كتاب في حلقات

من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء – صحافي في الشرق الأوسط (الحلقة الثامنة) 6/2

كلود صالحاني

من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء

صحافي في الشرق الأوسط

 

 

 

 

تأليف: كلود صالحاني                                     ترجمة: نضال بديع بغدادي

 

  الحلقة الثامنة

الفصل السادس

(6/2)

كنا مضطرين، قبل الوصول إلى الأمان المنشود للأبنية العالية في الجانب المسيحي، على عبور جادة عريضة ومكشوفة، وأن ننطلق حول دائرة مرورية، عابرين طريقاً عاماً يحوي أربع خانات، ثم نأخذ طريقنا باتجاه مرتفع شديد الانحدار، وكل ذلك ضمن مشهد مكشوف بشكل كامل لكلا العدوين. وبما أنه لم تكن هناك أية حركة على الطرقات، فقد استغرق الطريق أقل من دقيقة واحدة. بدت وكأنها أبدية.

انحنينا، أنا ودومينيك بوديس، فوق أرضية سيارة البيجو بينما كان المصور باتريك مستلقياً فوق الأرض في مقدمة السيارة. الوحيد بوب، الذي عاش خلال أسوأ أيام الحرب الجزائرية الفرنسية. هو من حافظ على برودة أعصابه متخذاً سبيله عبر الممرات الضيقة والانعطافات الحادة برشاقة سائق سباقات. قررنا، من أجل إخراج عقولنا من الجنون الذي يحيط بنا، أن نغني أغنية. حضرت في بالنا أغنية إلتون جون ” بيني والنوافير ” BENNY AND THE JETS ” وهي أغنية مشهورة سائدة أذيعت بشكل مستمر في إذاعة بيروت خلال الأسابيع الأخيرة. يقول بيت من الأغنية ” B B B BENNY AND THE JETS… “، ولكن بما أننا كنا ننعطف حول الزوايا متجنبين نار القنص وقنابل الهاون، فقد كنا خائفين جداً بحيث استمرينا بالتأتأة على حرف “B B B B B B B  “، غير قادرين على الاستمرار بإنشاد باقي الأغنية. ولغرابة الأمر، فإن الفكرة الوحيدة التي راودتني تلك اللحظة كانت في أن أعيش ما يكفي لأستمتع بفطيرة التفاح التي قامت زوجة دومينيك، جوليانا، بخبزها صبيحة ذلك اليوم.

تطورت الحرب وانتشر القتال إلى مرتفعات جديدة، متوسطة ببطء عبر معظم بيروت كسرطان خبيث، يبتلع مناطق مجاورة مؤدياً إلى المزيد من الضحايا كل يوم. وبلمح البصر تحولت العاصمة اللبنانية ممزقة إلى معسكرين مسلحين متنازعين.

سريعاً ما بدا واضحاً أن الأحقاد كانت ستدوم تماماً مثلما تنبأ حسين، سائق التكسي. كان لبنان غارقاً في حرب طويلة ومكلفة. كان البلد يغرق ببطء في مستنقع من الكراهية والدمار، دون أن تبدو هناك نهاية معقولة في الأفق. ففي كل مرة يتم فيها التوصل إلى وقف لإطلاق النار، تقوم ” عناصر غير منضبطة ” بإعادة الزمر المتحاربة إلى مسار الحرب.

أخذنا نعتاد تدريجياً، بأسلوب من النوع الغريب، على القتال وأخذت حياتنا تنسجم مع نسق رتيب. مثلما يقوم المرء “بالذهاب إلى مكتبه “، كنا نذهب إلى خطوط الجبهة للتحقق من آخر قتال. ومع مرور الوقت، شاهدنا معارك حقيقية. قمنا بتغطية قتال البنادق على جانبي الخط الأخضر. رأينا جثث قتلى، وبدأنا نعرف طريقنا بشكل جيد حول المدينة. أصبحت الاتصالات مع الميليشيات أسهل حيث بدأ الطرفان الانتباه إلى قيمة الصحافة وحاولوا بشكل طبيعي التأثير في الإعلام الإخباري بناء على ذلك. كان الشيء الذكي هو استخدامهم لصالحنا، ولجمع المعلومات وتسليمها في أكثر الأساليب موضوعية. كانت هناك قصص كل يوم لتغطيتها، وصور لتسجيلها، وأناس لنتحدث إليهم. كانت تلك جنة الصحفي. لكنها كانت أيـضـاً كـابـوساً بـأن تـشهـد عـلـى الـتـدمـيـر المـنظم لـلـبنية الـتحتيـة لـلبـلد ومـغادرة طـبقتـه الـمثـقفـة بـيـنما أخـذت سـلالـة جـديـدة مـن قـادة الميليشيات تأخذ مكانها.

كان القتال، في الأيام الأولى للحرب الأهلية، ما زال محصوراً في وسط المدينة، وفي المناطق التي تؤلف المراكز الرئيسية لحزب الكتائب في الصيفي، وساحة الشهداء، وباب إدريس، والأسواق القديمة. كانت الأسواق مجموعة من الأزقة الصغيرة والضيقة حيث يمكن أن توجد تشكيلة متنوعة واسعة من البضائع. كانت هذه الأسواق موجودة في المدينة منذ مئات السنين، وكانت نوعاً من مركز التسوق التجاري في شرقي المتوسط. يوجد في سوق الذهب عشرات المخازن الصغيرة، وبعضها بالكاد لا يتسع لأكثر من شخصين، تعرض بملايين الدولارات ذهباً من عيار 24 قيراط وأحجاراً كريمة في نوافذها. يعكس البريق الأخاذ انطباعاً بأن الشمس كانت تشرق دائماً حتى في الليل. وإلى جانبه كان هناك سوق اللحم، حيث كان اللحامون يعلقون الذبائح خارج أكشاكهم. كان الدم يقطر من ذبائح الحيوانات الطازجة في مصارف مفتوحة. كانت الكبدة والنخاع والمصران وقطع الصدر مُعلقة في الهواء الطلق جاذبة أسراباً من الذباب. كان هناك أيضاً سوق السمك، وسوق الخضار، وسوق الخردوات، وسوق الأدوات المعدنية، وما إلى ذلك. كان سوقي المفضل دائماً، على أية حال، هو سوق البهار، حيث كان ينبعث شذاً خارقاً من خليط أنواع البهار المختلفة المستوردة مثل حب الهال، والزنجبيل، والكمون، والحناء الأحمر، والكاري الأصفر، وينتشر بنعومة في الهواء.

كل ذلك أصبح الآن مجرد ذكرى للماضي. لم يبق شيء من الأسواق سوى أكوام من الحجارة ودعائم الرماد المحروق. نُهب معظم الذهب من قبل الطرفين. تُلفت الأسواق الأخرى بالنار والتهمتها صراعات الأسلحة النارية الآلية.

كانت النيران كثيفة بشكل لم تتمكن معه فرقة إطفاء بيروت من التعامل معها. استُدعيت فرق النيران والأجهزة من دمشق للمساعدة. ومع اختفاء الأسواق والنشاط المحموم الذي تجلبه، فقد تبخرّ جزء من لبنان. لقد فُقد جزء مهم من إرث البلد إلى الأبد.

كنا أنا وبوديس وفريقه، نتوجه، تاركين خلفنا الرماد والقتال في وسط المدينة، إلى نادي اليخوت وسان جورج، الذي يقع جانب الفندق الشهير سان جورج. كنا نجلس، لنرتاح من عناء يوم عمل كامل، في الشرفة الواسعة إلى جانب حمام السباحة، نرتشف الجين والتونيك مثل ( النيروس NEROS ) المعاصرين. كنا نراقب من هناك غيوماً سوداء كثيفة من الدخان وألسنة اللهب الهائلة تثب فوق بيروت. وفي كل يوم، كان القتال يصبح أكثر قرباً. كانت رشقات الأسلحة الآلية في بعض الأحيان تسقط في البحر الأبيض المتوسط مخلفة الرذاذ، ومسببة للرعب بين السباحين، ومتزلجي الماء، والذين يأخذون حماماً شمسياً، وتجبرنا عن التخلي عن شرابنا والتراجع عن الشاطئ إلى داخل الفندق الآمن.

سريعاً ما تحولت الفنادق الممتازة المواجهة للبحر، السان جورج، وفينيقيا انتر كونتينتال، وشاطئ النخيل، والمارتينيز، إلى حصون بيد الميليشيات المتصارعة والتي أخذت تتبادل الصواريخ ونيران الأسلحة الآلية من الأجنحة الشقق في هذه الفنادق. يمكن أن نرى من بعيد رجلاً مسلحاً مقنعاً يعزف على البيانو الضخم في بار فندق السان جورج، وقد وضع سلاحه بشكل لا مبال فوق لوحة مفاتيح البيانو العاجية.

يتصاعد القتال عادة مع غروب الشمس، واضعاً حداً لأي حدود طبيعية مهما كانت قليلة خلال النهار. يندفع رجال الميليشيا وقاطعو الطرق مثل الجرذان خارجين من جحورهم ليسيطروا على المدينة. كان ذلك مشابهاً لأسلوب شيكاغو في حرب العصابات بنسبته القياسية إضافة إلى المدفعية الثقيلة.

يبدو أن الحروب تسترعي انتباه الناس من النوع الأكثر غرابة، فهم يأتون، كما في فيلم ( كازبلانكا ـ الدار البيضاء ) لأسباب متعددة. بعضهم يصل باحثاً عن الشهرة أو الثروة، لأن هناك دائماً دولاراً سريع التحصيل في الظروف الصعبة. آخرون يأتون بحثاً عن التشويق، والمتعة الصرفة لضخ الأدرنالين في أوردتهم، ووجودهم قريبين من الحياة والموت، أو لمجرد أن يكونوا شاهدين على تاريخ العالم لحظة صنعه. وبعضهم هم ببساطة مجانين.

شهدت بيروت نصيبها العادل من المجانين. أحد الأمريكيين الذي أسمى نفسه آرثر بليسيت وصل وهو يجرّ صليباً خشبياً ضخماً على كتفيه، يرافقه أبنه الذي يبلغ من العمر اثنتي عشر عاماً، محاولاً استعادة خطوات المسيح. لم يكلف أحد نفسه ليخبره أن يسوع لم يذهب على الإطلاق إلى هذا الحد باتجاه الشمال. وليخفف من حمله، دعم بليسيت الصليب بوضعه على عجلتين صغيرتين تشبهان عجلات الأطفال. أخذ يلوح بيده قائلاً: ” عودوا إلى يسوع “.

مقاتلون ملثمون من حزب الكتائب المسيحية اليميني يقومون بدوريات في شوارع شرق بيروت بالقرب من الخط الأخضر وهم مسلحون ببنادق هجومية من طراز AK-47.

 

ألقت مبشرة أمريكية أخرى باللائمة على التدخين فيما يتعلق بكل مشاكل لبنان. وجهت المرأة محاضرتها إلى الرئيس السابق كميل شمعون خارج منزله في شرقي بيروت أحد الأيام قائلة: ” لو أن الناس تتوقف عن التدخين لما حصل ما قد حصل “. قالت السيدة قبل مغادرتها لشمعون ” المجد لله “. أجاب شمعون مردداً: ” أجل المجد لله ” وتوجه بعدها إلى حشد الصحفيين الأجانب مضيفاً: ” والموت للذخيرة الحية “.

بعد عدة سنوات، وبينما كنت أحضر ” مؤتمر الوفاق اللبناني “. في لوزان بسويسرا، جلس داني ابن كميل شمعون إلى جانبي خلال فترة هدوء مؤقت في المباحثات. كان داني طويل القامة، ورجلاً خشن المظهر مع قسمات صلبة.

قال داني: ” كلهم مجانين “.

قابلت داني بين الفينة والأخرى، لكنني لا أستطيع الادعاء أنني كنت قريباً من الرجل. كانت علاقتنا مقيدة ببضع مجاملات متبادلة.

كرر داني قوله: ” كلهم مجانين وأبي الأكثر جنوناً بينهم. لقد دمروا لبنان وخربوا حياتي. ”

قلت له: ” أعلم كيف تشعر ” محاولاً إبداء تعاطف تجاه هذا الاعتراف العفوي المفاجئ. كنت معجباً بداني وآسفاً أن أراه في مثل هذه الحالة.

أجاب داني: ” لا! لا، أنت لا تعلم. فهؤلاء الناس قلبوا حياتي رأساً على عقب، وزواجي، وعملي. كلهم فاقدو العقل، مجانين. ”

بعد سنوات قليلة تم اغتيال داني شمعون وزوجته وطفلته بشكل وحشي عندما قام رجال مسلحون مجهولو الهوية من ميليشيا مسيحية منافسة باقتحام شقته في بيروت الشرقية وأطلقوا النار على العائلة بدم بارد.

الزمن الذي أمضته الميليشيات المسيحية، والمسلحة، والفلسطينية في القتال بعضها مع بعض يماثل الزمن الذي أمضته تقاتل ” الجانب الآخر “. انتشرت الميليشيات اللبنانية كالفطر البري. ففي كل مرة استُعيدت فيها الأحقاد، نشأت مجموعات أكثر. بعض هذه المجموعات، مثل حزب الكتائب المسيحي، الذي يحوي بفخر حوالي عشرين ألف مقاتل مجهز ومدرب بشكل كامل، تدعي قوة تماثل قوة الجيش الوطني، نظمت الكتائب نفسها في وحدات قتالية مع هيكلية قيادية مناسبة، وتتضمن قوتها التسليحية قذائف، ودبابات، ومدافع هاون من عيار 120مم، وشرطة عسكرية، وحتى وحدة بحرية صغيرة. حكمت الكتائب معظم المناطق المسيحية، حيث سيطرت على الموانئ، وقامت بجبي الضرائب، وإزالة القمامة، وأدارت محطة إذاعة وتلفزة، وحتى أنها بدأت بتقديم خدمة بريدية بعد انهيار السلطة اللبنانية المركزية.

كان إيتيان صقر هو القوة الكامنة خلف حراس الأرز وهي ميليشيا مسيحية أخرى. ساهم صقر، وهو ضابط جمارك متقاعد، في إنشاء وقيادة هذا الجناح اليميني المتطرف المنظم على النمط العسكري، والذي أخذ على عاتقه تخليص لبنان من الفلسطينيين والمهاجرين الآخرين غير المرغوب فيهم “. تأثرت أيديولوجية هذه المجموعة بأفكار سعيد عقل، وهو شاعر ومفكر لبناني أراد استبدال الأبجدية العربية بالأحرف اللاتينية. كان لبنان، من وجهة نظر عقل، فينيقياً أكثر من كونه عربياً. وآمن بأن لدى لبنان قواسم مشتركة مع الغرب أكثر مما لديه مع الشرق العربي. يدعي العديد من اللبنانيين ( وبشكل خاص المسيحيين ) أنهم أحفاد الفينيقيين، الذين قدموا للعالم أبجديته الأولى. نادراً ما ينظر المسيحيون اللبنانيون إلى أنفسهم كعرب. العديد منهم يمتعضون من العرب وينظرون إليهم كتهديد لوجودهم.

كان الحراس مجموعة صغيرة نسبياً تتمركز أساساً في الأشرفية، قلب بيروت الشرقية المسيحية. وهم أيضاً من حمل الحقد الأكبر تجاه اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. صرح إيتان صقر خلال مقابلة مع التلفزيون الفرنسي قائلاً: ” إن واجب كل لبناني هو أن يقتل فلسطينياً واحداً “. إن مشاكل لبنان كلها، استناداً إلى صقر، هي بسبب تدفق جموع الغرباء إلى البلد ( باستثناء الغربيين منهم ). يضيف صقر قائلاً: ” علاوة على ذلك، فإن الأجانب في فرنسا نظيفون وهم شعب عريق. الأجانب في فرنسا لديكم هم برتغاليون وألمان، وإيطاليون، وإسبان. ولديكم في فرنسا حواسب دائماً. ” وإدعى صقر قائلاً: ” عندما يقول الحاسوب أن هناك أجنبياً واحداً زاد عن العدد المحدد، فإن حكومتكم تطرد ذلك الأجنبي. لدينا هنا في لبنان عدد كبير جداً من الأجانب. عدد كبير جداً جداً. وأسوأ  ما في الأمر، أنهم عرب! ” قذف بالكلمات كالسم، والتوى فمه باشمئزاز. ” في لبنان، اللاجئون هم من الفلسطينيين والسوريين والأكراد. ”

احتفظ الحراس، بمساعدة تيليسكوب قوي، بمراقبة مستمرة من غرفتهم المحصنة تحصيناً قوياً الواقعة في مبنى سكني غير مجهز يطل على مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين.

كانت الحركة كلها مراقبة وتُنقل في الحال إلى المجموعات المسلحة المزودة بأسلحة نارية من العيار الثقيل. كانت الأسلحة تفتح النار كل بضعة دقائق، خارقة الصمت وقاذفة بالرصاص على المخيم المحاصر في الأسفل. كان على الفلسطينيين الرد بالمثل.

قوطعت مقابلة صقر بتحليق الطيران الحربي الاسرائيلي فوق بيروت مطلقاً صفارات الإنذار للغارات الجوية في محيط المخيم الفلسطيني. ابتسم صقر وقال وهو يشير إلى الطائرات التي تحلق فوق الرؤوس: ” مرحباً بهم. مرحباً بهم. بكل فلسطيني يقتلونه، ينقص عدد الذين يجب علينا التخلص منهم واحداً “.

حكمت فرقة المردة، والتي تعرف أيضاً باسم جيش تحرير زغرتا، المنطقة المحيطة بالأرز، وهي بلدة جبلية صغيرة تقع وسط أشجار خرافية من الأرز. كانت تلك المنطقة مسقط رأس الرئيس سليمان فرنجية. وكانت الميليشيا بقيادة ابنه طوني.

كان الأب ضويحي، وهو عضو بارز في زغرتا، عضو أيضاً بالبرلمان. كان الأب ضويحي يغط في حشد قداس وهو مسلح بكأس القربان وبندقية. تلك قصة غالباً ما تتداول في لبنان وتدعي بأنه قام بإطلاق النار على عدد من الخصوم السياسيين المتواجدين في الكنيسة، ثم عاد بهدوء لمتابعة صلاته.

ذات مرة، بينما كان الأب ضويحي يجري مقابلة قرب بلدته المطلّة على ميناء طرابلس، أتى أحد مقاتليه راكضاً إليه.

صرخ المقاتل الشاب بصوت عال فيه شيء من الهلع. ” أبتاه، أبتاه. نحن محاصرون بالرجال المسلمين المسلحين. لا نستطيع الصمود أكثر من ذلك. أنهم يفوقوننا عدداً بخمسة أضعاف. نحتاج إلى الدعم. ”

أمره الكاهن قائلاً: ” عد إلى موقعك وقاتل. ما هم إلا عرب. بإمكانكم صدهم انظروا إلى اسرائيل. أنهم ثلاثة ملايين فقط محاطين بأعداد تفوقهم بعشرة أضعاف. لقد استطاعوا صدهم. وهذا ما علينا القيام به. عد وقاتل.”

الميليشيا الأكبر الثانية في بيروت الشرقية كانت ميليشيا النمور، وهي الجناح العسكري لحزب الرئيس الأسبق شمعون  ( حزب الوطنيين الأحرار ).

شهدت بداية الحرب الأهلية أيضاً تأسيس مجموعات أصغر مثل التنظيم، الذي تأسـس على يد جورج عدوان. كان التنظيم أساساً منظمة سرية أعضاؤها هم تقريباً من الموارنة حصراً.

أُجبرت كل تلك التنظيمات المسيحية لاحقاً على الانضواء تحت مظلة الجبهة اللبنانية، التي تأسـست في آذار من عام 1975. تشكل جناحها العسكري وهو القوات اللبنانية في شهر آب من عام 1975 وقادها بشير الجميل أبن بيير الجميل مؤسـس وزعيم حزب الكتائب ( الفلانج ). وبالطبع، فإن إعادة تجميع الميليشيات المسيحية لم يتم بسلام كامل. فقد تم اغتيال العديد من أتباع نمور شمعون المعارضين لقوات الجميل اللبنانية في حمام للسباحة.

وُجدت، على الطرف النقيض، مجموعات أصغر مندمجة في بيروت الغربية والمناطق الأخرى التي يسيطر عليها المسلمون، والتي لم تسلم من الاحتكاك. بعض المجموعات ضمت بضع مئات قليلة فقط من الأعضاء، وفي بعض الحالات المتطرفة ضمت بعض الميليشيات بالكاد دزينة رجال في صفوفها. وفي طرابلس، ثاني أكبر مدينة لبنانية، لم يكن أمراً غير طبيعي أن تجد ميليشيات صغيرة، أو بالأحرى عصابات، تسيطر على شارع مفرد.

حصل فاروق المقدم، المؤسـس والقائد غير المنازع لحركة 24 أكتوبر، على درجة الحقوق من جامعة باريس، ويتحدث فرنسية خالية من الأخطاء. يعيش قائد هذا الجناح اليساري السياسي والتنظيم العسكري في بعض الأحيان والذي تجاوز الثلاثين بعض الشيء، مع والدته ويقود عملياته من غرفة نومه في منزل والديه في طرابلس.

ذاعت شهرة دعاوى مقدم قبل سنوات قليلة من الحرب الأهلية، عندما سيطر هو وأتباعه على القلعة القديمة للمدينة واحتجز الجزء الرئيسي من المبنى لعدة أيام.

وافق المقدم بعد عدة أيام على إجراء مقابلة، توجهت شمالاً إلى طرابلس. رحبت بي والدته المتقدمة في السن، والتي أرشدتني إلى غرفة نوم ابنها. شعرت بأنني أزور صديقاً في الجامعة أكثر من كوني أزور سياسياً بارزاً وزعيم ميليشيا. كانت الغرفة مزينة بملصقات ثورية لتشي غيفارا، وعدد لا حصر له من الكتب كانت مرتبة بشكل أنيق على الرفوف حول الغرفة. كانت هناك أعمال عديدة لماركس، وانجلز، ولينين، وتروتسكي، وماوتسي تونغ وغيفارا.

استمرت محادثتي مع المقدم لمدة أربع ساعات. وجدت فيه مثقفاً وشخصاً فائق الذكاء. بدا متأثراً بشكل صادق بمعاناة الفقراء والمعدمين. أخذني المقدم في رحلة إلى الهرمل وهي منطقة زراعية نائية في شمالي لبنان. يعيش المزارعون هناك في أكواخ مع حيواناتهم. أمل المقدم أن يحاكي تجربة تشي غيفارا وأن يجند الفلاحين الفقراء من أجل ثورته.

كانت حركة ياسر عرفات فتح ( أتت كلمة ” فتح ” من عكس الأحرف العربية الأولى لاسم التنظيم وهو حركة التحرير الفلسطينية ) . وهي التي تقود المنظمات الفلسطينية الأكبر والتي تشكل الزمر الرئيسية المجتمعة تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية. ضمت في صفوفها الشرطة العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية والتي عرفت باسم فرقة الصراع الفلسطينية المسلحة.

شملت المجموعات الرئيسية الأخرى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين التي يقودها نايف حواتمة، وهو مسيحي أرثوذوكسي، ومنظمة الصاعقة التي تسيطر عليها سورية بقيادة زهير محسن. شكلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ( القيادة العامة ) التي يقودها أحمد جبريل مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي يقودها جورج حبش، وهو مسيحي أرثوذوكسي آخر، ومجموعة أصغر من البعث المؤيد للعراق بقيادة عبد الوهاب كيالي والمعروفة باسم جبهة التحرير العربية، الخط الصعب وهي ” جبهة الرفض “. وقفت هذه المجموعات ضد أي مفاوضات أو تسويات سلمية مع اسرائيل وآمنت بأن التحرير يمكن أن يأتي فقط عبر الكفاح المسلح. ومن ثم كانت هناك جبهة التحرير الفلسطينية التي يرأسها أبو العباس ( وهو مؤيد للعراق أيضاً )، والذي انفصل عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة التي كانت بالتالي منسحبة في السابق من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. أما جبهة حواتمة الديمقراطية، والتي كانت تدعى أساساً الجبهة الديمقراطية الشعبية لتحرير فلسطين، فقد كانت تنتسب إلى جورج حبش.

لم يكن لأي من هذه المجموعات أن يشوش مع جيش التحرير الفلسطيني، التي كانت وحداته تتمركز في عدة دول عربية وتقع مباشرة تحت إمرة جيش كل بلد تتـواجـد فـيـه، رغـم أنـها أساساً، تـتـلـقى أوامـرها مـن يـاسـر عـرفـات.

كان من بين ما يسمى تحالف اليسار اللبناني المسلم الحزب الاشتراكي التقدمي الذي قاده كمال جنبلاط. وبعد اغتياله في عام 1977، تولى ابنه وليد السيطرة على الحزب وعلى الطائفة.

كان الحزب، البيت الاشتراكي بالاسم، يتألف أساساً من أعضاء ينتمون إلى طائفة الدروز الجنبلاطيين ويدينون بالولاء إلى جنبلاط.

كان إيد كودي، الذي كان يعمل في ذلك الوقت مراسلاً لوكالة الاسوشتيد برس، يقود سيارته عائداً إلى فندقه بعد العاشرة ليلاً بقليل ذات مساء، بعد أن قام بإرسال صور من شقة زميل له في الوكالة نفسها. كانت معظم خطوط الهاتف معطلة في بيروت، وكان كودي يستخدم واحداً من الخطوط الدولية القليلة المتبقية. وبينما كان يقود سيارته على طول الكورنيش، صادف كودي مجموعة من رجال الميليشيا الشبان الدروز الذين ينتمون إلى حزب جنبلاط. كان الرجال يطلقون النار باهتياج شديد من أسلحتهم الآلية ذات العيار 50 مم المركبة على ظهر سيارة جيب، باتجاه البحر. وليكمل طريقه، كان كودي مضطراً لأن يعبر تماماً من أمام المحاربين الذين لا تتجاوز أعمارهم العشرين عاماً، ومن أمام خط النار. توقف كودي وسألهم بعربيته الممتازة فيما إذا كان بإمكانهم التوقف عن إطلاق النار بما يكفي لكي يعبر.

أجاب رجال الميليشيا: ” بالطبع، يسرنا ذلك “.

لكن فضول كودي نال منه، ولم يستطع إلا أن يسأل عن ماهية الهدف الذي يطلقون النار عليه.

أجاب أحد المقاتلين ” الأسطول السادس. أننا نطلق النار على الأسطول الأمريكي السادس. سمعنا عن تقارير تفيد أنهم قرب الشاطئ اللبناني ونريد أن نردعهم عن مهاجمتنا. ”

كانت هناك تقارير تم تداولها صباح ذلك اليوم عن أن البحرية الأمريكية كانت متواجدة في مكان ما شرقي البحر الأبيض المتوسط، ربما لمؤازرة إجلاء الرعايا الأمريكيين من لبنان.

أجاب كودي: ” اسمعوا. بإمكاني أن أفيدكم بشيء ما. الأسطول السادس موجود في الجانب الآخر من قبرص.”

زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات يبتسم في المؤتمر الصحفي.

 

أمر رجل الميليشيا الشاب: ” انتظر لحظة “، واندفع كالسهم ليعود بعد لحظات مع ضابطه المسؤول.

طلب المقاتل الشاب من كودي قائلاً: ” رجاء أخبر الملازم أول ما أخبرتني به للتو “.

قال كودي بهدوء: ” استمعت للتو في الإذاعة البريطانية لأخبار الساعة العاشرة، وقد قدموا تقرير عن وجود الأسطول السادس على الجانب الآخر من الجزيرة القبرصية “.

أجاب الملازم أول: ” شكراً جزيلاً لك على هذه المعلومة “.

قال كودي: ” والآن رجاءً انتظر لحظة. أنني متوجه إلى منزلي. ”

توقف المقاتلون عن إطلاق النار ليسمحوا لكودي بالمرور، ثم تابعوا إطلاقهم للنار في البحر المتوسط.

 

(يتبع)

الحلقة التاسعة: الفصل السادس (الأحداث) 6/3

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى