من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء – صحافي في الشرق الأوسط (الحلقة السابعة)
كلود صالحاني
من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء
صحافي في الشرق الأوسط

تأليف: كلود صالحاني ترجمة: نضال بديع بغدادي
الحلقة السابعة
الفصل السادس
(6/1)
الفصل السادس
الأحداث
سوف يغرقك العنف الذي تسببت به للبنان.
حبقوق 2 : 17
” الأحداث ” هو التعبير الذي يستخدمه اللبنانيون للإشارة إلى سبعة عشر عاماً من الحرب الأهلية، والغزو الإسرائيلي، وتفجير السيارات، والتدخل السوري، وكل فاجعة أخرى ضربت هذا البلد في الثالث عشر من نيسان 1975 وما بعده، وهو الاندلاع الرسمي للحرب الأهلية. غالباً ما يُستقبل الزوار الأجانب بالسؤال ” هل عرفت لبنان قبل الأحداث؟ ” كمحاولة من اللبنانيين للشرح بأن بلدهم كان ببساطة يمرّ بمرحلة سيئة.
يجب على المرء، لكي يكتشف الأسباب من وراء ” الأحداث “، أن يحفر عميقاً في حوليات التاريخ المشرقي وفي ماضي لبنان المضطرب. لقد بُلي لبنان لقرون بصراعات الأخوة وبالصراعات الدينية، وبشكل خاص بين مسيحي البلد وبين مسلميه ودروزه.
يسيطر على مسيحي لبنان المسيحيون الموارنة الذين ينتمون إلى مذهب الكنائس الشرقية. الموارنة هم أتباع القديس مار مارون، وهو راهب سوري أقام في المرتفعات إلى الشرق من بيروت. تسمح كنائس المذهب الشرقي، على عكس الكنيسة الكاثولوكية الرومانية، لرجال كهنوتها بالزواج وإنجاب الأطفال. ورغم اعترافهم بالبابا، إلا أن كنائس المذهب الشرقي محكومة مباشرة بالبطاركة. تورط الموارنة بصدامات طائفية بغيضة مع الدروز لمئات من السنين.
ينتمي الدروز إلى طائفة دينية باطنية انشقت عن الإسماعيليين ( وهم نفسهم فرع من المسلمين الشيعة ). يبلغ تعدادهم حوالي نصف المليون يعيشون بشكل رئيسي في لبنان وسورية وبنسبة أقل في اسرائيل والأردن. الدروز الاسرائيليون مندمجون بشكل جيد في المجتمع الاسرائيلي. يخدم الدروز، عكس عرب اسرائيل الآخرين، في الجيش الاسرائيلي.
بدأ المعتقد الدرزي في القرن الحادي عشر على يد الخليفة الفاطمي الحكيم ومبشره الدرازي الذي اشتُق منه اسم الدروز. يؤمن الدروز بالتقمص. الوحيدون الذين يمتلكون الحق بالوصول إلى ” كتابهم المقدس ” هم الشيوخ الكبار، وهو كتاب ديني يُدعى ” كتاب الحكمة “. لا يسمح الدروز بأي تحول في العقيدة ولا يحبذون التزاوج.
تطلع مسيحيو لبنان عادة إلى دعم الغرب، وبشكل خاص فرنسا، الحاكم الاستعماري السابق للبنان. واعتاد المسلمون والدروز على الشعور بأنهم أقرب إلى العالم العربي.
منحت فرنسا للبنان استقلاله ، بعد الحرب العالمية الثانية. اصبح لبنان في عام 1946 البلد الوحيد في الشرق الأوسط ذا الأغلبية المسيحية. تم التوصل إلى اتفاق جنتلمان بين مختلف الطوائف الدينية على انتخاب مسيحي ماروني إلى منصب الرئاسة وذلك لحماية مسيحي لبنان، الذين كانوا يشكلون حينها أغلبية في البلد، رغم أنهم ظلوا أقلية في المشرق. وكان يمثل الدين الرئيسي الآخر في البلد رئيس الوزراء السني ورئيس مجلس النواب الشيعي. كانت كافة الوظائف الحكومية من أعلى المستويات وحتى مراسلي الوزارة، تُخصص حسب الحصص الدينية وليس على أساس الكفاءة الشخصية. وحتى فرق كرة القدم الوطنية كانت تُقسم استناداً إلى الخطوط الدينية.
تغيرت المعادلة في أواخر السبعينات. فقد فاق المسلمون الآن المسيحيين عدداً وتحدوا حقهم بالرئاسة. أعلن الرئيس رشيد كرامي نفسه مرشحاً في السباق على منصب الرئاسة الذي كان مقرراً في عام 1976. بدأ المسيحيون، وقد شعروا بالتهديد، بالتسلح وتدريب الميليشيا سراً. تم إحداث مخيمات للتدريب العسكري في جبال كسروان لتدريب العناصر الشابة في حزب بيير الجميل الكتائب، وحزب كميل شمعون الوطنيين الأحرار ومجموعات يمينية مسيحية أخرى.
أُضيف إلى التوتر المتفجر القائم الشيعة والأكراد والفلسطينيين الذين يعيشون في مخيمات كبيرة للاجئين وأحياء فقيرة تشكل حزام بؤس حول بيروت.
باشر كميل شمعون في عام 1975. وهو قائد الجناح اليميني ( حزب الوطنيين الأحرار ) ومعمّر سياسي بشعر أبيض كالثلج والذي خدم لفترتين رئاسيتين كرئيس للبنان، عملاً جديداً مغامراً. أنشأ قاعدة صيد على ظهر سفينة كان مقرراً لها أن ترسو على شاطئ صيدا في جنوب لبنان. أغضب المشروع صيادي السمك المحليين، والذين كانوا محقين في خوفهم من أن معيشتهم قد تختفي. تم تنظيم مسيرة كبرى في السادس والعشرين من شباط بتشجيع من القوى المسلحة المناهضة للحكومة في صيدا. ترأس المسيرة معروف سعد، وهو نائب برلماني من الميناء الجنوبي وقائد الحزب المحلي المؤيد للناصرية.
اغتال قنّاص، خلال المسيرة، سعد. نُقل النائب المصاب على وجه السرعة إلى مشفى الجامعة الأمريكية في بيروت حيث توفي أخيراً. منعت الحكومة، خوفاً من التبعات، نشر خبر موته لمدة ثمانية أيام، مدعية بأن سعد ما زال في غيبوبة.
تم اعتقال القناص. تبين أنه جندي في الجيش اللبناني. وبادعاء أن القيادة المسيحية للحكومة قد قتلت سعد عن عمد، فقد اشتعلت صيدا. أعلن الناصريون الإضراب العام، وهو ما أدى بالمدينة إلى توقف كامل. أُمر بالإضراب أيضاً في بيروت وطرابلس وصور. أغلقت المدارس والمتاجر والأعمال. اندلعت الصدامات بين المسلمين الناصريين اليساريين، مدعومين بالمجموعات الفلسطينية، وبين الجيش اللبناني. وفي محاولة لتهدئة الاضطرابات، قامت الحكومة بعزل محافظ جنوب لبنان. اندلع قتال متزايد، راح ضحيته خمسة عشر مواطناً وخمسون جريحاً. كان من بين القتلى خمسة جنود من الجيش اللبناني.
كانت هذه هي البداية الفعلية للحرب الأهلية اللبنانية. ومنذ ذلك الحين تدهور كل شيء. بعد ذلك بتسعة أيام، أُعيد في السابع من آذار جثمان معروف سعد إلى صيدا، حيث نُظمت مراسم دفن ضخمة. ولأول مرة، ظهر في الشوارع رجال مقنعون يتسلحون بالرشاشات الآلية السوفيتية. بقي الجيش والشرطة خارج المشهد تماماً، تاركين المدينة للجماعات المسلحة. أُغلقت الطرق الرئيسية بإطارات السيارات المشتعلة داخل المدينة وخارجها. لزم السكان منازلهم، وأعطت الشوارع المقفرة لصيدا مظهر مدينة أشباح.
توجهت لصيدا لتغطية الجنازة. تقدمت في طريقي إلى منزل معروف سعد متفادياً الإطارات الملتهبة وملتوياً بين براميل النفط وموانع الطرق المؤقتة. وقف رجال مسلحون عند كل تقاطع وزاوية شارع. اتخذ آخرون مواقع لهم فوق أسطحة المنازل موجهين أسلحتهم إلى الأسفل. أعطى دخان الإطارات المحترقة المدينة رائحة مخيفة. لم تكن لتلمح أي رجل شرطة في هذا المكان. كان الأمر مخيفاً حقاً. لم تفقد السلطة المركزية اللبنانية السيطرة على مدينة رئيسية إلى هذا الحد منذ الحرب الأهلية السابقة في عام 1958. كانت صيدا ثالث أكبر مدينة في لبنان. كان ذلك مجرد نذير لما يخبئه المستقبل.
تجمع مئات الأشخاص أمام منزل سعد، وهو مبنى متعدد الطوابق يقع في أحد الشوارع الجانبية الضيقة في صيدا. حمل معظم الرجال السلاح، بينما احتشدت النساء الناحبات اللواتي ارتدين السواد في مجموعات صغيرة. وكان رجال مسلحون يتمشون ببطء داخل البناء في كل طابق وفي كل زاوية وعند كل منبسط درج. استطال صنف الناس المنتظمين في طابور لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على القائد الناصري على طول الشارع.
كنت أشق طريقي عبر الجموع الكثيفة، آخذاً طريقي ببطء إلى الطوابق العليا، عندما ارتمى فجأة ثلاثة مصورين صحفيين لبنانيين إلى أسفل الدرج، مُطاردين برجل ضخم يهددهم بمسدس في يده. كان الرجل الذي يرتدي السواد بشكل كامل ويحمل لحية عمرها ثلاثة أيام، في حالة من الهياج الوحشي.
بدت عيناه اللتان تقدحان شراراً وكأنهما جاهزتان للانفجار في محجريهما. بدا الصحفيون خائفين. قفزوا نازلين الأدراج كل أربع درجات في وقت واحد، وآلات التصوير ترتطم بالجدران الاسمنتية بينما كانوا يحاولون بيأس التخلص من الرجل المجنون. بالرغم من حجمه الضخم، فقد كان الرجل سريعاً بشكل مدهش على قدميه.
وجدت نفسي محصوراً في طوفان من الأجساد الصاعدة على جانب من الأدراج الضيقة، بينما كان المصورون يتسابقون هابطين على الجانب الآخر، بحيث لم يفسحوا لي مكاناً للتراجع. وصل الرجل الهائج، وعندما وجد أنه من الصعب أن يقبض على الصحفيين الآخرين، فقد قرر أن يقضي على فريسة أسهل وهي : أنا!
وقعت في الشرك. ببساطة لم يكن هناك مجال للهرب. أدركت، وقد حوصرت في الحشد، غير قادر على المضي إلى أعلى أو إلى أسفل، أن لدي خيارين وحوالي ثانيتين لأختار أحدهما، فإما أن أتوسل البقاء على قيد الحياة، وهو ما أعرف أنه أمر لا رجاء منه، أو التفكير ببديل سريع.
تظاهرت بالحزن وأنا أطبق على الشخص المتوحش حول الرقبة. ” لقد قتلوه ” ورحت أنتحب قائلاً: ” أولاد الزنى لقد قتلوه “.
فعلت الخطة فعلتها! بدأ يهدأ من روعي. ” معلش، معلش ” قالها باللهجة المحلية. لم أجرؤ على أن أتركه لخوفي أن يلاحظ بأنني لم أكن أبكي بشكل جدي.
تابعت تظاهري وأنا أخفي رأسي فوق كتفه. قال لي: ” حسن. تعال معي إلى الأعلى والتقط صورك. ” انتحبت قائلاً: ” من يهتم للصور الملعونة. لقد قتلوه. ”
تحول الوحش إلى حمل وديع. قبلني فوق وجنتي ربّت فوق ظهري. ” معلش. تعال معي “. جرني إلى أعلى الدرج صاعداً بي إلى غرفة المعيشة حيث كان معروف سعد مُسّجى فوق سرير، تحيط به مجموعة من النساء الناحبات والمرتديات السواد. كنّ يلوحّن بمناديل بيضاء إلى الخلف وإلى الأمام فوق رؤوسهن، يصفعنّ صدورهن، ويتفجعن على موت سعد. تحول صديقي الجديد إلى حارسي الشخصي، أخذ على عاتقه ألا يزعجني أحد بينما كنت ألتقط صوري للمشهد، ثم رافقني إلى سيارتي.
عادت صيدا إلى وضعها الطبيعي بعد يوم أو يومين، واعتقد الجميع مخطئين أن لبنان يمكن أن يستمر بالحياة كما كان من قبل.
تابعت، بعد عودتي إلى بيروت، قصتي مع الجبهة الشعبية ( القيادة العامة ) و ” أكاديمتها للإرهاب “. قامت المجموعة الفلسطينية، يوم الأحد الذي تلا، عرضاً عسكرياً في بيروت الغربية للاحتفال بالذكرى السنوية لعملية الكوماندوس المميتة والرهيبة بالإغارة على مستعمرة كريات شمونة وهي مدينة اسرائيلية حدودية في الجليل الأعلى. ذهبت آملاً أن يتيح لي العرض التقاط صور كافية لاختتام القصة.
كان المغاوير شباباً، متكبرين، وفخورين بأنفسهم سخر آلاف من فدائيي الجبهة الشعبية ( القيادة العامة ) من الحكومة اللبنانية عن طريق عرض للقوة لم تعهد مثيلاً له من قبل. استطعت، من بين آلاف الوجوه، معرفة بضع متخرجين من أكاديمية الإرهاب.
قام المغاوير باستعراضهم على طول شارع المزرعة المزدحم مرتدين الزي المموه وحاملين على أكتافهم الأربي جي وأسلحة آلية من صنع سوفيتي. وكان آخرون يعتلون سيارات الجيب وناقلات الجند المجهزة بأسلحة كورية شمالية وصينية مضادة للطيران.
كان ذلك هو العرض الأول من نوعه في بيروت. ظلت مثل هذه العروض، في الماضي، محصورة ضمن حدود صبرا وشاتيلا والفاكهاني، وهي الأحياء الفقيرة التي يسيطر عليها الفلسطينيون على طول حزام البؤس الذي يحيط ببيروت. أسـس الفلسطينيون أنفسهم منذ استقرارهم في لبنان عام 1970، كدولة ضمن دولة. سيطرت منظمة التحرير الفلسطينية على أجزاء من بيروت والمدن الأخرى، لكنهم ظلوا دائماً ضمن مقاطعتهم. لكن المغاوير الفلسطينيين تجرأوا الآن على الخروج خارج مناطق سيطرتهم المعتادة وبالسلاح الثقيل.
استمر الموكب طيلة ساعات بينما كانت النسوة والرجال الشبان يسيرون فخورين، في الغالب خارج الخطوة المنتظمة، يغنون الأغاني التي تمجد ” شهدائهم “. كان الفلسطينيون الذين يُقتلون في المعركة شهداء دائماً، حتى وإن كان بعضهم يقود سيارته الفخمة على طول كورنيش بيروت. هتف المسلمون الشباب الذي اصطفوا على طول مسار العرض للمقاتلين. أما الآخرون، ومن بينهم الشرطة اللبنانية، فقد راقبوا الوضع بتوجس.
توجه الفلسطينيون، عند انعطافهم يميناً قبل وصولهم إلى حلبة سباق بيروت، نحو ” ساحة الشهداء “، حيث انفض العرض. ومن هناك استقل المقاتلون وعائلاتهم الحافلات وتوجهوا عائدين إلى مخيمات اللاجئين.
رافقت، بعد تغطية العرض، صديقي الجيد دومينيك بوديه من التلفزيون الفرنسي إلى الغداء في عاليه، وهي بلدة لطيفة في المرتفعات إلى الشرق من بيروت.
كانت عاليه المنتجع الصيفي المفضل للآلاف من العرب من دول الخليج الغنية بالنفط. ينزح إليها في كل عام هرباً من حر الصيف آلاف الكويتيين والسعوديين، وعرب الخليج الآخرين، لقضاء عدة شهور وصرف عدة ملايين من دولارات النفط.
وصل ضجيج الانفجارات وإطلاق النار مع وصول حلوى ما بعد الطعام. كانت الأصوات بعيدة ومبهمة مع ارتفاع الهضبات وأشجار الصنوبر التي تغطي معظم جبل لبنان. تابعنا احتساء القهوة ونحن نلوم مخيلتنا الواسعة. لا يمكن لأية وجبة لبنانية أن تنتهي دون احتساء فنجان من القهوة التركية الكثيفة والحلوة.
بينما كنا عائدين إلى بيروت في وقت متأخر من ذلك المساء، وجدنا المدينة وقد تحولت تماماً. اتخذت وحدات من الفرقة 16 نخبة قوات الشرطة في بيروت، وهي نوع من الفريق الضارب وقوة طوارئ مكافحة الشغب مندمجة في قوة واحدة، مواقع لها على طول الطريق بين الجوار المسيحي لعين الرمانة والمنطقة المسلمة المتاخمة للشياح. سألنا رجال الشرطة عند إشارة مرور ضوئية عما حدث.
أجاب قائلاً: ” لاشيء يدعو للقلق “.
توقفنا، بعد بضعة أميال، في شارع المزرعة لشراء كيك من ” الجندول ” وهو واحد من أفضل المخابز في بيروت. كان الجندول يقع مباشرة عبر الشارع من ثكنات الفرقة 16. ارتدى العديد من الحراس الواقفين خارج البناء خوذ القتال بدلاً من قلنسوات البيريه الحمراء المعتادة. لا يرتدي رجال الفرقة 16 الخوذ إلا في الحالة التي يكون فيها الوضع خطيراً جداً.
وُجِهنا عند عودتنا إلى مكتب دومينيك ببرقية على خط وكالة فرانس برس البرقي.” تعرضت حافلة ركاب تقل مغاوير فلسطينيين وعائلاتهم وهم عائدون إلى تل الزعتر من عرض بيروت إلى كمين في عين الرمانة، وهي ضاحية مسيحية. قتل سبعة وعشرون شخصاً. وجرح عدد كبير من الأشخاص”.
أقدم رجال مسلحون مجهولون، بينما كان العرض العسكري ما زال مستمراً، على إطلاق النار من سيارة مسرعة وقتل رجلين مسيحيين كانا يشتركان في عمادة في كنيسة مارونية في عين الرمانة، حيث كان بيير الجميل، قائد حزب الكتائب المسيحي، يحضر الحفل. فتح المسيحيون النار، عندما مرت الحافلة التي تقل الفلسطينيين، الذين كان بعضهم مسلحاً، من نفس المنطقة المسيحية المجاورة بعد فترة قصيرة من ذلك الحادث، مدعين أنهم ظنوا بأن المهاجمين السابقين قد عادوا مع قوات معززة.
بينما كانت الظلمة تعم فوق بيروت، انطلقت طلقات متناثرة على طول ما كان سيصبح خط الجبهة ” التقليدي ” الذي يفصل شرق بيروت عن غربها، وتكدس الناس الخائفين بأمان في منازلهم. تم تفجير نصف دزينة من المخازن التي كان يمتلكها المسيحيون في المنطقة التجارية وسط المدينة. في منتصف الليل. تردد صوت الانفجارات في شوارع بيروت المقفرة. وفي الدكوانة، وهي ضاحية مسيحية، قتل أربعون شخصاً بسبب الهجمات الصاروخية ومدافع الهاون.
كنت عائداً إلى منزلي بعد تصوير المصيبة التجارية اللبنانية الأولى، وهي مخزن ألبسة رجالية تم تدميره في باب إدريس، قلب المنطقة التجارية في بيروت، عندما تردد صدى انفجارين آخرين خارج الأبنية المغلقة. تبع الانفجارين على الفور انفجارات مستمرة وطويلة لنار الأسلحة الآلية.
قال سائقي حسين متفجعاً وهو يهز برأسه ببطء ” أنها البداية. لا أحد يستطيع توقع ماذا سيأتي بعد هذا. إنها مجرد بداية. ” كانت تقاطعه رشقات أخرى من نار الأسلحة الآلية وهي تمزق الليل.
تابع قائلاً: ” ستستمر العديد، العديد من السنوات، قبل أن نتمكن من العودة إلى وضعنا الطبيعي. ” قال والدموع تجري من عينيه: ” لبنان خلاص. لبنان خلاص “. أعاد هذه الجملة على نفسه ببطء.
ظننت أن حسيناً يبالغ. لكنه لم يكن. كان ذلك في الثالث عشر من نيسان عام 1975.
استمر القتال، في الأيام التي تلت الاندلاع الأولي للعنف، متقطعاً حول جبهة الشياح ـ عين الرمانة بين الميليشيات الكتائب وبين الفدائيين الفلسطينيين. وبما أننا أنا وبوديس ومصوره باتريك شميت والسائق ليست لدينا تلك المعرفة في ضواحي بيروت، فقد كنا نتجول باستمرار في شوارع بيروت الخلفية بحثاً عن قتال حقيقي. ولكن ثبت أن ذلك أمر صعب.
كان صوت البنادق مسموعاً في العاصمة كلها، ولكن يبدو أن معظمها كانت مصوبة باتجاه السماء ونحو أهداف متخيلة. بدا تحديد الموقع الدقيق لإطلاق النار مهمة شاقة. لم يكن هناك خط جبهة حقيقي للتحدث عنه. كان معظم القتال يدور من أسطحة الأبنية وشبابيك الشقق.
كانت سيارات الإسعاف تعول عبر المدينة حاملة الإصابات التي كانت في معظمها من المدنيين الأبرياء المتفرجين الذين اصطيدوا في النيران المتقاطعة، إلى المستشفيات. دفعت أصداء الانفجارات العالية المسموعة عبر المدينة المهجورة، إضافة إلى الهلع والتشويش الكامل، المدنيين إلى الإسراع في إيجاد ملاجئ لهم. ما زال لنا أن نشهد قتالاً حقيقياً.
كان كلاً من المسيحيين والفلسطينيين متلهفاً أن يرينا ” آثار القصف الهمجي “، وكل منهما يدين للطرف الآخر بأنه السبب في كارثته. أرونا حفراً مروعة مزقت مقدمة أبنية سكنية شاهقة الارتفاع والدكاكين ذات التصميم الفرنسي والتي تعرضت للنهب. تضمنت الرحلة في العادة جولة حول مشافي المدينة حيث يوجد الجرحى المدنيون معظمهم من الأطفال الصغار، الذين يحتضرون في أسرّة ملوثة. تساقطت النفايات غير المجموعة بشكل فظ خالقة جبالاً صغيرة من الروائح الشنيعة للنفاية في كل زاوية من كل شارع. بدأت السلطة اللبنانية المركزية، بما فيها خدمات البريد والهاتف، بالتفسخ. كان كل طرف، في الأيام الأولى للحرب الأهلية اللبنانية، غير منتظم بقدر ما كانت العلاقات الصحفية معنية. ابتعد الفلسطينيون عن الصحافة، راغبين عن الدعاية لتورطهم فيما كانوا يدعون بأنه كان ” مشكلة لبنانية بحتة “. كانت الميليشيات المسيحية حذرة من الصحافة التي اتهمتها بكونها ” في معظمها يسارية ومتعاطفة مع منظمة التحرير الفلسطينية. ” وهكذا قمنا، وبالأحرى دومينيك، باختراع خطة بسيطة. كان علينا اللحاق بسيارات الإسعاف المتوجهة لجمع الإصابات. لابد أنهم يعرفون بالتأكيد المكان الذي كان يجري فيه القتال. ظللنا نجري دون هدف حول بيروت الشرقية لمدة ساعتين حتى وصلنا الضاحية السكنية لسن الفيل.
لم يكن أحد منا يعرف معرفة جيدة الطريق حول بيروت، رغم أننا جميعنا نعيش في بيروت منذ عدة سنوات. فأنا، على سبيل المثال، قد نشأت هناك. لكن لا أحد منا كان لديه أي سبب للتجول خارج المحيط الضيق جداً لمقاطعة الحمراء الأنيقة حيث كنا جميعنا نعيش ونعمل، ولشارع الفينيق المألوف بحياته الليلية، ولمطار بيروت. معظم المراسلين وأنا من بينهم، يعرفون طريقهم حول القرى والبلدات اللبنانية الجنوبية أفضل مما نعرفه عن بيروت. كنا مشغولين جداً عادة في تغطية القصص خارج المدينة. لقد كانت قاعدة لنا أو ملاذاً آمناً نعود إليه للراحة والاستجمام بعد مهمات طويلة في باقي مناطق العالم العربي. والآن فقد تعرض هذا الملتجأ إلى التدمير ونحن نراقبه بكسل.
رأينا قافلة من سيارات إسعاف الصليب الأحمر الدولي تمضي عبر الشوارع المقفرة بسرعة تقارب التسعين ميلاً في الساعة واعتُبرت كطريدة. قطعنا حوالي ميل واحد عندما أصبح صوت إطلاق النار أعلى. كانت الرصاصات تئز فوق سطح السيارة. تبعنا، دون أن نتحقق من هذه الرصاصات، قافلة الصليب الأحمر إلى داخل مخيم اللاجئين الفلسطيني المحاصر في تل الزعتر.
أدهش وصولنا إلى داخل المخيم الفلسطينيين الذي ابتهجوا لرؤيتنا، لكنهم كانوا مقتنعين في ذات الوقت أننا مجانين تماماً كان ممثلو الصليب الأحمر السويسري غاضبين بالطبع. بينما كان المخيم بأكمله يحاول يائساً الفرار للحفاظ على الحياة، يأتي أربعة صحفيين تافهين منطلقين بسرعة ” بحثاً عن المعركة “. حتى هنا، كان كل الفلسطينيين يريدون أن نرى أين هي إصاباتهم. قالوا لنا مدعين: ” نحن ندافع فقط عن أرواحنا “.
نقلت الإصابات الأشد خطورة بسرعة إلى سيارات الإسعاف. لم يكن ذلك ما جئنا نبحث عنه. كنا نريد تصوير المقاتلين أثناء القتال، لكن الفلسطينيين لم يسمحوا لنا.
ازداد القتال حول تل الزعتر، بينما كان العصر يحل، مما جعل من المستحيل علينا مغادرة المخيم دون أن نُقتل. بدت محاولة الصليب الأحمر التفاوض على وقف قصير لإطلاق النار غير ذات جدوى. استمرت الميليشيات المسيحية دون شفقة بسحق مخيم اللاجئين. المحاصر. زحفت الظلمة ببطء على المخيم، وكان علينا ببساطة أن نغادر قبل حلول الليل أو أن نخاطر بقضاء الليل هناك، وهذا أمر لم نكن لا نحن ولا الصليب الأحمر نتطلع إليه. أصاب العاملين القلق على مصير الجرحى. سيموتون في الحال إن لم يتلقوا العناية الطبية المناسبة. هذا ما دفعهم للاستعجال في إيجاد مخرج لذلك. وافقوا على السماح لنا باللحاق مع آخر سيارة في القافلة. قفز كل واحد بسرعة في سياراتهم، وانتعشت المحركات وكأنه يتم التحضير لإقلاع آلية من إندي 500. كنا مستعدين لانطلاق يائس سريع نحو المنطقة المسيحية.
(يتبع)
الحلقة الثامنة: الفصل السادس (الأحداث) 6/2



