين، وبضربة خاطفة، مدعوين من مجموعات ثائرة، بالتقدم نحو القصر الرئاسي في العاصمة نيقوسيا وبإسقاط الرئيس رئيس الأساقفة مكاريوس الثالث.
كان مكاريوس، وهو في الثالثة والستين، رمزاً مهيباً بذقنه الرمادية والصليب الذهبي الذي يرتديه فوق رداء الأسقف اليوناني الأسود الطويل، على الرغم من التوتر المتواصل بين الجاليتين التركية واليونانية في الجزيرة، فقد حكم مكاريوس الجزيرة منذ عام 1960 عندما حصلت قبرص على استقلالها من بريطانية العظمى بعد حرب عصابات قصيرة.
كان قائد الانقلاب، نيكوس سامبسون، عضواً في منظمة إيوكا ( EOKA )، المنظمة الوطنية للنضال القبرصي، التي أسـست في أوائل الخمسينات لإنجاز الوحدة ( EMOSIS ) ( توحيد الجزيرة مع اليونان ). تلقى سامبسون التشجيع من المجلس السياسي للكولونيلات اليونانيين العسكريين الذين يحكمون أثينا لتقرير مصير مكاريوس، وليفتحون بذلك الطريق للوحدة مع اليونان، وهو الأمر الذي فيه الكثير من الأذى للجالية التركية الصغيرة في الجزيرة.
أغلق الحكام العسكريون القبارصة الجدد مطار الجزيرة وكذلك كل موانئها البحرية. وهدد العسكر بتفجير أي سفينة تتجرأ على الإبحار في المياه الإقليمية. انقطعت قبرص عن العالم الخارجي. رتب مكاريوس، على أية حال، للتخلص من الحصار والهروب إلى انكلترا على متن طائرة القوى الجوية الملكية من إحدى القاعدتين العسكريتين البريطانيتين اللتين كانتا ما تزالان مستمرتين في الوجود فوق أرض الجزيرة.
* * *
كنت عائداً لتوي من بيروت بعد عملي على موضوع يتعلق بقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مرتفعات الجولان، وكنت آمل بالحصول على ” وقت للراحة ” للتمتع بسواحل بيروت. لكنني بدلاً من ذلك وجدت نفسي مكلفاً بمهمة تغطية القصة التي انفجرت في قبرص.
كانت بيروت نقطة انطلاق منطقية نحو قبرص، كونها لا تبعد سوى أقل من ساعة طيران، أو حوالي اثنتي عشر ساعة بالبحر. كانت عملية البحث عن مركب تؤمن النقل مهمة صعبة. لم يكن أي من وكالات الشحن الوفيرة في منطقة ميناء بيروت لتتجرأ بخسارة سفينة لصالح القناصة القبارصة. وأخيراً تم اكتشاف وكالة صغيرة تقوم بتشغيل سفينتي شحن غير نظاميتين. كانوا على استعداد أن يقوموا بتأجير إحدى هاتين السفينتين لقاء مبلغ وقدره ستة وثلاثون ألف دولار أمريكي.
ساهمت مجموعة من خمسة وثلاثين صحفياً مقيماً في بيروت بتأمين الموارد من وكالات الأنباء التابعين لها للمغامرة بالعبور. ركبنا على متن السفينة المستأجرة، كانت سفينة شحن مصرية تدعى ( م. إس. علي ) وكانت متوجهة إلى الاسكندرية في مصر بشحنة بطيخ أحمر. أفرغت حمولة البطيخ الأحمر بشكل غير نظامي ورست فوق رصيف الميناء بينما راح يتسلقها المراسلون والمصورون الصحفيون والمصورون العاديون مع أجهزة تصويرهم وآلات تسجيلهم وسوائل حماية البشرة من أشعة الشمس.
كان قبطان السفينة ( علي ) كلب بحر مصري عجوز يجلس مصالباً قدميه في كرسي عال فوق الجسر بينما يدخن سجائر أمريكية ويصرخ بطاقمه ” ياالله، ياالله ” وهو تعبير في العربية يعني ( اسرع .. اسرع ). بدأت الرحلة بداية سيئة عندما اصطدم القبطان بقوة مع سفينتين أخريين عندما كان يحاول المناورة من ميناء بيروت. ضُربت السفينة الأولى عندما تأرجحت مقدمة (علي) على جانبها. وفي محاولة لتجنب ضرر إضافي، التف القبطان ( علي ) بالسفينة في حركة عكسية كاملة. صدم هذه المرة سفينة أخرى مندفعة في مؤخرة سفينتنا، وذلك قبل أن يتمكن من خفض السرعة والتوقف. كان الضرر في الحد الأدنى، وبعد كثير من الصراخ المترافق مع الشتائم بأربع لغات بين القبارصة الثلاثة المعنيين ووكلائهم، تابعنا رحلتنا.
أبحر قبطاننا دون خرائط، أو اتصال راديوي، أو وجود رادار. سألته كبحارٍ تعوزه المعونة الملاحية، كيف يخط مسلكه؟ قال القبطان ببساطة وهو يشير بذراعه إلى البحر ” أعرف أن قبرص بهذا الاتجاه. ” وعلى الرغم من شكوكي فقد أوصلنا إلى هناك.
لم يكن الوصول إلى الشاطئ القبرصي تقريباً بصعوبة أو خطورة نزولنا آمنين على أرض الجزيرة. شعرنا بالخوف من تهديدات القبارصة بمهاجمة السفن المقتربة. فشلت كل المحاولات في الاتصال المباشر مع القبارصة، بسبب عدم تعرفهم على نداءاتنا اللاسلكية. علمنا، على أي حال، أن رسائلنا يمكن أن تراقب وبقينا نعيد رسائلنا كل بضعة ساعات.
قام زورق بخاري تابع للجمارك القبرصية، في الصباح الباكر من اليوم التالي، بالانطلاق إلى جانب (علي) وقذف من داخله نصف دزينة من ضباط الهجرة الذين لم يكونوا على الأقل مندهشين لرؤية زمرة من الصحفيين يأخذون حمام شمس فوق سطح السفينة.
أعلن الضابط قائلاً: ” مرحباً بكم في قبرص. سوف يُسمح لكم جميعاً بالدخول إلى الميناء خلال حوالي ساعة وستكونون جميعاً في ضيافة الحكومة القبرصية الجديدة. ”
حضرت، خلال السنوات العشرين الأخيرة أو ما بقارب ذلك، العديد من المؤتمرات الصحفية. عُقد بعض من هذه المؤتمرات في قصور باذخة أو في فنادق مترفة من ذوات النجوم الخمس حيث يقدم النادلون للجمهور كؤوس الشامبانيا المبردة والخبز المحمص. وبعضها الآخر يُعقد في جو تآمري في أقبية صغيرة ومعتمة ومليئة بدخان السجائر، وفي منتصف الليل عادة حيث يقوم رجال مسلمون بذقون غير حليقة بحراسة المتحدث.
كان المؤتمر الصحفي لنيكوس سامبسون الأطرف، والأكثر تشويقاً والأكثر ترويعاً بين كل ما حضرت من مؤتمرات.
سُمّي سامبسون، وهو قاطع طريق سابق، رئيساً لقبرص. قام بدعوة الصحافة العالمية لحضور مؤتمره الصحفي الأول بعد انقلابه. عُقد المؤتمر في مسرح قرب الخط الذي يفصل القطاعين القبرصي والتركي من العاصمة. جلس سامبسون خلف طاولة في وسط خشبة المسرح مواجهاً لآلات التصوير وبين مترجم وواحد من وزرائه. كانت هناك إلى الجانب الأيسر من خشبة المسرح وعلى بعد أقدام قليلة من سامبسون، طاولة طويلة وُضعت عليها بعناية تشكيلة من الأدوات. لم نكن قادرين، من حيث جلسنا أدنى من خشبة المسرح ببضعة أقدام، أن نميز الأدوات الموضوعة فوق الطاولة.
بدأ سامبسون خطبته اللاذعة، مدعياً كيف قام بتحرير الشعب القبرصي من استبداد مكاريوس، وكيف مارس مكاريوس وأتباعه التعذيب، وكيف ستتبدل الأمور، وكم سيكون هناك من حرية أكثر كونه أصبح رئيساً. كان ذلك هو الخطاب الاعتيادي الذي يقدمه الدكتاتور عادة بعد انقلابه.
بينما كان سامبسون مستمراً في تبهجه، قام رجل في أواخر الأربعينات من عمره بالتقدم ببطء معتلياً خشبة المسرح حيث أخذ كرسياً، ووضعه في منتصف الخشبة ووقف فوقه. وقف سامبسون وتوجه نحو الطاولة الأخرى وتناول واحدة من القطع ثم ذهب إلى الرجل الواقف فوق الكرسي. أدار الرجل، في تلك الأثناء، ظهره إلى المشاهدين، وخلع بنطاله وملابسه الداخلية وانحنى بذل وببطء إلى الأمام، واضعاً مؤخرته بمواجهة المشاهدين. في تلك الأثناء كان سامبسون يمسك بالأداة التي اختارها من فوق الطاولة ـ وهي عبارة عن هزازة آلية ـ في مواجهة مؤخرة الرجل، بينما كان يرطن باليونانية.
شرح المترجم قائلاً: ” بهذه الآلة عذب مكاريوس هذا الرجل البائس “. كان ذلك هو يوم المصورين الصحفيين والمصورين العاديين. كان من الصعب على المراسلين أن يصدقوا ما كانوا يشاهدونه.
واستمر العرض. أمسك سامبسون بكل أنواع الأدوات الجنسية بينما كان السجناء السابقين يمرون على شكل موكب فوق خشبة المسرح، بعضهم قد خلع قميصه، والبعض الآخر بنطاله. واستناداً إلى ما قاله سامبسون، فإن رئيس الأساقفة مكاريوس كانت لديه نقطة ضعف تجاه التعذيب الجنسي.
سألت الرئيس سامبسون، بينما كان المؤتمر الصحفي على وشك الانتهاء، لماذا كانت حريتنا في التقاط الصور التي نريد ما زالت مقيدة، وإذا ما كانت هناك ديمقراطية بالفعل الآن فوق الجزيرة كما ادعى. فقبل ساعة من توجهنا إلى المؤتمر، وقبل دقائق من إعلان سامبسون الجزيرة ” ديمقراطية حقيقية “، قام الجنود القبارصة اليونانيين بلمّنا بينما كنت ألتقط صوراً بسيطة لمشاهد الشوارع.
انفجر سامبسون بغضب عارم، صارخاً وهاّزاً اصبعه باتجاهي. انتظرت بقلق الترجمة.
قال المترجم: ” يقول سعادة الرئيس سامبسون أن هذا البلد هو بلد حر. تستطيع أن تفعل ما تشاء. بإمكانك تصوير أي شيء ترغب فيه. لا أحد سوف يمنعك من أخذ أي صور وأفلام. ”
بعد لحظات من مغادرتنا قاعة المؤتمر، صودر فيلم طاقم التلفزة البريطانية لأنهم شغلوا آلة تصويرهم لتصوير عضو في المنظمة الوطنية للنضال القبرصي ( EOKA ) في بذلته الرسمية. كم كان ذلك كثيراً على الديمقراطية الجديدة.
ظهروا فجأة أمام أشعة شمس الصباح كالفطر الذي يسقط متهادياً من السماء. تدفق رجال يرتدون الزي العسكري ويحملون البنادق، هابطين من طائرات نقل عسكرية ضخمة ، وسط هيجان من إطلاق النار المسعور. أتى الأتراك بعد خمسة أيام من إنقلاب سامبسون. قامت تركية بغزو الجزيرة مدفوعة بقلق من تقارب المجلس السياسي القبرصي مع اليونان، وباهتمامها بمصير ومستقبل سكان الجزيرة من الأتراك في يد الضباط القوميين اليونانيين البارزين.
قفز المظليون على نيقوسيا ومحيطها عند بزوغ أول ضوء، آخذين مواقع دفاعية على الجانب التركي من الجزيرة وعلى طول ” خط آتيلا ATTILA LINE ” الذي ينصف البلد. وفي أثناء ذلك، هاجمت بعنف آلاف من المجموعات العسكرية التركية، في أقصى الشمال قرب كيرينا، انطلاقاً من البوارج الراسية.
خضت، في الليلة التي سبقت الغزو التركي للجزيرة، نقاشاً سياسياً طويلاً مع مجموعة من الصحفيين الاسرائيليين الذين وصلوا لتوهم من تل أبيب. حاولنا، ونحن نتناول العديد من كؤوس الجن المخلوط مع الصودا، التوصل إلى تسوية لمصير اللاجئين الفلسطينيين ولحل فردي لثلاثين عاماً من الصراع في الشرق الأوسط. ومع حلول الساعة الرابعة فجراً كنا بعيدين عن حل سلمي بعد السياسيين الذين كانوا يعملون على المشكلة خلال العقود الثلاثة الماضية. سميناها تجاوزاً ليلة وتهادينا مترنحين إلى غرفنا.
بعد قرابة الساعة، جاءني كريستيان سيمو نبيتيري، وهو زميل من سيجما، يضرب بعنف على بابي.
صرخ قائلاً: ” استيقظ. استيقظ. الأتراك يهبطون على الجزيرة. الأتراك يهبطون بالمظلات فوق المدينة. ” قافزاً من السرير تلمست طريقي إلى النافذة وأزحت الستائر لأرى آلافاً من المظليين الأتراك يهبطون ببطء بينما فرق الجنود القبارصة اليونان تفتح النار عليهم. بدا المظليون من الأرض كعلب تنزلق ببطء من السماء.
عدت إلى السرير وسحبت الغطاء فوق رأسي وحاولت أن أعود إلى النوم. بعد حوالي ثانيتين قفزت من السرير مغمغماً لنفسي ” الأتراك، يا ألهي الأتراك. ” انتزعت آلة تصويري وركضت في الرواق قبل أن أعي أنني كنت عارياً تماماً.
تسلقت، بعد دقائق، وكنت حينها مرتدياً كل ملابسي، سطح الفندق حيث كانت فرق الجنود القبارصة اليونانيين قد رتبت موقعاً لإطلاق النار. أصبحت محارباً محترفاً وتعلمت أن أتجه إلى الأرض العالية أولاً. راقبت المشهد حيث كان الأتراك يهبطون على بعد عدة أبنية فقط. ازدادت حدة القتال بسرعة حيث أجبرتنا على البحث عن ملجأ في الطوابق السفلى الأكثر أماناً من الفندق. وجدنا أنفسنا، بعد أقل من ساعة، محصورين في قاعة الاستقبال في الفندق بينما كان اليونانيون والأتراك يتبادلون قذائف البازوكا عبر المسبح. كان الجنود القبارصة اليونانيين يستخدمون أدوات موسيقية تركتها فرقة الفندق، كغطاء حماية. ومن خلف الطبول ذات الصوت المجلجل ومكبرات الصوت، التي بالكاد تشكل حماية واسعة من الرصاص، قاموا بإطلاق العيارات على فرق الجنود الأتراك.
كنا نعلم أننا في ورطة حقيقية عندما ظهرت قوات الأمم المتحدة. وصل جندي كندي برفقة رئيسه وهو ضابط شاب وعدنا أن الوضع سيكون تحت السيطرة بسرعة. مشى الضابط بثقة كبيرة في النفس إلى الخط الأمامي ـ منطقة حوض السباحة ـ رافعاً البوق وصرخ بأوامره للجيش التركي الغازي:
” أوقفوا إطلاق النار. أوقفوا إطلاق النار، هذه فرقة الأمم المتحدة في ليدرا بالاس. ” كان لدى الأتراك اللياقة الكافية للسماح لضابط الأمم المتحدة بإنهاء جملته قبل أن يفتحوا النار بصلية من نار بندقية آلية ثقيلة. راتارات! تراجع الكندي فوراً إلى صالة الاستقبال ناشداً الملاذ قبل مقعد كبير. انتظر حتى يخمد إطلاق النار، ثم وقف وأعاد ترتيب وضعية قبعته الزرقاء فوق رأسه، ونفض الغبار عن بذلته وحاول ثانية.
” أوقفوا إطلاق النار. أوقفوا إطلاق النار، هذه فرقة الأمم المتحدة في ليدرا بالاس. ” راتارات، وانطلقت الأسلحة التركية ثانية.

جنود قبارصة يونانيون يحتمون خلف الآلات الموسيقية أثناء المعارك مع القوات التركية.
أخذ الضابط الكندي يعيد طلبه كل خمسة عشر دقيقة. وكل خمسة عشر دقيقة يجيب الأتراك بنفس الطريقة.
فقدنا، في المحاولة الخامسة، اهتمامنا بجهود الأمم المتحدة السلمية، واستمرينا في أداء أعمالنا الروتينية المختلفة، محاولين بشكل رئيسي تحديد الجهة التي ستأتي منها الوجبة التالية. هجر عاملو الفندق القبارصة المكان قبل أن يفك أول تركي إبزيم عدة مظلته، تاركين وراءهم عدة مئات من الصحفيين ومئة زوج معظمهم من الاسكندنافيين محاصرين في الفندق الفخم دون أية خدمات.
استمر التبادل فيما بين حافظ السلام الكندي وبين الأتراك حتى ساعات الصباح الأولى، عندما تخلى صديقنا من الأمم المتحدة، بعد محاولة وتثبيط همته، أخيراً عن التفاهم معهم.
بمغادرة طاقم الفندق المفاجئ، أصبحنا مهجورين دون زاد أو تنظيف لملابسنا أو أي خدمات أساسية أخرى، وكنا مجبورين على أن نعيل أنفسنا. كان علينا أن نجد غذائنا وأن نعتني بحاجياتنا الأخرى. ظلت كافة المخازن مغلقة في المدينة، وكانت مغادرة الفندق أمراً خطراً للغاية.
بالنسبة لما يتعلق بي فقد حُلّت مشاكل تنظيف الملابس منذ اليوم الأول، ذلك أن حقيبة الظهر التي تحتوي على ملابسي الإضافية كانت قد فقدت أثناء انتقالي في الباص من فاماغوستا إلى نيقوسيا. كل ما كان لدي من ملابس هي ملابسي التي كنت أرتديها، ولم يكن ذلك بالكثير. كان ذلك في منتصف شهر تموز في شرقي المتوسط. كانت الحرارة عالية جداً وكذلك الرطوبة. ادخرت قميصي المتبقي الذي أملكه محاولاً إبقاءه نظيفاً أكبر قدر ممكن.
اعتدت، خلال النهار عندما كنا نركض إلى ” الخط الأمامي ” عند بركة السباحة، أن أخلع قميصي وأتركه معلقاً فوق كرسي في بهو الفندق. عندما عدت في عصر يوم من الأيام من نزهتي اليومية إلى ” الجهة ” لم أجد قميصي الذي ربما أخذته روح أخرى كانت بحاجة إليه.
قام صديقي فيرمارز فيرمارزي من التلفزة الإيرانية ( ما قبل الثورة ) بترتيب إيجاد كافة أصناف البضائع الصالحة للأكل، بما في ذلك الخضروات، والخبز، وعلب السردين. تبعت فيرمارز، مخدوعاً بمصدر ما يحصلّه، في حملة تبضّعه التالية.
كانت المنتجات تُشترى من رجل قبرصي عجوز في السبعينات من عمره. كان الرجل يمتلك ويدير مخزناً صغيراً جداً قي قبو الفندق. كانت هناك مجرد غرفة كافية لرجل وبضائعه المكدسة فوق الرفوف التي تحيط به في مقعده الصغير جداً. نصف باب، كتلك المستخدمة في الاصطبلات، ورف مسطح كطاولة للمحاسبة. قدم الرجل في الأوقات العادية، الطعام للعاملين في الفندق. كان يجب على المرء، كي يصل إلى الكشك، أن يزحف مسافة الخمسة عشر ياردة الأخيرة عبر رواق طويل مكشوف تماماً لنار القناصة الأتراك. يجلس الرجل ساكناً من غير حراك وراء رف المحاسبة محمياً بجدار اسمنتي عريض. كان زبائنه، من الجانب الآخر، مضطرين للبقاء مسطحين فوق الأرض ولأن يلقوا المال فوق الرف قبل أن يقوم هو برمي الطعام. ثم كان علينا، بعد أن نفوز بصيدنا، أن نعود زاحفين.
بعد مرور اسبوع على تواجدي في فندق ليدرا بالاس، أصبح لدي الكثير من الصور الجيدة عن الحرب واحتجت لأن أرسل الأفلام إلى المجلات في أوروبا والولايات المتحدة. كان السياح الاسكندافيون المحاصرون الذين بقو في القبو طيلة المحنة محتاجين أيضاً وبشدة للعودة إلى وطنهم. لقد سافروا كل هذه المسافة ليستمتعوا بأشعة شمس المتوسط، لذا فإنه لم تكن فكرتهم عن المتعة أن تكون بقضاء أسبوع تحت الأرض في قبو الفندق.
قام كريستيان سايمو نبيتري بترتيب وجوده في الجانب التركي مع مايكل لورانت من هيئة جاما خلال الساعات الأولى من الغزو وكانت أفلامه تُرسل إلي مع موظفي الأمم المتحدة كل يوم. أصبح لدي في ذلك الوقت أكثر من 250 من الأفلام الملونة وبحاجة للشحن إلى باريس.
توصلت الأمم المتحدة أخيراً إلى حل وسط مع الأتراك، الذين وافقوا على وقف إطلاق النار وهكذا أصبح بالإمكان أن نغادر الفندق. على أية حال، لاحظ اليونانيون أنه إذا ما ترك الجنود الأتراك وحيدين في الفندق دون سياح وصحفيين، فإنه لن يكون لديهم أي دافع لمغادرة المكان. لم يترددوا سابقاً. أصر اليونانيون، كي يؤخروا مغادرتنا، على أن يحضر ممثل ديبلوماسي عن كل جنسية بشكل شخصي إلى الفندق كي ” يوقع ” على مغادرة مواطنيهم، لأنهم لا يريدون احتمال مسؤولية في حال حدوث أي شيء لنا. كان عذراً واهياً لتأخير مغادرتنا وليشتري اليونانيون بذلك بضع ساعات إضافية ثمينة.
رافقتنا للحماية فرق من جنود الأمم المتحدة إلى خارج الفندق حيث انتظرتنا شاحنات عسكرية. طلبوا إلينا أن نستلقي منبطحين على أرض الشاحنات حتى نتجاوز بأمان المنطقة الخطرة. بينما كنا نخرج من ليدرا بالاس تابع الأتراك إطلاق النار فوق رؤوسنا.
انطلقت شاحنات حماة السلام خارج المدينة المتحاربة إلى الأمان في أكروتيري، إحدى القواعد البريطانية. استٌقبِلت زوجات كتيبة من الضباط اللاجئين المتعبين بعصير البرتقال الطازج والحليب للأطفال، طُلب من الصحفيين ليتقدموا بتقرير إلى مكتب الشؤون العامة، حيث عرض ضابط بريطاني أن يطير بكل موادنا الصحفية إلى المملكة المتحدة على متن طائرة نقل عسكرية كانت على وشك المغادرة خلال دقائق.
قال لنا: ” آسف يا شباب. لا يمكننا أن نأخذ معنا أياً منكم، لكننا نستطيع أخذ كل الأفلام التي ترغبون في إرسالها. ”
بما أنه لم يكن لدينا سوى خيار ضئيل، فقد امتثلت وسلمت مظروفي الذي يحتوي بكرات الأفلام النفيسة إلى الضابط. كان أهم شيء أفعله الآن أن أجد هاتفاً لأبلغ محرري في سيجما بباريس، ثم أعود إلى نيقوسيا وإلى الحرب. لم تكن المكالمة الهاتفية بالأمر السهل. كل خطوط الاتصالات من وإلى الجزيرة قد قطعت.
كان البديل أن أقوم بعملية الإجلاء التي تحولت إلى تمرين ممتع. يجب على المرء الاعتراف بأن الانكليز كانوا خبراء حقيقيين عندما يتعلق الأمر بالكوارث. يعلم الله بمسؤوليتهم عن بعض الدمارات الرئيسية في هذا الجزء من العالم ـ فلسطين وعدن ـ على سبيل المثال لا الحصر. مضت عملية تسجيل للإجلاء بشكل هادئ، وقد خصص لكل شخص رقم محدد. تم تجميع المجليين في عربات شحن، حملت كل عشر شاحنات فوق سفينة هرقل C – 130 العسكرية متجهة نحو المملكة المتحدة. إنها تعمل أفضل من أي وكالة للسفر.
بما أنني كنت ما زلت أتجول من دون قميص، فقد طلبت من ضابط بريطاني إن كان بإمكاني شراء قميص من أي مكان في القاعدة. قال لي: ” أخشى ألا يكون ذلك متوفراً “.
أجبنه قائلاً: ” لا أستطيع أن أركب الطائرة وأهبط في أوروبا دون قميص “.
فقال لي الضابط الأنيق: ” صحيح تماماً. هاك أيها الشاب، خذ هذا ” وخلع قميصه وأعطاني إياه. كان أكبر من مقاسي بخمس مرات. لكن الحرب هي الحرب …. فعلى الأقل كان لدي قميص فوق ظهري.
استمرت عملية الإجلاء بشكل جيد طيلة الليل حيث كانت تقلع الطائرة تلو الأخرى، حاملة السياح الذين أفرج عنهم عائدين إلى أوروبا. كانت الساعة قد بلغت الثالثة صباحاً عندما هبطت في مطار شارل ديغول في باريس. رغم أن الوقت كان منتصف شهر تموز، فقد كان الطقس بارداً وكانت تمطر، وكانت ليلة صيفية أوروبية نموذجية.
استقبل الصليب الأحمر المسافرين بالبطانيات والقهوة الساخنة. انتقلت، بعد أن اتصلت برئيس التحرير في منزله، إلى غرفة فاخرة في فندق قرب المطار، حيث استمتعت بأول حمام ساخن ووجبة لائقة منذ أكثر من أسبوع.
عاد الأسقف مكاريوس منتصراً إلى قبرص بعد خمسة أشهر، وطلب مني المحررون في سيجما أن أعود أيضاً. كان المطار المدني الوحيد في الجزيرة، خارج نيقوسيا، موضع خلاف على عدم هبوط أي إنسان بين المناطق اليونانية وبين المناطق التركية وظل مغلقاً. وبما أن معظم النقل القبرصي ظل معطلاً بسبب الحرب، فقد قامت وكالة سفر سوفيتية بإطلاق سفينة خدمة اسبوعياً ما بين بيروت ولارنكا.
كان المركب الروسي يستخدم عادة من قبل رجال الأعمال القبارصة اليونانيين للوصول إلى مطار بيروت، لكن السفينة، في هذه الرحلة الخاصة، كانت محجوزة بالكامل.
كانت السفينة السوفيتية تحمل، إلى جانب قاعدة الصحافة في بيروت، حمولة من حوالي أربعين مومساً مصرية. فمع وصول فرق جنود الأمم المتحدة إلى الجزيرة، كان لابد للحياة الليلية أن تزدهر.
زينت الساحة الخارجية لقصر مكاريوس بمئات من الأعلام اليونانية الزرقاء والبيضاء. أذاعت مكبرات الصوت الأغاني الوطنية للمغنية اليونانية الشهيرة ماريا فاراندوري والمؤلف الموسيقي ميكيس ثيودوراكيس. احتشد آلاف الناس في الساحة، منتظرين ليلقوا نظرة على الأسقف ـ الرئيس. غنى العديد، والبعض بكى ببساطة وانحدرت الدموع على وجوههم. كانت الشمس تُشع بتوهج عندما ظهر مكاريوس أخيراً على شرفة البناء المليء بثقوب الرصاص، وتجعّد علم يوناني ضخم فوق إفريز الشرفة. أصاب الهياج الجموع التي ابتهجت وضحكت وبكت وقبلت بعضها البعض. امتزجت كل المشاعر بعضها مع بعض. لقد عاد قائدهم.
سافرت، بعد أن قمت بتغطية عودة مكاريوس المتهللة، شمالاً إلى الجزء الذي يسيطر عليه الأتراك من الجزيرة مع صديقي دومينيك بوديس.
بينما كنا متجهين إلى كيرينيا، أحد أجمل المنتجعات السياحية في قبرص وأكثر المناطق شهرة بالتأكيد للسياح، قابلنا مجموعة من ” السجناء ” القبارصة اليونانيين المحتجزين من قبل وحدات في الجيش التركي. كان معظم هؤلاء السجناء من النساء والأطفال والمسنين اليونانيين الذين لم يكونوا قادرين على الفرار خلال بداية الغزو وظلوا في الأسر خلف الخطوط التركية. قاد الجنود الذين يحملون أسلحة رشاشة آلية المجموعة إلى خارج المدرسة المحلية حيث تم احتجازهم ليستقلوا حافلة كانت بانتظارهم.
تقدمت سيدة لطيفة قبرصية يونانية في الستينات من صديقي بوديس العامل في التلفزة الفرنسية، عندما لاحظت الشعار المتواجد فوق آلة التصوير.
نادتنا بلكنة فرنسية ثقيلة ” سيدي، سيدي. سيدي رجاء، يجب أن تساعدني، يجب أن تساعدنا. أنني لا أفهم ما الذي يجري. كان الأتراك طوال عمري جيدين في تنظيف الأرض وإنجاز الأعمال المنزلية. أما الآن فهم جنود يحملون الرشاشات ويقولون أنني سجينتهم. أنا لا أفهم أي شيء. ”
لقد احتُجزت المرأة مثل العديد من القبارصة في حرب لا تفهمها. عاشت حياة سعيدة في هذه البلدة الصغيرة قرب البحر حيث وظّفت العديد من الأتراك كخدم للمنازل عبر كل تلك السنين. لقد أخفقت في تبين السبب الذي دفع بالأتراك إلى القتال. أخفقت كجزء من الأغلبية اليونانية الحاكمة، هي والآخرين في تلمس إشارات التحذير. كان من المتعذر، أمام دفع الأمور باتجاه التوحد مع اليونان، على الأتراك ألا يتدخلوا لحماية شعبهم.
ليست المشكلة في قبرص مجرد اختلاف لغوي. فالقبارصة الأتراك يتناولون الطعام التركي ويطلقون على أبنائهم أسماءاً تركية، وينظرون إلى أنقرة من أجل الحماية والتوجيه. كذلك الأمر بالنسبة للقبارصة اليونانيين الذين ربطوا أنفسهم باليونان وحافظوا على علاقات وثيقة مع الوطن القديم. إن لدى شركة الطيران القبرصية من الرحلات إلى أثينا أكثر مما لديها إلى أي مدينة في العالم. يشكل عدد السكان اليونانيين. أكثر من ثلثي سكان الجزيرة البالغ عددهم 720000. ويشكل الأتراك ما نسبته 18% فقط.
كلا الجانبين يقسمهما الدين أيضاً. معظم اليونانيين هم من المسيحيين الأرثوذكس، مع أقلية صغيرة من المسيحيين المارونيين، بينما الأتراك هم من المسلمين. كان الحقد بين الفئتين يزداد أو يتقلص عبر السنين بناء على حجم الدعم من أثينا أو من أنقرة.
التقطنا صورة للمرأة وهي تصعد الحافلة، كان رأسها يهتز بعدم التصديق. وجدت مقعداً باتجاه المؤخرة وحدقت عبر النافذة دون أن تركز على أي شيء بشكل خاص.
سجلنا المشهد ونحن غير قادرين على المساعدة أو التدخل. أصبحت المرأة، مثلها مثل الكثيرين، سجينة في بلدتها، ثم لاجئة في وطنها. ضحية أخرى للحرب. إحصائية أخرى.
(يتبع)
الحلقة الخامسة: الفصل الرابع (موت في العربية السعودية)



