كتاب في حلقات

من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء صحافي في الشرق الأوسط (الحلقة الخامسة)

كلود صالحاني

من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء

صحافي في الشرق الأوسط

 

 

 

تأليف: كلود صالحاني                                     ترجمة: نضال بديع بغدادي

 

 

الحلقة الخامسة

 

 

الفصل الرابع

                                   موت في العربية السعودية

 

                الموت جمل أسود، يجثم عند بوابات الجميع.

                                                                             ـ عبد القادر

 

كان الملك فيصل، ملك العربية السعودية، يرحّب بأصحاب المقامات الرفيعة وبزعماء القبائل البدوية في الديوان الاسبوعي المعتاد، وهو تجمع للعائلات البارزة ورجال القبائل في منزل مفتوح، عندما تقدم منه ابن أخيه الأمير مسعد الفيصل. انتبه الملك لقريبه ووقف ليحيه. استلَّ الشاب مسدساً من تحت ثيابه وضغط على الزناد وقتل الملك. سُمع صدى الطلقات في أرجاء العالم العربي كله. كان التاريخ هو الخامس والعشرين من شهر آذار عام 1975.

وصف جون كوولي، وهو صحفي محنك في الشرق الأوسط يقوم بتقديم التقارير لشبكة أخبار ABC ، مسعد على أنه ” شخصية حالمة غير سوية أمضى وقته في الولايات المتحدة يدرس لبعض الوقت، وثملاً لبعض الوقت، مقامراً وصاحب مغامرات حب. ” اعتقل ذات مرة لحيازته المخدرات.

قُتل أخو مسعد، خالد، برصاص رجل شرطة سعودي عندما حاول اقتحام محطة تلفزيونية بحجة أنها تتحدى الشرع الإسلامي. توسل مسعد إلى الملك فيصل أن يعدم رجل الشرطة لكن الملك رفض ذلك.

صرخ مسعد، بينما كان يسحب المسدس ويطلق الرصاص على الملك، قائلاً: ” الآن آخذ بثأر أخي “. قُطع رأس مسعد فيما بعد حسب الطريقة السعودية التقليدية، بضربة واحدة من السيف*.

سبب واحد يجعلني أتذكر بوضوح تاريخ اغتيال الملك فيصل وهو أنه تصادف مع عيد ميلادي. كان ذلك يوم الجمعة، وكنت على وشك مغادرة شقتي في بيروت قرب شارع الحمراء عندما رن جرس الهاتف. كان المتصل صديقة تستفهم إذا ” ما كان ذلك صحيحاً “.

سألتها: ” ما هو ذلك الصحيح؟ ”

سألت: ” الملك فيصل، لقد اغتيل للتو “.

كانت إحدى ميزات بيروت بالنسبة لمراسل صحفي أجنبي هي السرعة التي تنتقل فيها الأخبار. ليس من الضروري في لبنان أن تستمع إلى المذياع أو أن تشاهد التلفاز لتظل على صلة بتطورات أخبار الأحداث. يملك لبنانيون فهماً للمعلومات. فكل بالغ تقريباً في البلد يتناغم مع نشرتين أو ثلاث نشرات مختلفة للأخبار على الأقل كل ساعة، ويقوم بمقارنة النشرات المختلفة، ومن ثم يقوم بدون شك بالاتصال بالأصدقاء والأقارب ليتبادل معلومات إضافية، وإشاعات، وتفاصيل أخرى.

اتصلت بدافيد زنيان في مكتب اليونايتد بريس الدولية في بيروت.

” دافيد، أنا كلود، …”

أجاب دافيد قائلاً: ” نعم الخبر صحيح ” وأغلق سماعة الهاتف دون أن يعطيني الفرصة لأنهي جملتي. بما أنه لن تكون هناك أية قاعدة للمراسلين الصحفيين في العربية السعودية، فقد كان على بيروت أن تلتقط الحدث وكان دافيد يشد شعر رأسه محاولاً تعيين أحد ما لدى البعثة الدبلوماسية السعودية في بيروت. كان اليوم يوم جمعة، وهو عطلة المسلمين الأسبوعية، وكانت القنصلية السعودية مغلقة.

وكان الرد الوحيد الذي قدمته القنصلية والسفارة هو ” اتصل غداً، لا يوجد أحد هنا اليوم “. لم يجد تعقب القنصل في منزله. كان الجواب هو ” سوف نصدر تأشيرات الدخول غداً في السفارة في الحادية عشر صباحاً”.

وباتباع الشريعة الإسلامية، فقد كان يجب دفن الملك في الرياض، العاصمة، عقب صلاة ظهر اليوم التالي، وهو يوم السبت. كانت المشكلة التي واجهتني, وواجهت الصحفيين الآخرين الذين يحاولون الوصول إلى العاصمة السعودية, هي في أن أصل إليها قبل الجنازة، ولكن لم تكن هناك طائرات مباشرة إلى الرياض من بيروت. كان لطيران الشرق الأوسط رحلات يومية إلى جدة، وكذلك كان الأمر بالنسبة للطيران السعودي. بدا أنه من المستحيل الوصول إلى الرياض قبل صلاة ظهر يوم السبت.

علمنا أنا وجيرارد كاستورياديس، الذي كان يعمل لصالح وكالة الأنباء الفرنسية، ولوسيان جورج، الذي كان يعمل وقتها مراسلاً للصحيفة الباريسية اليومية ( الفيغارو )، أنه من المقرر للرئيس اللبناني سليمان فرنجية أن يطير مباشرة إلى الرياض لحضور مراسم الجنازة مع باقي زعماء العالم. حاولنا ثلاثتنا إقناع رئيس البروتوكول في القصر الرئاسي اللبناني أننا بحاجة ماسة جداً للسفر معهم. ناشدناه قائلين ” نحن نمثل ثلاثاً من أكبر هيئات الأخبار في العالم وليست هناك ببساطة أية وسيلة أخرى للذهاب إلى العربية السعودية في الوقت المناسب لحضور الجنازة “. وذهب كل شيء هباء. لم يسمح القصر لأعضاء من الصحافة ركوب طائرتهم.

بالنسبة للقنصلية السعودية فقد كانت الحالة هي حالة المادة “. إذا ما اخترنا الذهاب إلى السفارة السعودية في الحادية عشرة كما وجّهوا بذلك، فإننا بالتأكيد لن نحضر الجنازة. لذلك فقد قرر ثلاثتنا، في صباح السبت، أن نقامر مقامرة كبيرة بأن نتوجه مباشرة إلى مطار بيروت بدلاً من التوجه إلى القنصلية.

كان القنصل السعودي، في المطار، يصّدر تأشيرات الدخول لأعضاء الوفد اللبناني. جلب الموظف، الواقف إلى جوار مركز الطيران السعودي، معه ختم تأشيرة الدخول وعلبة الحبر. راقبناه بينما كان يطبع ختم تأشيرات الدخول على جوازات سفر الموظفين اللبنانيين الرسميين، ثم تقدمنا إليه متوسلين وراجين أن يختم جوازت سفرنا أيضاً. أصر القنصل قائلاً: ” لا، يجب أن تذهبوا إلى السفارة “.

عندما أيقنا أننا لن ننجز أي شيء عن الطريق ” الرسمي “، سلكنا سبيلنا بحذر إلى ردهة الشخصيات الهامة حيث اجتمعت الصحافة اللبنانية لتغطي مغادرة وفدهم.

لحسن الحظ، حدث تعديل في البرنامج في آخر دقيقة، حيث قرر الرئيس فرنجية عدم السفر إلى السعودية وطلب من رئيس الوزراء تمثيله بدلاً عن ذلك ـ شعر رجال الأمن بالارتياح، مما كان أفضل لما كنا نفكر فيه. انتظر ثلاثتنا بصبر لحين صعد الوفد إلى الطائرة، وبينما كان طاقم الطائرة على وشك إغلاق باب الطائرة، اندفعنا أنا ولوسيان وجيرارد عبر الطريق راكضين باتجاه الطائرة، وصارخين بالطاقم أن ينتظرونا. ظن رجال الأمن، وقد التبس الأمر عليهم، أننا كنا جزءاً من الوفد ورافقونا حتى صعودنا إلى الطائرة، ظن موظفو القصر الرئاسي الذين كانوا على متن الطائرة أننا قد حصلنا على التصريح اللازم من أمن الرئاسة ومن القصر. وجدنا ثلاثة مقاعد فارغة في مؤخرة الطائرة، فجلسنا وأقفلنا حزام مقاعدنا وحاولنا البقاء غير واضحين وهادئين ما أمكن حتى أقلعت الطائرة.

حالما أصبحت الطائرة في الجو، بدأ الأدرنالين لدينا يتبدد بنفس السرعة التي حلقنا فيها عبر الغيوم. أدركنا كم كانت خطتنا تبدو جنونية. كانت خطة مجنونة بشكل مطلق. لا أحد يتسلل إلى المملكة العربية السعودية، إحدى أكثر الأمم تزمتاً على وجه الأرض، ويخرج منها سالماً! على الأقل منذ أيام لورنس العرب. اعتقدنا أننا سنُعتقل لحظة هبوط الطائرة فوق التراب السعودي.

استغرق الطيران من بيروت إلى الرياض حوالي الثلاث ساعات منحتني وقتاً كافياً لاستعراض سيناريوهات مختلفة حول كيفية اعتقالي وسجني عندما نهبط.

حالما وصلنا الرياض انقلبت الأمور رأساً على عقب. استُقبلت طائرتنا بموكب من سيارات الكاديلاك السوداء، التي نقلتنا إلى القصر الملكي حيث قدم الوفد اللبناني تعازيه إلى الملك الجديد، خالد. حاولت الاندماج مع مصوري الوفد الحكومي الرسمي ومع طاقم التلفزة التابع للتلفزيون اللبناني الحكومي.

دخلنا إلى قاعة كبيرة مليئة بالسجاد. وقف الملك خالد بلطف في إحدى نهايتي الغرفة بينما كان صف طويل من متمني الخير يشقون طريقهم، ويحيّون العاهل الجديد، ويعبرون عن تمنياتهم الطيبة ويغادرون. أحاط السعوديون الرسميون بالغرفة، وكانوا يقفون في كل مرة يفعل فيها ذلك الملك. قابل رئيس الوزراء اللبناني الملك، وتصافحا، وعبر له عن تعازي وطنه، وغادر, هذا كل شيء. لم يستغرق ذلك أكثر من خمسة عشر ثانية. وبما أنني أعمل لصالح وكالة أنباء دولية، فقد كنت بحاجة لأكثر من وجود رئيس الوزراء اللبناني مع الملك خالد، ولم أقنع بأن أغادر بهذه الحصيلة. تركت الوفد يغادر وبقيت في زاوية الغرفة ألتقط الصور لقادة العالم بينما كانوا يفدون. اكتفيت بعد حوالي ساعة، وقررت ألا أتجاوز خطي. فقد التقطت صوراً للملك خالد مع الملك خوان كارلوس ملك اسبانيا ، ونائب الرئيس الأمريكي نيلسون روكفولر، والملك حسين ملك الأردن ، والرئيس السوري حافظ الأسد، وياسر عرفات، وآخرين. غادرت الغرفة دون أن أثير الكثير من الانتباه، حاولت أن أجد سبيلي إلى خارج القصر الفخم. كنت مرعوباً من الاعتقال. كنت في قصر الملك دون شهادة وفي بلد دون تأشيرة دخول.

هبطت رواقاً طويلاً ووجدت أخيراً المدخل الأمامي. كان قلبي يخفق بعنف وأنا أشعر أن القصر كله يمكن أن يسمع دقاته أيضاً، كنت على وشك الوصول إلى الباب عندما بادرني موظف سعودي بردائه الأبيض العريض.

سأل بالعربية: ” من أنت؟ ”

تمتمت مجيباً بأفضل ما استطعت من العربية: ” أنا .. آه .. أنا … مع الوفد اللبناني “.

فقال وهو يحني رأسه باتجاه قلبه: ” آه، أهلاً وسهلاً دعني أوصلك إلى سيارتك “, ورافقني إلى سيارة كاديلاك سوداء كبيرة لامعة. أمر السائق أن يأخذني إلى موقع الدفن، حيث انكفأت وبقيت مع الوفد اللبناني لا أريد أن أجازف بقدري أكثر من ذلك.

تمت تغطية جسد الملك بعباءته، أو برداء بني يلبس فوق ( الدشداشة ) البيضاء، الذي أخرج من الجامع محمولاً فوق أكتاف المنتحبين بشكل جنوني وهستيري والذين صارعوا لبقائه وهم يندبون ويحاولون لمس الجسد. دفن الملك فيصل، بعد إتمام التقاليد الإسلامية، في قبر بسيط خال من أي علامة. انتهى كل شيء في أقل من عشرين دقيقة.

عدت إلى بيروت دون عائق في وقت متأخر من اليوم نفسه مع الوفد اللبناني. قرر مرافقاي، جيرارد ولوسيان، اللذين يعملان لصالح الصحافة المكتوبة، البقاء في السعودية لتغطية بقية القصة. كان على أن أوصل أفلامي إلى باريس في أقرب وقت ممكن.

عندما عدت إلى بيروت، اتصلت برئيس تحريري في سيجما بباريس.

قلت بهدوء: ” لقد عدت لتوي من السعودية وأعتقد أنني كنت المصور الصحفي الأجنبي الوحيد هناك. وفي الحقيقة، لم يكن هناك منافسونا. وحتى الوكالات البرقية مثل وكالة الاسوشيتد برس والمتحدة الدولية للصحافة، لم تكن هناك. أعتقد أنني كنت الوحيد. ”

قال لي رئيس التحرير: ” لا تشحن الأفلام وتغامر بفقدانهم. التقط أول طائرة وتعال مباشرة بنفسك  إلى باريس. ”

رحلة مجانية إلى باريس …. وقصة حصرية. كانت هدية عيد الميلاد عظيمة.

عودة إلى السعودية، فقد حاول لوسيان جورج وجيرارد كاستورياديس أن يحجزوا في فندق لكنهما اكتشفا في الحال أن ذلك غير ممكن. لا يوجد هناك أي فندق يمكن أن يسجلهما دون تأشيرة دخول نظامية. لم يكونا في البلاد بشكل شرعي، لذا فقد قضى الأثنان الأيام الثلاثة التالية يتنقلان من فندق إلى فندق يأخذون سِنَةً من النوم فوق مقاعد صالات الاستقبال.

وأخيراً، قررا أن الوقت قد حان للعودة إلى بيروت، وذهبا لرؤية وزير الأعلام ليشرحا له وضعهما.

أخبرا الوزير، بعد أن شرحا له كيف دخلا البلاد، قائلين: ” رسالة بسيطة منكم سوف تسهل بالتأكيد أمورنا في مركز الهجرة”.

أجاب وزير الإعلام: ” آوه، أنه أمر خطير، خطير جداً لم يكن عليكما دخول المملكة دون تأشيرة دخول. إنه خطأ فادح. أنا آسف، فليس هناك أي شيء أستطيع أن أفعله من أجلكما. يجب أن تذهبا لمقابلة مدير الهجرة. وقد فعلا.

قال مدير الهجرة: ” آوه، هذا أمر خطير، ما كان عليكما دخول المملكة دون تأشيرة دخول. إنه خطأ فادح. أنني آسف، فليس هناك أي شيء أستطيع أن أفعله من أجلكما. يجب أن تذهبا لمقابلة وزير الإعلام “.

قرر المراسلان، وقد أشرفا على اليأس، أن أفضل حل كان في أن يتوجها إلى المطار ويحاولان مناقشة خروجهما. عندما وصلا إلى مطار الرياض، شاهدا طائرة تابعة للخطوط الجوية اللبنانية ( الشرق الأوسط ) تهبط. ليس من عادة طيران الشرق الأوسط تسيير رحلات إلى الرياض. وبالاستفسار عن الأمر تبين أن وفداً لبنانياً ثانياً قد وصل إلى المملكة العربية السعودية. قام لوسيان وجيرارد بملاحقتهم وهم ينزلون. تصادف أن لوسيان كان يعرف أحد أعضاء الوفد، وهو عضو في البرلمان اللبناني، الذي وجد في الفرار عملاً ممتعاً ورتب للصحفيين المنقطعين في بلد غريب أمر عودتهم إلى بيروت معه في وقت لاحق من ذلك اليوم.

(*) جون كوولي، الحصاد: حرب أمريكا الطويلة في الشرق الأوسط ( واشنطن د.سي. : براسيس، 1991 ) ـ ص 60 

***

(يتبع)

الحلقة السادسة: الفصل الخامس (أكاديمية الإرهاب)

 

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى